20 - 05 - 2026

الدلتا الجديدة بين الحسابات والشعارات

الدلتا الجديدة بين الحسابات والشعارات

في كل مرة يخرج مسؤول ليتحدث عن “المشروعات العملاقة”، نشعر أننا أمام موسم جديد من استعراض الأرقام، لا موسمًا لمصارحة الناس بالحقائق. أرقام بالمليارات، ملايين من فرص العمل، وقفزات اقتصادية خارقة، ثم يطلبون من المواطن أن يصفق قبل أن يسأل: “إزاي؟”.

آخر ما قيل عن مشروع “الدلتا الجديدة” يفتح بابًا واسعًا للتساؤل، لا للتشكيك في فكرة التنمية نفسها، بل في طريقة تسويقها. الحديث يدور عن تكلفة تصل إلى 800 مليار جنيه، ومشروع يوفر مليوني فرصة عمل، مع تكلفة استصلاح للفدان تتراوح بين 350 و400 ألف جنيه. هنا فقط، يتوقف العقل قليلًا ويطلب آلة حاسبة، لا أكثر.

لأن المشكلة الحقيقية ليست في ضخامة الرقم، بل في التناقض بينه وبين ما يعرفه الناس على الأرض. قبل سنوات، كانت تكلفة استصلاح الفدان تُقدَّر بعشرات الآلاف، ثم فجأة أصبحنا نتحدث عن مئات الآلاف للفدان الواحد، دون شرح واضح ومقنع للرأي العام. هل ارتفعت أسعار المعدات؟ نعم. هل زادت تكاليف البنية التحتية والطاقة والمياه؟ بالتأكيد. لكن هل تضاعفت بهذا الشكل المرعب؟ هذا سؤال مشروع، لا ينبغي أن يُقابل بالتخوين أو الاتهام.

ثم نأتي إلى العبارة السحرية التي أصبحت لازمة ثابتة في أي مشروع: “يوفر ملايين فرص العمل”. الحقيقة أن الزراعة ليست مصنعًا كثيف العمالة إلى هذا الحد. الفدان لا يحتاج عاملًا مقيمًا طوال العام، ولا مشروع استصلاح صحراوي يمكنه تشغيل إنسان لكل فدان بشكل دائم إلا إذا كنا نتحدث عن مدينة كاملة، لا أرض زراعية.

دعونا نتحدث بلغة الأرقام التي يحبها المسؤولون أنفسهم. إذا كان الفدان ينتج في المتوسط ما يحقق نحو 90 ألف جنيه سنويًا، فهذا الرقم بالكاد يغطي تكاليف التشغيل الأساسية من بذور وأسمدة ومبيدات وري وطاقة ونقل ورواتب. فكيف لمشروع بهذه الطبيعة أن يتحمل رواتب ثابتة لملايين العاملين؟ ومن أين سيأتي العائد الذي يغطي كل هذه النفقات؟

المفارقة أن الأراضي الصحراوية ليست مثل أراضي الدلتا القديمة. الإنتاجية أقل، والمناخ أكثر قسوة، واستهلاك المياه والطاقة أعلى، والبنية التحتية أكثر تكلفة. أي أن الحديث عن أرباح ضخمة وتشغيل هائل يبدو أقرب إلى الشعارات منه إلى الحسابات الاقتصادية الدقيقة.

المواطن المصري لم يعد يرفض التنمية، كما يحاول البعض تصويره. بالعكس، الناس تتمنى نجاح أي مشروع حقيقي يضيف للاقتصاد ويوفر حياة أفضل. لكن المواطن أيضًا أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على ملاحظة التناقض بين الواقع والخطاب الرسمي. لم تعد الأرقام الضخمة وحدها كافية لصناعة الإقناع.

المشكلة الأكبر أن الإفراط في إطلاق الأرقام الخيالية يفقد الناس ثقتهم حتى في الإنجازات الحقيقية. حين يسمع المواطن عن “تريليونات” و”ملايين فرص العمل” و”قفزات غير مسبوقة”، بينما حياته اليومية تزداد صعوبة، يبدأ تلقائيًا في التعامل مع كل تصريح باعتباره مادة للسخرية، لا للمناقشة.

في النهاية، الدول لا تُبنى بالخطب الحماسية، بل بالشفافية. والاقتصاد لا يتحسن بالأصفار الكثيرة، بل بالأرقام القابلة للتصديق. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، أن يتحول المنطق فيه إلى تهمة، والحساب إلى رفاهية.
----------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

الدلتا الجديدة بين الحسابات والشعارات