21 - 05 - 2026

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب. "2/1"

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب.

منذ سنوات طويلة، كان الحج والعمرة يسكنان قلبي كحلمٍ بعيد، أتمناه في صمتٍ وأدعو الله أن يرزقني إياه يومًا ما ، وهذا الشوق يعرفه كل مسلم؛ حنين خفي إلى بيت الله الحرام، ورغبة صادقة في الاقتراب من الله في أطهر بقاع الأرض.

لكنني اليوم أؤمن يقينًا أن العمرة ليست مجرد رحلة إلى مكان مقدس، بل هي منحة ربانية يهبها الله لعباده في الوقت الذي تكون فيه قلوبهم أشد احتياجًا للسكينة والجبر والشفاء ، فقد جاءتني العمرة بعد رحلة طويلة من الجهاد مع الحياة والبشر، وبعد سنوات حملت فيها من التعب النفسي والإنساني ما أثقل القلب والروح.

كنت قد خرجت لتوي من جراحة أرهقتني، وبين الألم الجسدي والإرهاق النفسي كنت في حاجة إلى رحمة تربت على قلبي، دون أن أدري أن الله كان يدبر لي تلك الرحلة المباركة ، فبعد الجراحة ببضعة أيام، جاء ابن أخي الأكبر لزيارتي، وأثناء حديثنا أخبرني أنه يستعد للسفر لأداء العمرة ، لم أتمالك نفسي، وبكيت دون إرادة ، سألني متعجبًا: لماذا تبكين؟ فقلت له إنني أتمنى العمرة منذ سنوات.  

فقال لي مباشرة: هل جواز سفركِ مُجدَّد؟  أجبته: نعم.

فقال: أعطني جواز السفر. وفي اليوم التالي هاتفني ليخبرني بأنه حصل لي على تأشيرة عمرة، وأن موعد السفر بعد أيام قليلة.

كانت المفاجأة أكبر من قدرتي على التصديق، وشعرت وقتها أن الله يرسل إليَّ رسالة رحمة في توقيت كنت في أمسّ الحاجة إليه ، سافرت مع ابن أخي وأصدقائه، وحتى لحظة وصولي إلى مكة المكرمة كنت أشعر وكأنني أحلم.  

في مكة حيث يغيب العالم

عندما دخلت إلى صحن الكعبة لأول مرة، عشت موقفًا مهيبًا لا تستطيع الكلمات وصفه ، شعرت أن كل شيء بداخلي قد سكن فجأة، وأن نورًا عجيبًا يسري في جسدي، يمحو عني إرهاق سنوات طويلة من مجاهدة الحياة وتقلباتها، وما يتركه البشر أحيانًا في أرواحنا من وجعٍ خفي لا يراه أحد، وقفت أمام الكعبة أبكي، لكنها لم تكن دموع حزن، بل دموع راحة وسكينة وشعور بالأمان افتقدته طويلًا ، أحسست وكأن الله ينتشل قلبي من كل ما أثقله، ويغسله من الداخل برحمة لا توصف، وبحكم عملي في الصحافة، سافرت إلى دول كثيرة حول العالم، ورأيت مدنًا فائقة الجمال والسحر، لكنني في كل مرة، وبعد أيام قليلة من السفر، كان يشتد بداخلي الحنين إلى مصر، إلى بيتي وأسرتي وأبنائي، فأظل مشغولة بهم مهما كان المكان الذي أزوره جميلًا وممتعًا .. إلا في مكة.  

في جوار الكعبة حدث شيء مختلف تمامًا؛ شعرت أنني نسيت العالم كله ، نسيت أبنائي وأهلي والعمل وكل تفاصيل الحياة التي كانت تملأ رأسي دائمًا ، لم أتذكر سوى شيء واحد فقط: أنني أقف أمام بيت الله الحرام، هناك، في حضرة الكعبة، يفقد الإنسان إحساسه بكل شيء إلا وجوده في هذا المكان المبارك، وكأن الروح تتحرر للحظات من ثقل الدنيا كلها.  

