25 - 05 - 2026

دور الحضرمي في تحقيق العدل من خلال كتابه السياسة

دور الحضرمي في تحقيق العدل من خلال كتابه السياسة

إذا كان الذكر للإنسان بعد وفاته (عمر ثان)، فإن مسيرة الحاكم العادل - من باب أولى - تخلد ذكراه إلى ما شاء الله تعالى....

هذه الكلمات ليست من قبيل الكلمات المرسلة، بل هي كلمات ذات مغزى، وشغلت حيزا كبيرا من اهتمام أعلام الفكر والثقافة في الحضارة الإسلامية. ومن هؤلاء (أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي) أحد أعلام الفكر السياسي في المغرب العربي، والذي لايعرف عنه شيء سوى ما جاء بشانه في مصادر ترجمته إنه نشأ في القيروان، وأتم تعليمه بها، وكانت وفاته بمدينة أزكى بالمغرب الأقصى سنة ٤٨٩ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، الموافق ١٠٩٥ من الميلاد.

واشتهر الحضرمي بصحبة أحد قيادات دولة المرابطين - أو الملثمين - بالمغرب العربي، وهو الأمير ابو بكر بن عمر؛ فكان أثيرا لديه، متوليا لقضائه، فجمع بين الفقه والقضاء والأدب وعلوم الدين، وأصبح أحد رجالات الدولة ومفكريها خلال الصفحات الأولى من قيامها.

وقد أراد الرجل ان يخلد ذكرى مليكه وحاكمه أبي بكر بن عمر، فاهدى إليه - على نمط ما اعتاده كثيرون من اهل العلم والثقافة - كتابه السياسة، أو الإشارة في تدبير الإمارة، واراد به ان يطلعه على كيفية إدارة الدولة.

وقد استفتح الحضرمي كتابه بالحديث عن أنماط الحكام وأهمية العدل، وإعطاه أولوية كبيرة ظنا منه - وهو على حق - أنه الذي يضمن بقاء الدولة ويحافظ على قوتها وازدهارها، مشيرا في هذا إلى ما يترتب على الظلم من عواقب وخيمة في ضعف الدول و سقوطها، طبقا لما جاء في قوله سبحانه وتعالى... وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا.. الآية.... وقوله تعالى.. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا... الآية... وكذلك قوله سبحانه وتعالى.... ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لاينطقون.... الآية.... والأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة.... ومن هنا ندرك أن الظلم لا يتبعه إلا ضعف المجتمعات وسقوطها وهو ما يؤكد عليه الحضرمي.

ومن أقوال الحضرمي في هذا الشأن الأخير قوله.. إذا نطق لسان العدل في دار الإمارة، فأبشر ساكنها بالعز والعمارة، او كما قال.... وفي قوله هذا ما يشير إلى دور العدل في إقامة العمران وتحقيق العز والسعادة والرفاهية لأبناء الدولة ومواطنيها؛ فالعمران لا يدوم مع الظلم، وعدم الاهتمام بالإنسان وجعله في مقدمة أولويات الحاكم، وقد كان الحضرمي سباقا على ابن خلدون من حيث حديث الأخير عن الظلم وإنه مؤذن بهلاك الأمم؛ فيما يعني أن العدل له دوره في العمران، وتحقيق التنمية في المجتمع، وفي هذا ما يؤكد على ريادة الحضرمي وتفوقه على ابن خلدون ابن البيئة المغربية التي ينتمي إليها (الاثنان) رغم أن الفارق الزمني بينهما يزيد عن ثلاثة قرون، استنادا إلى أن وفاة ابن خلدون كانت في عام ٨٠٨ من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.. اي في القرن التاسع الهجري /الخامس عشر من الميلاد.

ولم يكتف الحضرمي ببيان أهمية العدل ودوره في تحقيق العمران والتنمية وشعور الفرد بالعزة والكرامة؛ فأضاف إلى ذلك قوله إن العدل يزيد في السلطان قوة، ويجعله قادرا على إنزال الهزيمة بعدوه.. أو كما قال. ..

وفي قوله الأخير هذا مايشير إلى أن العدل، وتحقيق العدالة يمكنهما تكوين ما يسمى بالظهير الشعبي للحاكم، يستمد منه قوته، ويستطيع أن يقف في وجه عدوه، أو في وجه أعداء أمته، ويلمس بنفسه مدى اتفاق كلمة الأمة عليه، وتمسك الرعية به، في وجه كل مايهدد الأمة من أخطار خارجية.

  ولو لم يقل الحضرمي سوى هذه الكلمات في بيان أهمية العدل، لكان كافيا، لكن الرجل أيضا تحدث في كتابه السياسة عن الحكام وأنماطهم ، لكني أرجيء هذا الحديث إلى مقال آخر إن شاء الله تعالى... عافانا الله تعالى وإياكم من الظلم والظلمات، ويسر لنا سبل العدل وأركانه، وأصلح لنا أحوال مجتمعاتنا وأمتنا،وصدق الله تعالى إذ يقول.. وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون.
------------------------------------------
بقلم: د. عادل يحيى
باحث أكاديمى وعضو اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة.

مقالات اخرى للكاتب

دور الحضرمي في تحقيق العدل من خلال كتابه السياسة