18 - 05 - 2026

"سيزيرين" تكشف خبايا الطب المصري المسكوت عنها

* خالد ذهني يرسم صورة قاتمة للقطاع الطبي روائيًا بأسلوب هزلي

تسلط رواية "سيزيرين" (دار دون) للكاتب المصري خالد ذهني الضوء على الفساد المتفشي في القطاع الطبي في مصر. ويشير عنوان الرواية سيزيرين (Cesarean)  إلى الولادة القيصرية، التي غالبًا ما تُربط خطأً بميلاد يوليوس قيصر، غير أن هذا الاعتقاد غير دقيق، وفقاً لما يوضحه المؤلف؛ إذ إنه في زمن الرومان، لم تكن الولادة عبر شق بطن الأم تُجرى إلا في حال وفاتها أو احتضارها، لأنها كانت بمثابة حكم الإعدام على الأم. 

وعلى عكس المعتقد الشائع، فإن والدة يوليوس قيصر لم تمت أثناء ولادته، بل عاشت حتى بلغ ابنها الرابعة والأربعين من عمره. ويُرجّح العلماء أن التسمية تعود في الأصل إلى قانون قيصري كان يفرض عدم دفن أي امرأة وجنينها داخل رحمها، ما استوجب إجراء شق في البطن لاستخراج الجنين قبل الدفن.

تتناول الرواية، كما يكشف عنوانها الفرعي التوضيحي ) سيزيرين: قصة كريم رأفت، طبيب أمراض نساء وتوليد)، رحلة بطلها كريم خلال ثلاث سنوات من فترة نيابته، التي قضاها سعيًا للحصول على درجة الماجستير في تخصص أمراض النساء والتوليد.

يقدم السرد بأسلوب هزلي ساخر، يعكس من خلاله واقع المستشفيات الجامعية في مصر، وما يدور داخلها من تفاعلات بين الكوادر الطبية، والمعاونين لهم، والمرضى الذين يترددون عليها، كاشفاً بذلك عن التحديات التي تواجه هذا القطاع الحيوي.

كسر الجدار

عمد ذهني إلى استخدام ضمير المتكلم، لجعل السرد أكثر حميمية وقرباً من القارئ. كما كسر الجدار الرابع، بالتوجيه حديثه مباشرة إلى القارئ، لينقل حكايات متعددة ومنفصلة، لا يربط بينها سوى الطبيب السارد، الذي يستعرض المواقف التي مر بها داخل المستشفى الجامعي.

استند السرد إلى كوميديا الفارس  (Farce)، وهو نوع من الكوميديا يقوم على التضخيم، المبالغة، والمحاكاة الساخرة، مع رسم الشخصيات بأسلوب كاريكاتوري ساخر. وعلى الرغم من أن هذا الأسلوب قديم وظهر في المسرح منذ العصور الوسطى والنهضة الأوروبية، إلا أنه يُعتبر من أقل أشكال الكوميديا قيمةً في الأدب، نظراً لاعتماده على التكرار، الإسراف في المبالغة، والسخرية من العيوب الخلقية والشخصيات النمطية، بهدف إثارة الضحك.

وفي سيزيرين تبدو السخرية حاضرة بوضوح، خاصة في تناول الشخصيات التي يلتقي بها الراوي من مرضى وزملاء، حيث يكثر التهكم على اللهجات المحلية لأبناء الريف، سواء من الصعيد، الفلاحين، أو البدو. كما تنحو الرواية نحو التنميط، فتقدم صورة الصعيدي بوصفه قليل الذكاء، متأثرةً بالنكات الشعبية والصور النمطية التي عززتها بعض الأفلام السينمائية.

ولا تتوقف السخرية عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما يمكن وصفه بـالعنصرية الطبقية، إذ تستهزئ الرواية بالفئات الدنيا من المجتمع، خاصة المرضى الذين يقصدون المستشفى للعلاج، فتتناول مظهرهم الخارجي، ملابسهم، الروائح التي تنبعث منهم، والسمنة المفرطة التي يعاني منها البعض. كما تشمل السخرية أطباء قادمين من بيئات فقيرة، حيث يتم تصويرهم من خلال معايير  طبقية واضحة، تربط بين أصولهم الطبقية الكادحة وسلوكهم السلبي في التعامل مع المرضى، ما يجعل الرواية تتبنى نظرة ساخرة قد تصل إلى حد التمييز الطبقي في بعض مقاطعها.

