على مدار عقود طويلة مثل التعليم عقدًا اجتماعيًا ضمنيًا تلتزم الدولة بموجبه بتوفير فرصة متكافئة لكل طالب، بصرف النظر عن موقعه الطبقي. وبرغم كل ما يحمله التعليم الحكومي من مشكلات في كثافة مدارسه ومحدودية الموارد، يظل في جوهره وعدا بالمساواة حتى وان كان وعدًا منقوصًا في التطبيق، غير أن ما يجري اليوم يتعلق بتحول أعمق في المنطق الذي يحكم العلاقة بين الدولة والتعليم، منطق تتراجع فيه فكرة الحق المتساوي لصالح فكرة الخدمة المتدرجة التسعير.
هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة ولم يعلن عنه أحد بصراحة، بل تسلل عبر قرارات بدت في كل مرة وكأنها اجراء تطويري أو استجابة لحاجة قائمة، فحين أعلنت الوزارة المدارس المصرية اليابانية لم يكن الإعلان عن تحويل التعليم إلى سلعة بل جرى ترويجها باعتبارها نموذجا تعليميا مختلفا يقلل الكثافة ويركز على الأنشطة وتنمية السلوك، وسبقها مدارس المتفوقين لرعاية الموهوبين وقبلها المدارس الرسمية الدولية، وكان المبرر دائما هو الانفتاح على معايير التعليم العالمي، لكن محصلة هذه السياسات جميعها هي إعادة هيكلة للتعليم الحكومي نفسه و تحويل التعليم إلي "قائمة" تضم داخله مستويات متعددة من الخدمة التعليمية تتباين في الجودة والانتقائية، ولكل مستوي أسعاره ليتسنى لك الاختيار منها.
ما يميز هذا التحول عن الخصخصة التقليدية هو أنه يجري داخل المؤسسة الحكومية ذاتها لا خارجها، فالحكومة لا تبيع التعليم لشركات خاصة ولا تتخلى عن الإشراف على المدارس، بل تحتفظ بكل المظاهر القانونية للتعليم العام، لكنها تعيد توزيع جودة هذا التعليم وفق منطق مختلف يجعل من القدرة الاقتصادية والمعيار الانتقائي عاملين اساسيين في تحديد مستوى الاستفادة من الخدمة وهذا هو ما يمكن تسميته التسليع أي إدخال منطق السوق في قلب المؤسسة الحكومية مع الحفاظ على غلافها الرسمي سليما.
فقد كشفت أزمة تحويل مدرسة ياسر جنينة الى نموذج مصري ياباني بوضوح الطريقة التي شعر بها أولياء الأمور الذين أدركوا أن المدرسة التي تعمل داخل النظام الحكومي التقليدي وتخدم عددا كبيرا من الطلاب والتي اعلن عن تحويلها ثم تراجعت وزارة التعليم عن ذلك لم يكن لتغيير المنهج أو زيادة المصروفات، لكنه اعلان عن سحب هذه المدرسة من دائرة الخدمة المتاحة للجميع وإعادة تعريفها كمستوى مميز ضمن سلم التعليم الحكومي المتدرج، أولياء الأمور أدركوا أن التحويل لا يعني تحسين المدرسة التي يعرفونها، بل يعني تحويلها إلى شيء آخر ليس لأبنائهم فيه مكان بالضرورة.
هذا الإدراك يطرح سؤالًا جوهريًا عن الفرق بين التطوير وإعادة توزيع الخدمة، حين تتحول مدرسة حكومية تقليدية إلى نموذج أكثر انتقائية وأعلى تكلفة فإن ذلك لا يرفع بالضرورة مستوى التعليم الحكومي في مجمله، بل يحوّل موارد ومساحات كانت جزءا من المنظومة التقليدية إلى مسار تعليمي مختلف. الإطار الرسمي يظل حكوميا، لكن توزيع الفرص يُعاد رسمه وفق معايير تجعل بعض الفئات الاجتماعية أقدر من غيرها على الاستفادة تحت خطاب أن هذا يجري باسم التطوير والتحديث، وهي خطابات لا يمكن الاعتراض عليها بسهولة في الفضاء العام.
