كشفت تسريبات خاصة بالمفاوضات الإيرانية الأمريكية عن الأسباب السرية لتعثرها، والتي انطلقت من إسلام آباد، حيث دارت أولى جلسات التفاوض الإيراني الأمريكي، في فندق "سيرينا" على مدى 21 ساعة (وامتدت بين يومي10 و 11 إبريل 2026)، دون التوصل لاتفاق يرضي كلا الطرفين لعدم حسم أربعة عقد.
التسريبات التي حصلت عليها "المشهد" تتفق مع تصريحات نشرتها وسائل إعلام أمريكية وعربية منسوبة لمسؤولين إيرانيين وباكستانيين، لكن الأهم أن إيران تتمسك بمقترحاتها الأخيرة التي قدمتها للولايات المتحدة الأمريكية وتتضمن إنهاء الحرب على كل الجبهات بما في ذلك لبنان، وانسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران (أي في منطقة الخليج والعراق والأردن)، ودفع تعويضات عن الأضرار التي خلفتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية، ورفع العقوبات، واستئناف صادرات النفط، والإفراج عن أصولها وأموالها المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي المفروض على البلاد، وتثبيت دورها في مضيق هرمز، ويتم مناقشة الملف النووي في المرحلة الثانية والتي تستغرق 30 يوماً قابلة للتجديد.
التصريحات الخاصة بالمفاوضات ونقاط الخلاف تشهد تضارباً، في الوقت الذي نقلت فيه "واشنطن بوست" عن مسؤول باكستاني أن واشنطن قد تنظر في رفع العقوبات عن صادرات النفط الإيرانية إذا وافقت طهران على وقف دعم القوى الوكيلة في المنطقة، نفى مسؤول أمريكي موافقة واشنطن على تعليق العقوبات النفطية أثناء المفاوضات.

وكالة رويترز، في مشهد التصريحات المتضاربة والمتناقضة، قالت نقلا عن مصدر إيراني رفيع "إن الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن ربع الأموال الإيرانية المجمدة المودعة في بنوك أجنبية، فيما تطالب طهران بالإفراج عن جميع الأصول.. وأن واشنطن أبدت مرونة بالسماح لإيران بمواصلة بعض الأنشطة النووية السلمية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لترد وكالة «فارس»، أن الرد الأميركي تضمن خمس نقاط، أبرزها نقل 400 كيلوغرام من اليورانيوم الإيراني العالي التخصيب إلى الولايات المتحدة، والإبقاء على منشأة نووية واحدة فقط عاملة في إيران، وعدم دفع تعويضات أو الإفراج عن 25 في المائة من الأصول المجمدة، وربط وقف الحرب بالدخول في مفاوضات رسمية.
المسؤول الباكستاني قال ـ وفقاً لواشنطن بوست ـ إن إيران قد تبدي استعداداً لإرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، غير أن أياً من المسألتين (اليورانيوم ورفع العقوبات) لم يُحسم بعد، وسط خلاف على ترتيب الاتفاق، إذ تريد طهران اتفاقاً لإنهاء الحرب قبل إعلان اتفاق نووي، فيما تريد واشنطن إعلان الاتفاقات دفعة واحدة.. لتكذب "فوكس نيوز" ما ذكرته "واشنطن بوست" نقلاً عن مسؤول أميركي بأن إيران مصممة على إبقاء اليورانيوم المخصب داخل حدودها، وهو ما أكدته يوم الخميس (21 مايو 2026) وكالة "رويترز" عن مصدرين إيرانيين، بأن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أصدر توجيهات تقضي بعدم إرسال مخزون اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد، في خطوة تعكس تشدد طهران تجاه أحد أبرز المطالب الأميركية ضمن المحادثات المتعلقة بالملف النووي الإيراني.