تحامل على النساء

وتظهر في الرواية التهكمية الواضحة تجاه طبيبات النساء والتوليد، حيث جرى تقديمهن جميعاً بصورة كاريكاتورية ساخرة، تعكس سمات سلبية مبالغ فيها فلم تقدم في الرواية طبيبة واحدة بصورة إيجابية، فهناك هدى البيلي الملقبة بـ"موسوليني"  لقسوتها على من يعملون معها، في تشبيه ساخر يشير إلى ديكتاتوريتها في العمل. ووفاء زميلته التي لا تهتم سوى بأناقتها وسفرها مع زوجها للترفيه، دائمة التغيب عن المستشفى، مما يعكس صورة الطبيبة السطحية واللامبالية. وزميلته سعدية مسعود أسعد السعد الملقبة باسم العصبية وهي تفتقر إلى الكفاءة المهنية والقدرة على اتخاذ قرارات سليمة، مما يتسبب في كوارث طبية. كما تهرب دائمًا من المسؤولية، ويُسلط الضوء على هوايتها الغريبة في مشاهدة فيلم "الظهيرة".  وأخيراً عصمت عوض أستاذة في قسم التوليد، رغم أن اسمها الحقيقي نيللي ولكن أُطْلِق عليها اسم عصمت كونها أول امرأة تُعين في قسم التوليد فتشبهت بالرجال حتى تستطيع أن تتعامل مع الوسط الذي أصبحت فيه، وتظهر في صورة الطبيبة الانتهازية، فهي غير مؤهلة لإجراء العمليات الجراحية، وتكتفي بالجانب النظري، وتعتمد على الأطباء الجدد للقيام بالعمليات نيابة عنها. كما يتم تقديمها على أنها غير أمينة في عملها، حيث تزور الحيوانات المنوية الضعيفة بأخرى سليمة لإنجاح عمليات الحقن المجهري، وهو ما ينكشف أحياناً عندما يكون المريض مصاباً بالعقم التام. وتظهر  طبيبة أخرى في القسم تتعمد إسقاط طالبة عندها لأنها تتذكر قريباً لها قد منحها درجة لا تروقها عندما كانت طالبة فنذرت نذراً أنه إذ وقع تحت يدها أي من طرف هذا الطبيب فسترد له الصاع صاعين وتعمد إلى إرسابها.

هذه الصورة الساخرة التي يرسمها ذهني للطبيبات تحمل جانباً من التفرقة العنصرية القائمة على الجنس إذ لم تقدم طبيبة واحدة بشكل إيجابي فهن إما ديكتاتوريات أو غير مباليات، أو انتهازيات، أو سطحيات ولا يتمتعن بالكفاءة المطلوبة، معتمداً على أسلوب  يركز على السخرية من الشخصيات دون تعمق في دوافعها أو أبعادها الإنسانية.

المسكوت عنه

الأسلوب الهزلي الذي اختاره المؤلف لسرده لم يمنعه من فضح الواقع الطبي في مصر إذا يقول في ختامها أنه لم يقصد بهذا الأسلوب الهزلي أن يرفه عن القارئ ولا قصد انتزاع الضحكات منه ولا القهقهات ولا أن يسطر هزلاً يعبث بخيال القارئ بقصص ماجنة، بل قصد مكاشفته بالمغموض الطرف عنه في ثقافتنا الصحية العربية من فساد وجهل وقصور وإهمال وأفكار بالية وقيم عقيمة. (ص475).

تكشف الرواية عن مظاهر فساد عدة تنخر في القطاع الطبي في مصر منها "الوساطة" في تعيين الأطباء من أقرباء الأساتذة في الأقسام وإبعاد المتفوقين من غير ذوي القرابة، بتعمد ترسيبهم في الامتحانات، وإنشاء لجان خاصة لأبناء ذوي السلطة وتسريب الامتحانات لهم.

ويمتد الفساد في الأدوية سواء بتعاون الأطباء مع شركات بعينها لصرف الأدوية التي تنتجها مقابل خدمات مالية تقدم لهم سواء كان المرضى بحاجة لها أو لا، أو من خلال السرقة من مخزون أدوية المستشفى الحكومية من أجل الاستفادة بها في عياداتهم الخاصة. 

