16 - 05 - 2026

تحليلات غولدتسيهر للعقيدة والشريعة في الإسلام في ترجمة عربية تتضمن تصويب "المغالطات"

تحليلات غولدتسيهر للعقيدة والشريعة في الإسلام في ترجمة عربية تتضمن تصويب

- صدرت للمرة الأولى في كتاب عام 1910 وخضعت لتعديلات عدة

على الرغم مما شابته من مغالطات، يعد كتاب "العقيدة والشريعة في الإسلام" للمستشرق الهنغاري اليهودي إيغناس غولدتسيهر (1850 – 1921) دراسة متعمقة للإسلام في جانبه العقدي والتشريعي، يتناول فيها شخصية النبي محمّد (صلى الله عليه وسلم)، ونشوء المذاهب الفقهية وتطورها، ونشأة الزهد وظهور التصوف بمدارسه الرئيسية في الحضارة الإسلامية، كما يتناول الفرق الكلامية الأساسية انتهاءً بأهم الحركات الدينية ومحاولات تجديد الفكر الإسلامي الحديث، 

صدر كتاب "محاضرات في الإسلام" للمستشرق الهنغاري إيغناس غولدتسيهر، للمرة الأولى في العام 1910 في هايدلبرغ، في ألمانيا، وجاءت ترجمته إلى العربية الصادرة عن المركز القومي للترجمة تحت عنوان "العقيدة والشريعة في الإسلام: تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الإسلامي"، في طبعة ثانية "مزيدة ومنقحة"، أنجزها مع التعليق على ما ورد في الكتاب الأصلي من "مغالطات"، كل من محمد يوسف موسى، وعلي حسن عبد القادر، وعبد العزيز عبد الحق، وراجعها وقدم لها محمد عوني عبد الرؤوف (1929 – 2020) وهو المدير العربي السابق للمدرسة الألمانية الإنجيلية في القاهرة، والعميد السابق لكلية الألسن في جامعة عين شمس. وتختلف هذه النسخة العربية عن ترجمة عبد الحليم النجار، ومحمد يوسف موسى، وعبد العزيز عبد الحق، الصادرة عن دار "الكتب الحديثة" في مصر، ومكتبة "المثنى" في بغداد عام 1959. وعقب نشر الكتاب بالألمانية، نشرت ترجمات له إلى المجرية (الهنغارية)، ثم الروسية، والانجليزية والفرنسية والعبرية. واعتمدت الترجمة العربية على الترجمة الفرنسية التي أنجزت تحت عنوان أكثر دقة في التعبير عن مضمون الكتاب، مقارنة حتى بالعنوان الأصلي الذي وضعه غولدتسيهر نفسه، وهو ما واصلت الطبعة الثانية التي نحن بصدد العرض لها هنا، والتي توصف بأنها "مزيدة ومنقحة".

محاضرات في كتاب

بدأ غولدتسيهر دراسته المنتظمة للغة العربية وآدابها والفقه الإسلامي حين التحق بجامعة برلين بين عامي 1868 و1873، ومن ثم أنجز 72 كتاباً ودراسة عن الإسلام بحسب قائمة ببليوغرافية أوردها محمد عوني عبد الرءوف ضمن تقديمه للترجمة الصادرة عن المركز القومي للترجمة. واتكأ غولدتسيهر في هذا الكتاب على محاضرات متفرقة ألقاها باللغة المجرية، ومنها المحاضرات الثلاث التي مثلت الفصول الثلاثة الأخيرة في الكتاب. وكان من المقرر أن يلقي غولدتسيهر مجمل هذه المحاضرات في الولايات المتحدة بدعوة من "اللجنة الأميركية للمحاضرات في تاريخ الأديان" عام 1908، ولكن المرض الذي ألَّم به كما يذكر كاتب مقدمة الترجمة الإنجليزية موريس غاسترو – منعه من عبور المحيط، فكانت فكرة جمعها في كتاب حلاً يحفظ به هذا العمل. ونشر غولدتسيهر تلك الدراسات التي تشكل متون تلك المحاضرات في العام 1988 ثم أعاد النظر فيها وأضاف إليها وأعدها ليلقيها كمحاضرات عام 1908، ثم أعاد النظر فيها مرة ثالثة حين أعدها للنشر في كتاب عام 1910. 

ويرى عبد الرءوف أن الدراسة التي قدمها هذا الكتاب تضمنت قراءة نقدية عميقة للمصادر الإسلامية، كانت سبباً في أن يقول نلدكه عن غولدتسيهر إنه "عالم لا نظير له في حقل الدراسات الإسلامية الدينية والفلسفية". ولاحظ عبد الرءوف أن غولدتسيهر تعلم تحليل النصوص الدينية ونقدها في مدرسة الاستشراق الهولندية، وتأثر فضلاً عن ذلك بمنهج الحوار والجدل عند ابن حزم وأفاد منه، "وهذان ركنان مهمان في تكوين شخصيته العلمية". 

