20 - 05 - 2026

جيوبوليتيك الطائفية: تحولات الصراع وأزمة الهوية في الشرق الأوسط

جيوبوليتيك الطائفية: تحولات الصراع وأزمة الهوية في الشرق الأوسط

لم تعد الطائفية في الشرق الأوسط مجرد تعبير عن انقسامات دينية أو مذهبية كامنة داخل المجتمعات، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى بنية سياسية – أمنية عابرة للحدود، تُستخدم في إعادة توزيع النفوذ، وإدارة الصراعات، وإعادة تشكيل الدولة والمجتمع معاً. فالمشهد الإقليمي الذي أعقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ثم الانفجارات السياسية والأمنية التي رافقت ما يعرف بـ "ثورات الربيع العربي"، كشف أن الطائفية لم تعد مجرد أداة تعبئة اجتماعية مؤقتة، وإنما أصبحت أحد أهم أنماط تنظيم السلطة والصراع في المنطقة.

ورغم اتجاه بعض المتخصصين للنظر إلى الطائفية باعتبارها صراعاً تاريخياً بين مكونات مذهبية متنافسة، لكن الأمر في جوهره يبدو أكثر تعقيدا، فغالبية الصراعات التي اتخذت شكلاً طائفياً في الشرق الأوسط لم تبدأ بوصفها صراعات دينية، بل تحولت تدريجياً إلى صراعات هوياتية نتيجة انهيار الدولة الوطنية، وتراجع شرعية المؤسسات، وتصاعد التدخلات الإقليمية، وفشل النخب السياسية في إنتاج مشاريع جامعة تتجاوز الانقسامات الأولية. ولهذا، فإن الطائفية في نسختها المعاصرة ليست امتداداً طبيعياً للماضي بقدر ما هي نتاج مباشر لأزمات الدولة والسلطة والجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط الحديث.

ففي حالة العراق نجد نقطة التحول الكبرى في هذا المسار. فبعد إسقاط نظام صدام حسين، لم يُبنَ النظام السياسي الجديد على قاعدة المواطنة والمؤسسات العابرة للهويات، وإنما على هندسة سياسية قائمة على المحاصصة الإثنية والطائفية. ومع تفكيك مؤسسات الدولة وإعادة توزيع السلطة وفق الانتماءات الفرعية، تحوّلت الهوية الطائفية من انتماء اجتماعي إلى مدخل رئيسي للحصول على النفوذ والتمثيل والموارد. ولم يكن صعود الميليشيات الطائفية لاحقاً سوى نتيجة طبيعية لهذا التحول البنيوي، حيث انتقلت السلطة تدريجياً من الدولة إلى شبكات مسلحة مرتبطة بهويات فرعية وداعمين إقليميين.

وتُظهر المؤشرات الأمنية والسياسية خلال الفترة بين 2006 و2008 حجم هذا التحول؛ إذ شهد العراق واحدة من أكثر موجات العنف الطائفي دموية في المنطقة الحديثة، مع عمليات تهجير واسعة، وانقسام مدن بأكملها على أسس مذهبية، وتحولت بغداد نفسها إلى فضاء جغرافي مفكك تحكمه خطوط تماس غير معلنة. لكن الأخطر من ذلك لم يكن حجم العنف بحد ذاته، بل ترسخ منطق "المجتمع الطائفي المسلح" بوصفه بديلاً تدريجياً عن الدولة الوطنية.

هذا النموذج العراقي لم يبقَ محصوراً داخل حدوده؛ فمع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من "تطييف الصراعات". ففي بدايات الاحتجاجات السورية، كان الخطاب السياسي والاجتماعي ذا طابع وطني–احتجاجي عام، يرتبط بقضايا السلطة والإصلاح والاقتصاد والحرية السياسية. غير أن عسكرة الصراع، وتدخل القوى الإقليمية، وتدفق المقاتلين الأجانب، دفعت تدريجياً نحو إعادة تعريف الأزمة ضمن إطار هوياتي–طائفي.