من الناحية الاجتماعية، التعليم الحكومي تاريخيا يمثل فضاء مشتركَا يلتقي فيه أبناء طبقات اجتماعية مختلفة تحت سقف واحد وفق شروط متقاربة، هذا الفضاء المشترك له وظيفة اجتماعية أعمق تتعلق ببناء تصورات مشتركة عن المواطنة وعن معنى أن تكون جزءا من مجتمع واحد، أما التعليم المتعدد الطبقات داخل المنظومة الحكومية فهو يعيد تشكيل هذا الفضاء المشترك ويبدأ في إفراز مسارات اجتماعية منفصلة منذ سن مبكرة، فالطفل الذي يلتحق بالمدرسة المصرية اليابانية والطفل الذي يلتحق بالمدرسة الحكومية التقليدية لا يتلقيان فقط تعليما مختلفا بل يبدآن رحلتين اجتماعيتين مختلفتين.
الإشكال الدستوري في هذا كله واضح وعميق، فالدستور المصري يكفل الحق في التعليم ويلزم الدولة بمجانية التعليم، ويحرم التمييز في الخدمات العامة لكن المسالة لم تعد تتعلق بمجانية التعليم من عدمها فقط، فالتعليم مجاني متاح من الناحية الشكلية، لكنها تخطته بما هو أبعد من ذلك وهو تكافؤ الجودة داخل المنظومة نفسها، حين يصبح التعليم المجاني متاحا لكن جودته مشروطة، وحين تكون هناك مسارات أعلى جودة داخل نفس النظام الحكومي تستلزم قدرة مالية أعلى أو شروط قبول انتقائية، فان الحق الدستوري يبقى من الناحية النصية سليما بينما يتآكل من الناحية الفعلية، هنا تبرز فجوة بين حرفية النص القانوني وجوهر الحق الذي يفترض أن يحميه هذا النص.
ثمة بعد آخر في هذه المعادلة لا يحظى بما يكفي من الاهتمام وهو البعد المتعلق بطريقة صنع القرار في هذه التحولات. القرارات التي أعادت هيكلة التعليم الحكومي جاءت غالبا بصورة تدريجية وفنية بعيدة عن الحوار العام الحقيقي، لم يجر نقاش مجتمعي واسع حول السؤال الجوهري وهو أي نموذج للتعليم الحكومي تريده مصر؟ هل تريد منظومة متكافئة الجودة بالنسبة للجميع، أم تريد منظومة متدرجة تقدم مستويات مختلفة لفئات مختلفة، فالقرارات اتخذت والنماذج أطلقت والمدارس تحولت، بينما ظل هذا السؤال الجوهري بلا إجابة صريحة وربما بلا طرح صريح.
حين ننظر إلى هذه التحولات في مجملها، يبدو أن الدولة تسير في اتجاه يقلص تدريجيا نموذج التعليم كحق متساو ويوسع نموذج التعليم كخدمة متدرجة، هذا ليس توصيفا لنية مضمرة فلا دليل على قرار واع بالتخلي عن مبدأ التكافؤ، لكنه توصيف للمحصلة الفعلية لمجموعة من القرارات التي اتخذت كل منها بمبررات تطوير ومحصلة هذه القرارات مجتمعة هي ما ينبغي أن يخضع للمساءلة، ألا وهو أن التعليم الحكومي بات يعمل وفق منطق التمييز عبر التكلفة والانتقائية داخل مؤسسة ما زالت تسمي نفسها مؤسسة عامة.
السؤال الذي يستحق أن يطرح على الملأ ليس سؤالا عن مدرسة بعينها أو قرار بعينه، بل هو سؤال عن الاتجاه الذي تسير فيه المنظومة التعليمية بأكملها إذا كانت كل موجة تطوير تعليمي تعني في نهاية المطاف إنشاء مسار أعلى جودة لمن يدفع أكثر أو من يجتاز شروطا أكثر انتقائية، مع إبقاء الباقين في مسار أقل جودة، فما الذي يجري تطويره فعلا؟ ومن الذي يتراجع نصيبه من الخدمة العامة التي يدفع الجميع من أجلها؟ الجواب على هذا السؤال يأتي من قراءة الاتجاه العام لمسيرة السياسة التعليمية على مدار السنوات السابقة، والتي كشفت عن أن المدرسة الحكومية في طريقها إلى أن تصبح داخل سوق التعليم .
-----------------------------------
بقلم: حسن البربري






