منذ فجر التاريخ، ارتبط الإنسان بالعمل ارتباطاً عضوياً يصعب تفكيكه. العمل ليس مجرد وسيلة للكسب والرزق، بل هو هوية ووجود وكرامة، غير أن التسارع الهائل في تطور التكنولوجيا، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والأتمتة، يطرح اليوم أحد أكثر الأسئلة استفزازاً للعقل؛ هل يمكن أن يأتي يوم لا يحتاج فيه الإنسان للعمل؟
في كتابه "عالم بلا عمل: التكنولوجيا والأتمتة وكيف يجب أن نتجاوب"، الصادر عام 2020، للاقتصادي البريطاني دانيال سوسكيند، يشير إلى أن جذور القلق من تطور الآلة، يرجع إلى بدايات الثورة الصناعية، في القرن الثامن عشر، حين حطم عمال النسيج في إنجلترا الآلات بأيديهم دفاعاً عن وظائفهم. اليوم، يعاود القلق الظهور مع كل موجة تكنولوجية جديدة، كان الرئيس الأمريكي كيندي قد تحدث عام 1962 عن "التهديد الداكن للأتمتة الصناعية"، وحذر العالم ستيفن هوكينج في 2016 من أنها ستمتد لتقضي على الطبقة الوسطى.
وعلى الرغم من تقليل سوسكيند من آثار الذكاء الاصطناعي، وأن العالم سيكون قادرًا على إنتاج وظائف جديدة، إلا أن اقتصاديا آخر، يرى أن ما فعله التقدم التكنولوجي باستبدال الخيول بالسيارات، سيفعله في نهاية المطاف بالبشر، بأن يدفعهم خارج دائرة العمل.
لعل أبرز سمة تميّز اللحظة التاريخية الراهنة هي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداةً لأتمتة المهام اليدوية فقط، بل امتدت قدراته لتشمل المهام المعرفية الإبداعية التي ظلت لعقود حِكراً على الإنسان، وذلك بفضل ما بات يُعرف باسم" التعلم الآلي العميق"، الذي بدأ عام 2012، لتقتحم الآلات ميادين جديدة مثل؛ الطب التشخيصي، والترجمة الفورية، وكتابة المقالات، وتأليف الموسيقى، والقيادة الذاتية.
من جانب آخر، كانت شركة جوجل قد بدأت تجاربها على السيارات ذاتية القيادة في عام 2009، وبعد مليون وثمانمائة ألف ساعة اختبار لم تُسجَّل مخالفة واحدة على أي من سياراتها، في حين رُجّعت أسباب كافة الحوادث إلى خطأ بشري، وهو مثال يكشف حجم التحول الحقيقي.
لذا يرى سوسكيند أن الوظائف لن تختفي دفعة واحدة، لكن المشكلة الأعمق هي أن المهام المتاحة للعمل البشري تضيق تدريجياً وببطء لا يُلاحَظ، يضطر البشر إلى التراجع نحو مساحة عمل متقلصة باستمرار، وقد لا يكفي ما تبقى لتشغيل الجميع.
من هنا تظهر قوتان متصارعتان؛ الإحلال وتمثلها الآلة، أو ذلك الروبوت الذي يمكن أن يحتل مكانك في العمل، وقوة التكامل، وهو الإنسان الذي تجعله التكنولوجيا أكثر إنتاجية، وهنا يقفز السؤال الجوهري؛ هل ستظل قوة التكامل تعمل كما عملت في الماضي؟ .
وحتى لو لم يأتِ اليوم الذي تختفي فيه الوظائف كلياً، يحذّر سوسكيند من كارثة أشد خطورة: تفاقم التفاوت الاقتصادي. فسوق العمل اليوم هو الآلية الأساسية لتوزيع الثروة في المجتمع؛ معظم الناس يحصلون على دخلهم من وظائفهم. وحين تنحسر الوظائف أو تتدنى أجورها، يتقلص نصيب قطاعات عريضة من الكعكة الاقتصادية المتنامية، ويظهر تهديد شعور أولئك الذين فقدوا وظائفهم بالفراغ الوجودي.
