17 - 05 - 2026

ليبيا بين هندسة السلطة ومأزق الشرعية

ليبيا بين هندسة السلطة ومأزق الشرعية

يتصاعد الحراك الأميركي – الأممي في ليبيا بصورة غير مسبوقة منذ سنوات، في محاولة لإعادة تحريك العملية السياسية المتعثرة، وسط إدراك دولي متزايد بأن استمرار حالة الانقسام الراهنة بات يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، ولتوازنات الطاقة والأمن في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا. غير أن اللافت في التحركات الأخيرة لا يتمثل فقط في الدفع نحو الانتخابات، بل في التحول الواضح في طبيعة المقاربة الدولية للأزمة، من البحث عن "تسوية شاملة" إلى محاولة إدارة التوازنات القائمة وإعادة هندسة السلطة تدريجياً وفق معادلات الأمر الواقع.

وفي هذا السياق، تبدو فكرة "التشريعيات أولاً" التي يجري تداولها داخل الأروقة الأميركية والأممية محاولة لكسر الجمود السياسي الذي عطّل المسار الانتخابي منذ انهيار انتخابات ديسمبر 2021، لكنها في الوقت نفسه تعكس اعترافاً ضمنياً بفشل الرهان على إجراء انتخابات رئاسية مباشرة في ظل الانقسام الأمني والعسكري والمؤسساتي الحالي.

لقد تحولت الانتخابات الرئاسية في ليبيا إلى "عقدة النظام السياسي"، لا مجرد استحقاق دستوري. فالصراع لم يعد مرتبطاً فقط بالقوانين الانتخابية أو شروط الترشح، بل بطبيعة السلطة نفسها، وبالسؤال الجوهري المتعلق بمن يمتلك القوة الفعلية على الأرض، ومن يستطيع ضمان نتائج أي عملية انتخابية أو فرضها. ولهذا، فإن الاتجاه نحو انتخابات برلمانية أولاً يعكس محاولة لتجنب الانفجار الذي قد ينجم عن التنافس المباشر على الرئاسة، خصوصاً في ظل وجود شخصيات وقوى مسلحة تمتلك نفوذاً واسعاً وترفض احتمال خسارة السلطة.

ويكشف الحراك الأخير أن الولايات المتحدة باتت أكثر انخراطاً في الملف الليبي مقارنة بالسنوات الماضية، ليس انطلاقاً من أولوية ديمقراطية بحتة، بل بسبب اعتبارات جيوسياسية وأمنية متشابكة. فواشنطن تنظر إلى ليبيا اليوم باعتبارها نقطة تقاطع لعدة ملفات حساسة في مقدمتها النفوذ الروسي في أفريقيا، أمن الطاقة في المتوسط، الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، إضافة إلى مستقبل التوازنات العسكرية في الساحل والصحراء. ومن هنا يمكن فهم الطرح المنسوب إلى مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، والذي يقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر هندسة جديدة للمشهد السياسي، تتضمن دوراً محورياً لصدام حفتر داخل تركيبة السلطة المقبلة، مقابل الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة في رئاسة حكومة موحدة.

هذا الطرح لا يعكس فقط محاولة لتقريب الشرق والغرب الليبيين، بل يكشف عن توجه دولي جديد يقوم على دمج "مراكز القوة الواقعية" داخل معادلة سياسية واحدة، بدلاً من محاولة تجاوزها أو تفكيكها. فالمجتمع الدولي بات يدرك أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة شرعية دستورية فقط، وإنما أزمة توازنات مسلحة ونفوذ اقتصادي وتحالفات جهوية معقدة. ولذلك، فإن أي تسوية قابلة للحياة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار القوى الفاعلة على الأرض، حتى وإن كانت مثيرة للجدل. غير أن هذا التوجه يواجه رفضاً متزايداً داخل غرب ليبيا، خصوصاً في مدينة مصراتة وبعض القوى السياسية والعسكرية التي ترى في صعود صدام حفتر محاولة لإعادة إنتاج نموذج "الحكم العسكري" بصيغة جديدة. ولهذا، جاء موقف عبد الحميد الدبيبة الرافض ضمنياً للمبادرة الأميركية في إطار محاولة لاحتواء الاحتقان الشعبي والسياسي داخل معسكره، أكثر من كونه قطيعة فعلية مع المسار الأميركي. فالدبيبة يدرك أن أي انفتاح علني على مشروع يمنح نجل خليفة حفتر موقعاً محورياً في السلطة قد يفقده جزءاً مهماً من شرعيته داخل الغرب الليبي، خاصة في ظل تنامي المخاوف من عودة "العسكرة السياسية". وفي المقابل، يدرك أيضاً أن بقاءه في السلطة مرتبط إلى حد كبير بالتفاهمات الدولية والإقليمية، وبقدرته على الحفاظ على شبكة التوازنات الاقتصادية والعسكرية القائمة.

