18 - 05 - 2026

لماذا يفتقر ترامب إلى خيار عسكري ناجح ضد إيران؟

لماذا يفتقر ترامب إلى خيار عسكري ناجح ضد إيران؟

ترامب وإيران… المهمة المستحيلة عسكريًا

منذ سنوات، ظل الملف الإيراني أحد أكثر التحديات تعقيدًا أمام الولايات المتحدة، سواء في عهد ترامب أو غيره من الرؤساء. لكن عند النظر بتمعن إلى طبيعة التوازنات العسكرية والسياسية في المنطقة، يتضح أن أي خيار عسكري مباشر ضد إيران لن يكون "مهمة ناجحة" بالمعنى الاستراتيجي، بل أقرب إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

منذ أن وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إيران في قلب خطابه السياسي، ظل السؤال مطروحًا: هل يملك خيارًا عسكريًا ناجحًا لإنهاء ما يسميه "الخطر الإيراني"؟ تقرير وول ستريت جورنال الأخير يوضح أن الإجابة أقرب إلى "لا"، وأن أي ضربة عسكرية ضد إيران كانت ستفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة.

خيارات البنتاغون… بين المحدود والمستحيل

طلب ترامب من مستشاريه "خيارات حاسمة"، فقدم له البنتاغون سيناريوهات تتراوح بين ضربات محدودة ضد منشآت الحرس الثوري الإيراني، وصولًا إلى عمليات أوسع تستهدف قدرات النظام. لكن التحذيرات كانت واضحة: أي ضربة قد تشعل حربًا إقليمية شاملة، وتضر بالاقتصاد العالمي عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

التحركات العسكرية الأمريكية

إن وصول حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" إلى الخليج، ونشر مقاتلات F-15 وF-35، إضافة إلى تعزيز أنظمة الدفاع مثل باتريوت وTHAAD. هذه التحركات بدت وكأنها استعداد لعمل عسكري، لكنها في الواقع كانت جزءًا من سياسة الردع أكثر من كونها خطة للهجوم.

إيران ترد بالتهديد

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حذّر أن بلاده سترد "بكل ما لديها" إذا تعرضت لهجوم، بما في ذلك استهداف إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة. هذا الرد يعكس أن أي مواجهة لن تكون محصورة داخل حدود إيران، بل ستتحول إلى حرب متعددة الجبهات عبر وكلاء طهران في لبنان واليمن والعراق وسوريا. إيران مازالت في جعبتها الكثير وإمدادات الأسلحة من الصين وروسيا قد تحدث مفاجأت في حال حدوث ضربات أمريكية وإسرائيلية

مضيق هرمز… كابوس الاقتصاد العالمي

استمرار إيران بإغلاق مضيق هرمز لتعطيل ثلث إمدادات النفط العالمية يجعل أي مغامرة عسكرية تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي، ويضع واشنطن في مواجهة غضب حلفائها الذين يعتمدون على استقرار سوق الطاقة.

لا حسم سريع ولا نهاية واضحة

الخبراء العسكريون أدركوا أن الضربات الجوية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام أو إنهاء البرنامج النووي، وأن أي محاولة لتغيير النظام ستتطلب عمليات برية واسعة، وهو ما لا تملك واشنطن الإرادة السياسية له. النتيجة المتوقعة: حرب طويلة، استنزاف مالي وبشري، وتأجيل مؤقت للبرنامج النووي بدلًا من إنهائه.

السياسة تقيد السلاح

ترامب يواجه معارضة داخلية لأي حرب جديدة في الشرق الأوسط. الناخب الأمريكي سئم من الحروب الطويلة التي لا تنتهي. أما خارجيًا، فالمجتمع الدولي يرفض أي عمل عسكري أحادي ضد إيران، ما يعني عزلة سياسية ودبلوماسية لواشنطن إذا أقدمت على هذه الخطوة.

البدائل الأقل تكلفة

لهذا السبب، لجأ ترامب إلى العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي بدلًا من الخيار العسكري. العقوبات أضعفت الاقتصاد الإيراني، لكنها لم تغيّر سلوك النظام بشكل جذري. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار أقل تكلفة وأكثر واقعية من حرب مفتوحة.

الموقف العربي

الدول العربية، رغم خلافاتها مع إيران، لا تدفع باتجاه مواجهة عسكرية شاملة. مصر والسعودية والإمارات تدرك أن أي حرب ستزعزع استقرار المنطقة بأكملها. لذلك، تفضّل هذه الدول الضغط السياسي والاقتصادي، لا الانجرار إلى مواجهة قد تحرق الجميع.

المفاوضات الأخيرة بين واشنطن وطهران بعد عودة ترامب من الصين لن تنجح بسهولة؛ فهي مرهونة بمدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات للصين، وبمدى قبول إيران لأي وساطة خارجية. بكين قد تساعد في فتح قنوات الحوار، لكن نجاح الاتفاق يتطلب أكثر من مجرد تصريحات دبلوماسية، بل تفاهمات أوسع تشمل ملفات الطاقة، التجارة، وحتى التوازنات الجيوسياسية في آسيا.

وختاما ترامب قد يرفع سقف التهديدات، لكنه لا يملك خيارًا عسكريًا ناجحًا ضد إيران. فالمعادلة واضحة: قوة إيران العسكرية، شبكة وكلائها، موقعها الجغرافي، المخاطر الاقتصادية، المعارضة الداخلية والخارجية… كلها تجعل الحرب مغامرة غير محسوبة. النتيجة أن واشنطن ستظل تدير الصراع بالعقوبات والضغط، لا بالصواريخ والطائرات ولكن إسرائيل لن تهدأ حتى تقوم بتوريط الولايات المتحدة في مغامرة عسكرية قد تدفع المنطقة إلي مصير مجهول.
-------------------------------------
بقلم: د. محمد حسام الدين
* خبير العلاقات الدولية والأمن الاقليمي

مقالات اخرى للكاتب

لماذا يفتقر ترامب إلى خيار عسكري ناجح ضد إيران؟