ويستحضر سوسكيند في هذا السياق سؤال المفكر الاقتصادي جون مينارد كينز الذي تنبأ عام 1930 بأن التقدم التكنولوجي سيقود الإنسانية نحو أسبوع عمل مدته خمس عشرة ساعة فحسب، وتساءل آنذاك: ماذا سيفعل الإنسان بهذا الفراغ الهائل؟ كينز كان متفائلاً بأن الإنسان سيُبحر في آفاق الفنون والفلسفة والتأمل. غير أن الواقع يُشير إلى أن التحول عن العمل بلا تهيئة ثقافية ومؤسسية كافية يُفضي إلى بطالة مُضنية لا فراغًا مُثمرا.
في عالم يتمركز فيه إنتاج الثروة حول الآلات الذكية، تنشأ تركّزات هائلة للسلطة في أيدي شركات التكنولوجيا الكبرى، ومن ثم تتحكم في بيانات مئات الملايين من البشر، وتصبح بشكل تلقائي لاعباً سياسياً من الطراز الأول، لا مجرد شركة تسعى للربح.
هذا يستدعي مراجعة جذرية لنظريات التنظيم الاقتصادي والحوكمة الرقمية، ويطرح أسئلة عن كيفية صون الديمقراطية في عالم تملك فيه شركة تكنولوجيا قوة تفوق قوة دول بأكملها.
ويطرح سوسكيند ثلاث مقاربات؛ الأول: الانتقال التدريجي المدار، حيث تتقدم الأتمتة ببطء، وتتكيف الأسواق والمؤسسات مع ذلك عبر توليد وظائف جديدة ورفع مستوى التعليم وإعادة التأهيل المهني، وهذا هو ما وقع تاريخياً بعد كل ثورة تكنولوجية سابقة، غير أن الوتيرة المتسارعة حالياً تجعله رهاناً أقل يقيناً.
الخيار الثاني، يرى تزايد الثروة العالمية وتمركزها في أيدي قلة تمتلك رأس المال والتكنولوجيا، بينما تهبط الأجور وتزداد الهشاشة للأغلبية. عالم أكثر ثراءً لكن أشد تفاوتاً، مع توترات اجتماعية متصاعدة.
أما المقاربة الأخيرة، فتعتمد على إعادة تعريف "العمل" وإعادة صياغته ليشمل أنشطة إنسانية لم تُدرج تاريخياً ضمن مفهوم العمل الرسمي: رعاية الأهل، والتطوع، والإبداع الفني، والمشاركة المجتمعية.
في هذا الصدد، يقترح سوسكيند الاستثمار في مشروع تعليمي مستقبلي، مع التركيز على المهارات التي لا تستطيع الآلات تكرارها: التفكير النقدي، والإبداع، والتعاطف الإنساني، إعادة توزيع الثروة عبر ضرائب أكثر تصاعدية على أرباح رأس المال والتكنولوجيا.
بالعودة إلى سؤالنا الأصلي: هل يمكن أن يأتي يوم لا يحتاج فيه الإنسان إلى العمل؟ الجواب الأمين هو: ربما في يوم ما وفي مجالات بعينها؛ لكن الأرجح، وفق ما تكشفه الدراسات، أن المسار لن يكون انقطاعاً مفاجئاً درامياً، بل تآكلاً تدريجياً بطيئاً لما يُتيحه سوق العمل للبشر، مع الأخذ في الاعتبار أن المستقبل ليس قدراً محتوماً يُفرض علينا، بل خياراً حضارياً نصنعه نحن بقراراتنا السياسية والاقتصادية والثقافية. فالخيول لم تستطع التصويت لتغيير مصيرها، أما البشر فيستطيعون. المسألة إذن ليست ما ستفعله التكنولوجيا بنا، بل ماذا نختار أن نفعل بالتكنولوجيا.
----------------------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفى الخياط