بيروت ودمشق والقاهرة

وجاء في مقدمة المترجم محمد يوسف موسى للترجمة الصادرة عام 1959، أن نقل هذا الكتاب إلى العربية كان يتطلب بصراً بالمصطلحات الكثيرة المختلفة للعلوم التي تناولها بالبحث والدراسة، وتعقباً للمؤلف في كل النصوص التي استند إليها وهي كثيرة جداً منبثة في مراجع عديدة، ويستلزم قدرة على التعليق والرد على ما أخطأ المؤلف فيه مما لا يتفق والحق وما جاء به الإسلام، وكان نقله للعربية بهذه الشروط أو على هذه الأسس، أمنية الدارسين والباحثين في الإسلام". ويذكر عبد الرءوف أن غولدتسيهر كوفئ على محاضراته المتميزة التي ألقاها في الأكاديمية اللغوية المجرية سنة 1872 بحصوله من وزير الشؤون الدينية والتعليم على منحة لزيارة الشرق الأوسط. كا غولدتسيهر في ذلك الوقت قد تمكن من إجادة العربية والفارسية، وكانت هذه الرحلة أسعد أيام حياته كما كتب في يومياته. بدأت الرحلة بزيارة بيروت، حيث زار فان دايك (1836- 1907) وهو مستشرق ولد في لبنان وتخرج في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم عمل أستاذاً للانجليزية في القاهرة، ليسلمه خطاب توصية فلابشر الذي كان ضمن أساتذته في جامعة برلين. وتقابل كذلك مع بطرس البستاني الذي شارك فان دايك في ترجمة التوراة إلى العربية، كما تقابل مع رجل الدين الشاعر والصحافي خليل الخوري. ثم رحل غولدتسيهر إلى دمشق، وتعرف فيها على الشيخ محمد الذهبي الذي قدم من إسطنبول، ونشأت بينهما صداقة. كان الذهبي عطاراً في سوق البوزارية في دمشق، ومن ثم تعرف غولدتسيهر على زواره من العلماء الذين أعجبوا بعمق معرفته بالشريعة الإسلامية وبالشعر والنحو العربيين. ومن هؤلاء مصطفى بك السباعي الذي سمح له بزيارة مكتبته الغنية بالكتب والمخطوطات التي أفاد منها كثيرا في دراساته اللاحقة. ومن دمشق التي وصفها بـ "بوابة الجنة"، رحل غولدتسيهر إلى القاهرة، وهناك كان يتردد يومياً على الكتب خانة (دار الكتب الخديوية)، التي وصفها بأنها معهد لا نظير له للوفاء باحتياجاته الدراسية لسخائها في تزويده بالمراجع. ومن أحد موظفيها المصريين تعلم العامية المصرية. 

يهودي في الأزهر

وخلال إقامته في القاهرة تعرف على علي باشا مبارك الذي تولى وزارة المعارف في عهد الحديوي إسماعيل غير مرة. وتعرف كذلك على جمال الدين الأفغاني وكان يجالسه في إحدى مقاهي حي عابدين في حضور عدد من طلاب الأزهر. ويذكر غولدتسيهر في يومياته أن وزير المعارف المصري عرض عليه الإقامة الدائمة في مصر، وتولي وظيفة حكومية مهمة، لكنه اعتذر لعدم استطاعته البقاء بعيداً عن والديه الطاعنين في السن، وطلب منه أن يسهل له مقابلة مفتي مصر في ذلك الوقت الشيخ محمد العباسي المهدي ليسهل له الالنحاق بالجامع الأزهر للدراسة. وكان غولدتسيهر يعرف أن الدراسة في الأزهر متاحة للمسلمين فقط، ومع ذلك ذهب لمقابلة المفتي بتوصية من وزير المعارف. وخلال المقابلة التي جرت أثناء حلقة علمية دينية، قال له الشيخ المهدي: "أنت أول غير مسلم يسمح له أن يهبط على حلقاتنا، ولما وجده ملماً بكثير من المسائل الإسلامية الجدلية، أتاح له الجلوس إلى عدد كبير من علماء الأزهر وطلابه، فدرس معهم أصول الفقهين الحنفي والمالكي. وعبر غولدتسهير في مذكراته عن سروره بهذه الأيام وقرر أنه تعلم كثيراً في هذه الفترة المحدودة التي قضاها في مصر، وأن شيوخه كانوا ينتظرون اللحظة التي يعلن فيها إسلامه، بعدما أكد لهم اعتقاده في نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم) وشاركهم في صلة الجمعة عند ضريح الإمام الشافعي. ومع ذلك – يقول رءوف- جرى الاختلاف في الحكم على دراسات غولدتسهير الإسلامية وتحليلاته لنصوص القرآن والسنة والتي تأثر فيها أساساً بما تعلمه من أساتذته الهولنديين، أكثر مما تأثر بما حصله من أساتذته في بيروت ودمشق والقاهرة.

يتألف كتاب "العقيدة والشريعة في الإسلام والذي جاءت ترجمته إلى العربية في طبعتها الثاني في 404 صفحات، من ستة أقسام: محمد صلى الله عليه وسلم، تطور الفقه، نمو العقيدة وتطورها، الزهد والتصوف، الفِرَق، الحركات الدينية الأخيرة.