رعاية ممزوجة بالمحبة

وحين  وصلنا إلى مكة، وجدت ابن أخي الأصغر- وهو مهندس كان يعمل في هذا الوقت بإحدى كبرى شركات المقاولات المشاركة في توسعة الحرم المكي الشريف - قد أعدّ لي كل شيء بمحبة واهتمام بالغين ، حجز لي غرفة أنيقة أقيم فيها بمفردي داخل الفندق الذي يقيمون به، وحرص على أن تمتلئ ثلاجتها بكل ما لذ وطاب من الطعام والشراب. أحاطني أبناء أخي برعاية واهتمام أشعراني بامتنان كبير، جزاهم الله عني كل خير. مكثت في تلك العمرة نحو عشرة أيام، أديت خلالها أكثر من عمرة، وعشت حالة من الصفاء الروحي لا تُوصف. كان ابن أخي يصطحبني صباحًا إلى الحرم الشريف قبل ذهابه إلى عمله، فأقضي وقتي بين الطواف والصلاة والعبادة حتى صلاة العصر، ثم يلتقي بي هو وأخاه وأصدقاؤهم لنذهب إلى الغداء في أحد مطاعم مكة المختلفة.  

أما في المساء، فكنا نذهب أحيانًا إلى جدة للتنزه والتسوق، فكانت الرحلة مزيجًا جميلًا من العبادة والسكينة والونس، وسط رعاية غامرة أشعرتني وكأنني مدللة بين أبنائي.  

معجزة في الروضة الشريفة

وفي يوم الجمعة، وهو يوم إجازتهم الأسبوعية، اصطحبوني إلى المدينة المنورة ، صلينا الجمعة في احدي مساجد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذهبنا للمسجد النبوي الشريف ، ولكن لم يكن متاحًا لنا البقاء طويلًا، إذ كان علينا العودة إلى مكة بعد صلاة العصر.

ومنذ أن دخلت المسجد النبوي، كان قلبي متعلقًا بشيء واحد: أن أصلي في الروضة الشريفة ، في ذلك الوقت لم يكن الدخول إليها بالحجز كما يحدث الآن، ولكنها كانت تفتح في أوقات مختلفة وكان الزحام شديدًا، خاصة أنه يوم جمعة، وكانت صفوف النساء تمتد انتظارًا لفتح الأبواب.  

حاولت أن أقترب من الصفوف، وطلبت من إحدى السيدات أن تفسح لي مكانًا بجوارها حتى أتمكن من الدخول، وشرحت لها أن الفرصة قد لا تتكرر، لكنها رفضت.  

وقفت وقتها أشعر بحزن شديد، وكدت أبكي ، لم يكن في قلبي سوى دعاء واحد: "يا رب، لا تجعلني أغادر المسجد النبوي دون أن أصلي في الروضة الشريفة."  وفي وسط هذا الازدحام، ظهرت فجأة سيدة بشوشة لا أعرف من أين جاءت ، أمسكت بيدي وقالت لي بهدوء: تمسكي بيدي، وسيري بجواري، ولا تلتفتي لأحد، وعندما تجدي السجاد تحتكِ باللون الأخضر قفي  وصلي، فهذه هي الروضة الشريفة ، ثم فُتحت الأبواب، وسرت بجوارها وسط جموع النساء كما طلبت مني تمامًا.

وحين رأيت السجاد الأخضر تحت قدمي، اتخذت جانبًا وبدأت أصلي ، ومن شدة اندماجي في الصلاة لم أنتبه متى اختفت تلك السيدة الطيبة انتهيت من الصلاة وأنا أبحث عنها بعيني، لكنني لم أجد لها أثرًا.  

جلست أصلي ما شاء الله لي أن أصلي، وكان أكثر ما لفت انتباهي أن الحراس كانوا يطلبون من المصلين مغادرة الروضة لإفساح المكان لغيرهم، لكن أحدًا لم يقترب مني طوال الوقت الذي بقيت فيه هناك. وحين شعرت أنني أخذت من هذا الفضل ما يكفيني، غادرت المكان بهدوء، لا لأن أحدًا طلب مني ذلك، بل خجلًا من أن أحرم امرأة أخرى من تلك اللحظة التي تتمناها كما تمنيتها أنا.  

أثر النفحة الإلهية

عدت بعد ذلك من المدينة إلى مكة، ثم عدت إلى القاهرة وأنا ممتلئة بالرضا والامتنان، وقد أدركت دون شك أن العمرة والحج دعوة غالية من الله للتخفيف عن القلوب، ونفحة ربانية حقيقية يداوي بها الله الأرواح المرهقة، ويمنح بها الإنسان سلامًا داخليًا لا تمنحه الدنيا كلها ، وهذا الجبر والتيسير العجيب هو نفسه ما تكرر معي في رحلة الحج، بما حملته من مشاعر ومواقف لا تقل أثرًا ودهشة، أرجئ الحديث عنها إلى مقال قادم بإذن الله.
----------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي


مقالات اخرى للكاتب

الحج والعمرة.. نفحات ربانية تشفي القلوب.