18 - 05 - 2026

سيستم التأمينات الاجتماعية تحت قبة البرلمان: خطوة أولى نحو الإصلاح والشفافية والمحاسبة

سيستم التأمينات الاجتماعية تحت قبة البرلمان: خطوة أولى نحو الإصلاح والشفافية والمحاسبة

أخيراً، بدأت عجلة الرقابة البرلمانية تتحرك لتضع حداً لمعاناة ملايين المواطنين. فقد أعلن نائب الشعب الأستاذ ضياء الدين داوود أن رئيس لجنة القوى العاملة بالبرلمان قد أخطره ببدء مناقشة طلبات الإحاطة والاستجوابات المقدمة من النواب بعد عصر غدٍ الاثنين.

إنها خطوة جيدة ومطلوبة، لطالما نادينا بها مراراً وتكراراً تحت قبة البرلمان ومن خلال منصات الرأي، مطالبين الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ومجلس النواب الموقر، بضرورة التدخل الحاسم وتشكيل لجان تقصي حقائق، وتكليف الجهاز المركزي للمحاسبات بإعداد تقرير عاجل وشامل يُعرض على البرلمان والحكومة.

المليار و٤٠٠ مليون.. وعشوائية التحول الرقمي

إن لب المشكلة يكمن في علامات استفهام كبرى تحيط بآلية إدارة هذا الملف؛ كيف يتم إيقاف النظام القديم وتشغيل نظام جديد (CRM) تكلف ملياراً وأربعمائة مليون جنيه، دون التأكد التام من صلاحيته الفنية والتقنية للتشغيل؟

إن هذا الاستعجال غير المدروس أدى إلى:

وقف حال كامل: توقف مصالح الناس تماماً منذ بدء تطبيق النظام الجديد في ٢٤ فبراير ٢٠٢٦.

شلل شبه تام: حتى بعد محاولة تشغيله جزئياً في ٢٨ أبريل ٢٠٢٦، جاء الأداء ببطء شديد أشبه بـ "بطء السلحفاة".

تهديد الاستدامة المالية: غياب الرؤية الواضحة أثر مالياً على موارد الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي واستثماراتها، وعلى قدرة الصناديق على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

لقد تُرِك الناس يعانون الأمرين، ولم يتحقق أي وعد من الوعود البراقة التي قطعتها الهيئة على نفسها بالتطوير والرقمنة. ورغم أن الهيئة أخذت فرصتها كاملة وزيادة، إلا أن النتيجة كانت "صفرية"، وظلت غالبية الخدمات التأمينية متوقفة، ليتجرع المواطن وحده مرارة هذا الخلل.

كسر التعتيم وصوت الـ ٣٧ مليون مواطن

إن "أول الغيث قطرة"، ومن هنا نتوجه بالشكر والتقدير للنائب محمد سعفان رئيس لجنة القوى العاملة، ولرئيس مجلس النواب، ونأمل أن يستجيب رئيس الوزراء فوراً للنداءات بفتح تحقيق موسع. نحن نتحدث هنا عن هيئة حيوية تقدم الخدمات التأمينية لقرابة ٣٧ مليون مؤمن عليه وصاحب معاش، أي أنها تمس القوت اليومي والأمن الاجتماعي لغالبية الأسر المصرية.

كما لا يفوتنا الإشادة بالدور الوطني لبعض القنوات الفضائية والإعلاميين الذين نجحوا في كسر "حصار التعتيم الإعلامي"، والذين بذلوا جهوداً استثنائية لإظهار الحقيقة وإيصال صوت المواطن البسيط الذي يواجه شظف الحياة ونخص وسائل التواصل الاجتماعى خاصة الفيس بوك فقد كان الصوت المعبر عن جوهر اامشكلة ومعاناة الملايين ، ليجد عملاء التأمينات أنفسهم فوق ذلك أمام سوء تقديم للخدمات التأمينية بحجة "التطوير". إن الرقمنة نجحت نجاحاً مبهراً في دول عديدة سبقتنا، لأنها بُنيت على أسس علمية وتجارب تشغيلية صارمة، ولم تكن يوماً أداة لتعطيل مصالح العباد.

خارطة طريق للحل: الاستماع لأهل الخبرة

إن الهدف من هذا الطرح ليس مجرد توجيه النقد، بل بدء طريق حقيقي للإصلاح والشفافية. والاعتراف بالمشكلة هو أولى خطوات الحل، خاصة وأن البدائل المتاحة موجودة وقابلة للتطبيق فوراً:

المحاسبة والشفافية: إرسال لجان الجهاز المركزي للمحاسبات للوقوف على أوجه إنفاق المليار و٤٠٠ مليون جنيه، وتحديد المتسبب في هذا الإخفاق التقني والتأثيرات السلبية المترتبة على عدم تحصيل الهيئة مستحقاتها المالية .

فتح قنوات التطوع والاستعانة بالخبرات: لقد أسعدني جداً على المستوى الشخصي حجم الحماس والغيرة الوطنية لدى الكثير من العاملين الحاليين بالهيئة، والخبرات القامات ممن خرجوا على المعاش، والذين أبدوا استعدادهم التام للمساهمة تطوعاً لحل المعضلة.

التراجع عن الإدارة الأحادية: إن إصرار قيادات الهيئة على تجاهل النداءات، والسير في اتجاه أحادي دون الإنصات لأهل الخبرة والميدان، لم يزد الطين إلا بلة. يجب فتح باب الحوار الفني فوراً ومشاركة تشغيلية حقيقية لإنقاذ الموقف بدلا من الرد على اعادة تشغيل النظام القديم ب دونها والموت .

ختاماً..

إن جلسة الغد في لجنة القوى العاملة يجب ألا تكون مجرد جولة لتبادل الكلمات، بل يجب أن تكون نقطة انطلاق لقرارات حاسمة تنهي معاناة "عملاء التأمينات الاجتماعية"، فمصلحة المواطن وأمنه الاجتماعي خط أحمر لا يقبل التسويف أو التجارب غير ناضجة الأركان .
--------------------------
بقلم: كامل السيد
(خبير التأمينات الاجتماعية والمعاشات)


مقالات اخرى للكاتب

سيستم التأمينات الاجتماعية تحت قبة البرلمان: خطوة أولى نحو الإصلاح والشفافية والمحاسبة