المأساة الفلسطينية ذكرى تتجدد كل عام وواقع يومي يتكرر بأشكال أكثر قسوة. منذ اقتلاع الفلسطيني من أرضه عام 1948 يستمر نزيف المعاناة وتتوالى الانتهاكات حتى أصبحت سجلاً دامغاً لإحدى أطول المآسي الإنسانية في العصر الحديث.
اليوم وبعد عقود على النكبة تتواصل فصول العدوان دون توقف. آلة القتل تعمل باستمرار والقصف يطال الجميع، طفلاً وشيخاً منزلاً وشارعاً. في غزة والضفة الغربية من جنين إلى نابلس وصولاً إلى القدس تتكرر المشاهد: دماء ودمار وغياب لأي رادع حقيقي.
تصريحات التهدئة ووقف إطلاق النار تتردد في المحافل الدولية بينما يكشف الواقع تصاعد القصف واستمرار الانتهاكات في ظل دعم سياسي واضح وانحياز من قوى دولية كبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تظهر اصطفافاً دائماً إلى جانب الاحتلال.
الحقيقة الواضحة أن ما تمارسه إسرائيل يتجاوز حدود الاعتداءات ليصل إلى جرائم منظمة تندرج ضمن أخطر توصيفات القانون الدولي من جرائم حرب إلى محاولات اقتلاع شعب من جذوره. سياسة ممنهجة تفرض واقعاً بالقوة وتدفع الفلسطيني إلى خيارات قاسية تحت ضغط العدوان.
وفي قلب هذه المعاناة تتكشف أبعاد إنسانية أكثر قسوة حيث يعيش المدنيون تحت وطأة حصار خانق يفتك بمقومات الحياة اليومية من نقص في الغذاء والدواء إلى تدهور الخدمات الأساسية بما يحول الحياة إلى معركة بقاء مستمرة. هذا الواقع يضاعف من حجم الكارثة ويجعل القضية الفلسطينية اختباراً حقيقياً لضمير العالم وقدرته على حماية الإنسان قبل أي اعتبارات أخرى.
ويمتد أثر هذه الجرائم إلى الأجيال القادمة حيث ينشأ الأطفال في بيئة يطغى عليها الخوف والحرمان وفقدان الأمان ما يترك ندوباً نفسية عميقة يصعب تجاوزها مع مرور الوقت. هذا الواقع يصنع دائرة مغلقة من المعاناة تتوارثها الأجيال وتتحول فيها الطفولة من مرحلة للنمو إلى ساحة للصمود في مشهد يلخص حجم المأساة الإنسانية بكل أبعادها.
المجتمع الدولي يقف في موقع المتفرج يكتفي ببيانات الشجب والإدانة دون خطوات عملية توقف هذا النزيف أو تحاسب المسؤولين عنه. هذا المشهد يفتح الباب أمام استمرار المأساة واتساع نطاقها.
أمام ذلك تتعاظم مسؤولية الدول العربية والإسلامية ومعها كل القوى المؤمنة بالعدالة والسلام للتحرك الفعلي وإعادة التوازن ودعم حق الشعب الفلسطيني في استعادة أرضه وإقامة دولته المستقلة والعيش بكرامة وأمان.
ويبقى السؤال حاضراً: متى يتحول التعاطف إلى فعل ومتى تتغير المعادلة على أرض الواقع؟.
--------------------------------
بقلم: محمد دياب