وترصد كذلك غياب ضمير لدى الأطباء في إجراء العمليات غير المشروعة من إجهاض وترقيع غشاء البكارة، واستغلال غريزة الأمومة وجعل المحرومين يدفعون مبالغ ضخمة، رغم أن التكاليف الحقيقة للعلمية أقل بكثير، ويتجاوز الأمر إلى أن بعض الأطباء يزورن في النُّطف من أجل إنجاح العملية، وتحقيق نسب مرتفعة في علاج العقم للترويج لمستشفياتهم الخاصة. 

 وتسلط الرواية الضوء على استغلال الأساتذة المشرفين على الأطروحات العلمية على الأطباء بجعلهم خدماً لهم يشترون لهم احتياجاتهم المنزلية، وتنفيذ كل أوامرهم خشية أن يغضب عليهم المشرف، وتكون نتيجة هذا الغضب عدم حصول الطبيب على درجة الماجستير. ويضاف إلى ذلك طريقة اختيار المشرفين لموضوع الأطروحة لتلاميذهم ويكون عادة حول موضوع قتل بحثاً أو دون أدنى أهمية ويلجأ كثير من الأطباء إلى تزوير النتائج من أجل إكمال الموضوع بسبب التكلفة العالية للفحوصات التي يحتاجون إليها في ظل تدني رواتب هؤلاء الأطباء الجدد وعدم قدرتهم على الوفاء بهذه الالتزامات في بداية حياتهم الوظيفية. خاصة وأنهم يعلمون أن الدرجة العلمية تمنح في الأقسام بناء على محبة المشرف ورضاه للباحث وليس على كفاءته العلمية.

البعد التوعوي

وعلى جانب الآخر تحمل الرواية بعداً توعياً كبيراً، لتثقيف القارئ طبياً فيستعين بتقارير من المنظمات الدولية والمحلية مثل الأمم المتحدة، ودار الإفتاء المصرية، ومنظمة الصحة العالمية، والمركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية، ويستعين بآراء الفقهاء المسلمين، ورجال الدين المسيحي، وقانون العقوبات المصري المتعلق بالمسائل الطبية.

فقد أورد المؤلف في نهاية عمله 83 مرجعاً استعان بها في تفنيد بعض القضايا التي يطرحها أو لذكر معلومات تاريخية حول أول من اخترع الواقي الذكري، أو أول من ابتكر التلقيح الصناعي ...إلخ. وهي معلومات مفيدة من الناحية التثقيفية لكنها تضر بنسيج البناء الروائي.

البناء الفني

ومن الناحية الفنية لم تهتم الرواية ببناء بعض الشخصيات بشكل روائي حقيقي مثل شخصية عرابي الذي يعمل كاتباً في المستشفى تسجيل حالات دخول المرضى والخروج منها، إلا أنه يرد على لسانه أشعار لكوكبة من الشعراء مثل فاروق جويدة، ومحمود درويش، وفدى وطوقان، وأحمد مطر، ويزيد بن سفيان الخليفة الأموي، ومحي الدين بن عربي، وبدوي الجبل، ...إلخ مع أنه لا يوجد مسوغ سردي أو فني يبرر هذه الثقافة الواسعة التي يتمتع بها عرابي. شخصية فرض عليها المؤلف حمولة معرفية لا تتناسب مع طبيعة الدور الذي تؤديه في الرواية.

أيضًا، استعان المؤلف بهوامش توضيحية كثيرة حول الشعراء والشخصيات التاريخية التي أوردها، يمكن الاستغناء عنها بسهولة، إذ أنها معلومات معروفة للقارئ ولا تضيف قيمة حقيقية للنص السردي، بل تؤثر على انسيابية القراءة وتجعل الرواية أقرب إلى أسلوب تقريري بدلًا من السرد الأدبي المتكامل.

وهذا الإسهاب  في إيراد الشعر، والحكايات التراثية الفكاهية، والاستعانة بالتقارير الأممية، والمعلومات التاريخية، والقانونية، والدينية، أسهم في تضخم حجم الرواية  إلى  486صفحة، وجعل أسلوب الرواية يميل في كثير من أجزائه إلى المقالية، مما يضر بتدفق السرد ويقلل من تأثير الجانب الأدبي في العمل. فقد فضل المؤلف في بعض المواضع الجانب التوعوي على الجانب الأدبي، وهو ما جعل النسيج الروائي يفقد بعض من جاذبيته الأدبية، ويصبح أحياناً أقرب إلى النقد الاجتماعي والتثقيف بدلاً من أن يكون نصاً روائياً متماسكاً.
-------------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي

العدد 344 من صحيفة المشهد ص 11