ولهذا، تبدو مواقف الدبيبة أقرب إلى "المناورة السياسية" منها إلى الرفض النهائي؛ فهو يحاول التمسك بخطاب "الدستور أولاً" ورفض الحكم العسكري من جهة، مع الإبقاء على قنوات التفاهم مفتوحة مع القوى الفاعلة شرقاً وغرباً من جهة أخرى. كما أن استمرار التحالفات الاقتصادية غير المعلنة بين شبكات النفوذ في طرابلس وبنغازي يشير إلى أن الانقسام الليبي لم يعد انقساماً جغرافياً خالصاً، بل أصبح منظومة مصالح متداخلة يصعب تفكيكها بسهولة.  وفي المقابل، يبدو أن معسكر الشرق الليبي، المدعوم من "الجيش الوطني"، بات أكثر انفتاحاً على فكرة "التشريعيات أولاً"، رغم تمسكه سابقاً بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن إجراء انتخابات رئاسية مباشرة قد يحمل مخاطر غير محسوبة، خصوصاً إذا أفرزت نتائج لا تتوافق مع موازين القوة العسكرية القائمة.

كما أن الحديث عن "ضمانات أميركية" لصدام حفتر داخل السلطة المقبلة يكشف عن محاولة لإعادة دمج معسكر الشرق داخل العملية السياسية بصورة أكثر استقراراً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نفوذ المؤسسة العسكرية في الشرق والجنوب. لكن هذه المقاربة قد تؤدي أيضاً إلى تكريس منطق "تقاسم النفوذ" بدلاً من بناء دولة مؤسسات حقيقية، وهو ما قد يعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

إضافة إلى ذلك، فإن الطرح القائم على انتخابات تشريعية أولاً يواجه تحديات بنيوية عميقة. فحتى لو جرى انتخاب برلمان جديد، فإن ذلك لا يضمن بالضرورة إنهاء الانقسام أو توحيد المؤسسات. إذ إن المشكلة الليبية لم تعد فقط في شرعية الهياكل السياسية، بل في غياب سلطة مركزية قادرة على احتكار القوة وإدارة التوازنات الأمنية والاقتصادية. كما أن وجود حكومتين متنافستين، وتعدد المجموعات المسلحة، واستمرار التدخلات الخارجية، كلها عوامل تجعل أي عملية انتخابية عرضة للانهيار أو الطعن في نتائجها. كما أن البعثة الأممية تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى منطق "الإدارة الواقعية للأزمة" بدلاً من الدفع نحو حلول مثالية يصعب تنفيذها، ويتجلى ذلك في تشكيل "اللجنة المصغرة" التي تضم ممثلين عن الشرق والغرب بعيداً عن تعقيدات مجلسي النواب والأعلى للدولة، في محاولة لتقليص دائرة التفاوض وحصرها في القوى الأكثر تأثيراً على الأرض.

لكن هذه المقاربة تحمل بدورها مخاطر سياسية، لأنها قد تعمّق شعور بعض الأطراف بالتهميش، وتؤدي إلى إنتاج تسوية فوقية لا تستند إلى توافق وطني واسع. كما أن التركيز على إعادة توزيع السلطة دون معالجة جذور الأزمة المتعلقة بالدستور، والعدالة الانتقالية، وتوحيد المؤسسة العسكرية، قد يؤدي إلى تأجيل الانفجار بدلاً من احتوائه.

الغاية إذًا، إن الأزمة الليبية الحالية تعكس تحوّلاً مهماً في طبيعة الصراع داخل الدولة الليبية، فالصراع لم يعد يدور فقط بين شرق وغرب، أو بين حكومتين متنافستين، بل بين مشاريع مختلفة لإعادة بناء الدولة؛ مشروع يقوم على مركزية السلطة والأمن، ومشروع يسعى إلى الحفاظ على التوازنات المحلية وشبكات النفوذ القائمة، ومشروع دولي يركز أساساً على الاستقرار ومنع الانهيار، حتى لو جاء ذلك على حساب بناء نظام سياسي ديمقراطي مكتمل. وعليه، فإن الحديث عن انتخابات تشريعية أو إعادة هندسة السلطة التنفيذية لن يكون كافياً لإخراج ليبيا من أزمتها، ما لم يُرافق ذلك مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية على أسس وطنية جامعة. فالمشكلة الجوهرية في ليبيا ليست فقط غياب الانتخابات، بل غياب التوافق على شكل الدولة نفسها، وعلى طبيعة العلاقة بين السلطة والسلاح والنفوذ الجهوي. ولهذا، تبدو ليبيا اليوم أمام مفترق طرق جديد: إما أن تتحول "التشريعيات أولاً" إلى مدخل تدريجي لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات، وإما أن تصبح مجرد حلقة جديدة في مسلسل إدارة الأزمة وإعادة إنتاج الانقسام بصيغ مختلفة.
-----------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

ليبيا بين هندسة السلطة ومأزق الشرعية