** عقد المفاوضات المخفية
التصريحات المتداولة، فضلاً عن المنشورات الترامبية، تتفق إلى حد كبير مع التسريبات التي تعكس كواليس حادة لم تظهر بالكامل في الإعلام الرسمي وغير الرسمي، والعقد التي يدور حولها النقاش في الأروقة الخلفية.
أولى هذه العقد، رسوم المرور بمضيق هرمز، إيران طالبت بفرض رسوم مرور لتمويل إعادة الإعمار بعد الضربات التي أصابت البنية التحتية، والمنشآت الحيوية (المدارس، والمستشفيات، والجامعات، والمنازل) وصرف تعويضات لأهالي الشهداء والمصابين، وهو أمر لم ترفضه إدراة ترامب التي اقترحت له عنوان "رسوم تأمين الملاحة" على أن تقاسم الرسوم بنسبة 50/50، وهو ما رفضته طهران، فاقترح ترامب تقاسم الرسوم بذات النسبة من حصة سلطنة عمان، وهو ما رفضته طهران أيضاً معتبرة إياه انتقاصاً من سيادتها..
ثاني العقد هو التعويضات، حيث تطالب إيران بتعويضات فورية عن الضربات التي أدت لتدمير بنيتها الكيماوية والنفطية والتي تطلب مبالغ كبيرة وأمداً طويلاً، وهنا تم طرح مقترح (ومن غير المستبعد أنه مقترح مصري) بحصول إيران على الحصيلة الكاملة لرسوم المرور بالمضيق لمدة 7 سنوات كتعويض مقنع دون تسميته تعويضات حرب، لكن طهران رأت أن تدمير بنيتها الكيماوية يتطلب مبالغ فورية.
ثالث العقد المسار اللبناني، إذ تصر إيران على الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية بضمانات دولية، ليس فقط على أراضيها بل بوقفها أيضاً في لبنان والعراق واليمن، معتبرة أن أمن المنطقة لا يتجزأ.
وفيما يخص لبنان تصر طهران على ضرورة الوقف الفوري للعداون الإسرائيلي، والانسحاب من كافة النقاط التي تقدمت إليها في الجنوب منذ وقف إطلاق النار في 2024، لكن ترامب يصر على فك الارتباط بين طهران وبيروت، وسارع بإعلان مسار واشنطن الذي هرولت إليه السلطة اللبنانية، لكن طهران متمسكة بالربط بين الجبهتنين لإفشال محاولة ترامب الاستفراد بحزب الله والمقاومة ولبنان لصالح الاحتلال الإسرائيلي.
أما رابع العقد والأكثر تعقيداً هي اليورانيوم عالي التخصيب والذي يبلغ 440 كيلوجراما، إيران كانت قد طرحت تسليم نصف الكمية (220 كيلوجراما) وهو ما وافقت عليه إدارة ترامب، لكن المشكلة كانت في الدولة التي يخزن فيها اليورانيوم عالي التخصيب، وهي عنق الزجاجة التي كادت تطيح بالهدنة التي أعلنها ترامب في 8 إبريل 2026.
طرحت إيران تسليم نصف اليورانيوم لروسيا، لكن ترامب رفضها لتحالفها مع طهران، وهو الأمر الذي أكدته وكالتي "إنترفاكس" و"ريا نوفوستي" الروسيتين (الخميس 21 مايو 2026) بأن بوتين أعاد عرض فكرة نقل وتخزين اليورانيوم الإيراني المخصب في روسيا على نظيره الصيني، وهو المقترح ـ وفقا للمتحدث باسم الكرملين ـ الذي اقترحته إيران وموسكو ورفضته واشنطن.
وفقاً للتسريبات ـ التي توصلت لها المشهد ـ طرحت واشنطن تسليم اليورانيوم لجهة موثوقة وهي كازاخستان، باعتبارها بنك اليورانيوم التابع للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفضت طهران ذلك، ليس لمجرد العناد، بل نتيجة لمخاوف إيرانية بتسليمه لواشنطن، أو مصادرته، لقناعتها بأن الوكالة في النهاية خاضعة لإدارة القوى الكبرى، وهي تريد دولة تضمن لها حق الاسترداد إذا نقض ترامب أو أي رئيس أمريكي الاتفاق، وهو ما لا تضمنه كازاخستان مقارنة بروسيا.
إيران وفقاً للمسؤولين في تصريحاتهم أبدت مرونة وليونة لتمرير الاتفاق، في ذلك السياق طرحت سلطنة عُمان، لثقتها فيها كوسيط نزيه، وضمان استرداده في حال نقض الاتفاق، لكن ترامب رفض ذلك الخيار بحجة أنها لا تمتلك منشآت نووية لازمة لتخزين كميات كبيرة عالية التخصيب لفترات طويلة، وتخوفاً من منح مسقط إيران فرصة الوصول لليورانيوم مجدداً.. هنا حاولت واشنطن الضغط باتجاه التخزين في الأردن كحل وسط، وهو ما رفضته طهران بشدة واعتبرته اقتراحا مستفزا، نظراً للتعاون الأمني الوثيق بينها وبين أمريكا وإسرائيل، وكانت شريكاً في "حرب رمضان" التي اندلعت 28 فبراير 2026، وهو ما يعني أن اليورانيوم قد وضع تحت سيطرة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية.

بعد مشاروات تم التوصل لدولة محايدة تمتلك تكنولوجيا نووية وهي البرازيل، لكن ذلك الخيار تم صرف النظر عنه لصعوبات لوجستية تتعلق ببعد المسافة والمخاطر الأمنية لنقل 220 كيلوجراما عالي التخصيب..
وخلال شهر مايو الجاري، تم طرح دولة الجزائر، وقد أبدت طهران دعمها لذلك، لأن الجزائر دولة ذات سيادة قوية، وتاريخها في الوساطة يتسم بالاستقلالية عن واشنطن، وتربطها علاقات جيدة بطهران، وقد أبدت واشنطن من جانبها ليونة لامتلاك الجزائر منشآت نووية (مفاعلي السلام ونور) وخبرة تقنية، وليست حليفاً عسكرياً لإيران مثل روسيا، مما يقلل مخاوف التسرب التقني.
لكن المشكلة التي تواجه طرح الجزائر اشتراط واشنطن وجود فريق مراقبة دائم من الوكالة الدولية، وهو مارفضته إيران والجزائر، باعتباره عملا تجسسيا مقنعا تحت ستار المراقبة الدولية، وانتقاصا من سيادة الجزائر، كما رفضت الدولتان فكرة وضع نظام مراقبة تقني (كاميرات ذكية ومشفرة) كبديل للعنصر البشري وهو مقترح رفض تماماً، وطرحت الجزائر ختم المخزون بالأختام الإلكترونية، ويتم فحصها دوريا (كل شهر) كما طرح أيضاً إيداع اليورانيوم في الجزائر تحت حماية قوة مشتركة من الصين وروسيا والجزائر دون تدخل مباشر من الوكالة الدولية.
الجميع الآن في غرفة الانتظار لاتفاق يُرضي غرور ترامب بصورة النصر، ويحقق سيادة واقعية لإيران، ومن يملك مفتاح مخزن اليورانيوم طهران تريد مفتاحاً سياسياً، وواشنطن تريد مفتاحاً تتحكم فيه، وهل سيكون خيار الضمانات السياسية الجماعية هي الحل بقبول الجزائر وضمانة روسية صينية؟