ومع مرور الوقت، لم تعد سوريا مجرد ساحة حرب أهلية، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مشاريع النفوذ الإقليمي والدولي. فإيران تعاملت مع الأزمة باعتبارها تهديداً مباشراً لمحور نفوذها الإقليمي، فيما رأت قوى إقليمية أخرى أن إسقاط النظام السوري يمثل فرصة لإعادة توازن القوة في المنطقة. وفي هذا السياق، أصبحت الطائفية لغة تعبئة عسكرية وسياسية وإعلامية، تُستخدم لحشد المقاتلين، وإعادة إنتاج الولاءات، وتبرير التدخلات العابرة للحدود.

وتكمن خطورة هذا التحول في أنه نقل الطائفية من مستوى الانقسام الاجتماعي الداخلي إلى مستوى "الجيوبوليتيك الطائفي". أي أن الهويات المذهبية لم تعد مجرد مكونات اجتماعية داخل الدولة، بل تحولت إلى أدوات في إعادة رسم التوازنات الإقليمية. ولهذا، أصبح من الصعب الفصل بين كثير من الصراعات المحلية في المنطقة وبين خرائط النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق وسوريا إلى لبنان واليمن.

وفي لبنان، تتجلى مفارقة مختلفة ولكنها لا تقل خطورة فالنظام السياسي اللبناني القائم تاريخياً على التوازنات الطائفية استطاع تجنب الانهيار الكامل لفترات طويلة، لكنه في المقابل كرّس الطائفية كبنية دائمة لإدارة الدولة. وهنا تظهر واحدة من أخطر إشكاليات الأنظمة التوافقية في الشرق الأوسط؛ فهي تمنع الانفجار الشامل أحياناً، لكنها في الوقت ذاته تمنع تشكل دولة مواطنة حديثة. ومع الانهيار الاقتصادي الذي يشهده لبنان منذ عام 2019، تبيّن أن ما يعرف بـ "شبكات الزبائنية الطائفية" عاجزة عن إدارة الأزمات البنيوية الكبرى، رغم قدرتها الطويلة على إعادة إنتاج النفوذ السياسي.

أما في اليمن، فقد كشفت الحرب كيف يمكن للهشاشة المؤسسية والتدخلات الإقليمية أن تدفع بالصراع نحو مسارات هوياتية متطرفة. فالصراع الذي بدأ في سياقات سياسية مرتبطة بالسلطة والانتقال السياسي سرعان ما أعيد تعريفه ضمن أطر مذهبية وإقليمية، خصوصاً مع تصاعد التدخل العسكري الخارجي، ما أدى إلى تفكيك المجال الوطني اليمني وتحويله إلى ساحة صراع مفتوح.

لكن اختزال المشهد الإقليمي في فكرة "الشرق الأوسط الطائفي" يقود إلى استنتاجات مضللة. فالمجتمعات العربية ليست مجتمعات طائفية بطبيعتها، بل مجتمعات تعاني من أزمات دولة وتنمية وتمثيل سياسي. والدليل على ذلك أن فترات الاستقرار النسبي في المنطقة ارتبطت غالباً بوجود دول مركزية قادرة على فرض هوية وطنية جامعة، حتى وإن كانت تعاني من اختلالات سياسية أو سلطوية.

كما أن الموجات الاحتجاجية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة كشفت عن تحولات مهمة في وعي الأجيال الجديدة. ففي العراق ولبنان مثلاً، خرجت احتجاجات واسعة ترفض المنظومة الطائفية ذاتها، وتنتقد النخب السياسية التقليدية بمختلف انتماءاتها. وقد رفع المتظاهرون في بغداد وبيروت شعارات ترتبط بالدولة والخدمات والفساد والعدالة الاجتماعية، أكثر من ارتباطها بالهويات الفرعية. وهذا مؤشر بالغ الأهمية، لأنه يكشف أن الطائفية رغم قوتها السياسية لم تعد تمتلك الشرعية الاجتماعية ا
----------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

جيوبوليتيك الطائفية: تحولات الصراع وأزمة الهوية في الشرق الأوسط