أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي موخرا رأيا قانونيا يتعلق بحق الإضراب وعلاقته بالاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وحماية حق التنظيم النقابي، هذا القرار يتعلق بموقع الحق في الإضراب داخل منظومة علاقات العمل الدولية وحدود السلطة التي تمتلكها الحكومات وأصحاب الأعمال في مواجهة التنظيم النقابي.
تعود جذور الأزمة إلى سنوات طويلة داخل منظمة العمل الدولية، فمنذ اعتماد الاتفاقية رقم 87 سنة 1948 استقر تفسير هيئات الرقابة التابعة للمنظمة على أن "الحرية النقابية لا تنفصل عن حق العمال في الإضراب" وكانت الفكرة الأساسية أن التنظيم النقابي لا يملك معنى حقيقيا، إذا كان مجرد إطار تمثيلي بلا أدوات ضغط جماعية، لذلك اعتبرت لجان الخبراء أن الإضراب جزء أصيل من ممارسة الحرية النقابية، حتى في غياب نص مباشر وصريح داخل الاتفاقية نفسها، هذا التفسير ظل مستقرا لعقود، قبل أن يبدأ الاعتراض عليه بصورة علنية من جانب ممثلي أصحاب الأعمال داخل منظمة العمل الدولية، الاعتراض لم يكن قانونيا فقط، وإنما كان ارتبط أيضا بالتحولات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة ,فمع تصاعد سياسات تحرير سوق العمل وتوسيع أنماط التشغيل المؤقت والعمل المرن والعمل عبر المنصات الرقمية، أصبحت قطاعات واسعة من رأس المال ترى أن الإضرابات تمثل عبئاً على حركة الإنتاج والاستثمار وسلاسل التوريد العالمية.
من هنا تحول الخلاف حول تفسير الاتفاقية 87 إلى صراع أوسع حول مستقبل علاقات العمل نفسها، لأن الاعتراف بحق الإضراب يعني الاعتراف بوجود قدر من التوازن داخل العلاقة بين العامل وصاحب العمل، فالعامل في النهاية لا يمتلك وسائل الإنتاج ولا سلطة الإدارة ولا القدرة على اتخاذ القرار داخل المنشأة وتعد الأداة الأساسية التي يمتلكها هي قدرته الجماعية على تعطيل عملية الإنتاج من أجل فرض التفاوض أو تحسين شروط العمل والأجور.
لهذا السبب، كانت قضية الإضراب دائما مرتبطة بالصراع الاجتماعي داخل النظم الرأسمالية الحديثة، فكل توسع في الحق في الإضراب كان يرتبط تاريخياً بتوسيع قدرة العمال على التفاوض الجماعي وتحسين الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية، وفي المقابل كانت القيود المفروضة على الإضرابات ترتبط عادة بمحاولات تقليص تكلفة العمل وإضعاف النفوذ النقابي داخل سوق العمل.
أهمية ما جرى في لاهاي أن النزاع خرج من الإطار الفني داخل منظمة العمل الدولية إلى أعلى هيئة قضائية دولية، فالمحكمة ناقشت حدود تفسير الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالعمل وحقوق العمال، وهذا يفسر الاهتمام الكبير الذي أبدته اتحادات النقابات الدولية والحكومات ومنظمات أصحاب الأعمال بمتابعة القضية، لأن أي رأي قانوني يصدر عن المحكمة ستكون له آثار تتجاوز منظمة العمل الدولية نفسها.
القضية تكتسب أهمية إضافية في الدول التي تفرض قيودا واسعة على الحق في الإضراب، تحت مبررات تتعلق بالأمن القومي أو حماية الاقتصاد أو انتظام المرافق العامة، ففي كثير من هذه الدول يوجد اعتراف دستوري أو قانوني شكلي بحق الإضراب ,بينما تؤدي القيود الإجرائية والعقوبات القانونية والتدخلات الإدارية إلى جعل ممارسة هذا الحق شديدة الصعوبة في الواقع العملي.
وفي الحالة المصرية تبدو المسألة أكثر ارتباطاُ بالنقاش الدائر حول أوضاع التنظيم النقابي وعلاقات العمل خلال السنوات الأخيرة، فالإضراب ظل دائماً أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الدولة والحركة العمالية، خصوصا مع اتساع الاحتجاجات العمالية التي شهدتها مصر منذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، ورغم الاعتراف الدستوري بحق الإضراب، فإن الممارسة العملية ظلت محاطة بقيود قانونية وإدارية وأمنية واسعة حدّت من قدرة العمال على استخدامه كوسيلة تفاوض جماعي فعالة، كما أن أهمية القرار الحالي ترتبط أيضاً بالتغيرات الجارية داخل سوق العمل العالمي، فالتوسع في الاقتصاد الرقمي والعمل المؤقت والعمل غير المستقر أدى إلى تراجع القدرة التنظيمية التقليدية للنقابات في قطاعات كثيرة، وفي ظل هذا التراجع أصبح الحفاظ على أدوات الضغط الجماعي، وعلى رأسها الإضراب قضية أساسية بالنسبة للحركة النقابية الدولية التي تواجه تآكلا تدريجيا في قدرتها على التأثير داخل سوق العمل.
اللافت في القضية أيضا أنها كشفت حدود التوافق داخل النظام الدولي نفسه حول حقوق العمل. فبينما تنظر النقابات إلى الإضراب باعتباره حقا أساسيا مرتبطا بحرية التنظيم، تنظر قطاعات واسعة من أصحاب الأعمال إلى الإضراب باعتباره أداة تعطل الإنتاج والاستثمار وتؤثر على تنافسية الاقتصاد، ولذلك لم يكن الصراع حول نص قانوني فقط، وإنما حول طبيعة التوازن الاجتماعي والاقتصادي الذي يجب أن يحكم علاقات العمل.
صحيح ان القرار الصادر مؤخرا لن ينهي الجدل بصورة كاملة، لكنه يعيد تثبيت فكرة أساسية ظلت الحركة النقابية الدولية تدافع عنها لعقود، وهي أن الحرية النقابية لا يمكن فصلها عن قدرة العمال على ممارسة الضغط الجماعي دفاعاً عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، وذلك لأن النقابة التي لا تمتلك أدوات فعلية للتفاوض والضغط تتحول في النهاية إلى كيان إداري محدود التأثير داخل علاقات عمل غير متوازنة.
---------------------------------
بقلم: حسن البربري






