17 - 05 - 2026

غزة وأوكرانيا وإيران: 3 حروب عرّت الغرب

غزة وأوكرانيا وإيران: 3 حروب عرّت الغرب

لم تكن الحروب الثلاث مجرد أزمات متفرقة جرت في جغرافيات متباعدة، بل بدت كأنها امتحانات متلاحقة سقط فيها الغرب على نحو مختلف في كل مرة. في واحدة سقط أخلاقيًا، وفي أخرى استراتيجيًا، وفي الثالثة سياسيًا. 

والنتيجة أن ما جرى لم يكن انكشاف جبهات، بل انكشاف منظومة كاملة؛ صورة قوة ظلت لعقود تجمع بين السلاح والشرعية، بين النفوذ والهيمنة، ثم بدأت عناصرها تتفكك أمام العالم.

الحرب على غزة لم تكن اختبارًا لموازين القوة بقدر ما كانت اختبارًا لصورة الغرب التي يروجها عن نفسه. فوق أنقاض غزة انكشف التناقض بين خطاب رُفع طويلًا باعتباره مرجعية إنسانية كونية، وبين ممارسة أعادت تعريف الإنسان نفسه وفق موقعه من السياسة والتحالف. 

حين تعلق الأمر بأوكرانيا صار الاحتلال جريمة مطلقة، والسيادة قيمة مقدسة، والضحايا قضية عالمية. وحين تعلق الأمر بالفلسطينيين، أصبح القانون نفسه قابلًا للتأويل، وتحولت المجازر إلى مادة قابلة للتبرير. لم تسقط غزة عسكريًا فقط، بل أسقطت معها آخر ستار أخلاقي تستر به الغرب طويلًا وهو يعظ العالم.

ثم جاءت الحرب على أوكرانيا لتكشف أن أزمة الغرب لا تقف عند القيم. الحرب هناك لم تكشف مأزق كييف أو مأزق موسكو، وحدهما، بل كشفت هشاشة الاتحاد الأوروبي نفسه كقوة استراتيجية مستقلة. 

أوروبا التي تحدثت طويلًا عن الاستقلال وعن دور دولي مستقل، وجدت نفسها عاجزة عن حماية جوارها المباشر دون تدخل ومعونة أمريكية. لم تستطع أن تكون وسيطًا، ولا ضامنًا، ولا حتى صاحب قرار كامل في حرب مشتعلة على تخومها.

أشد من كشف هذا الضعف الأوروبي هو ترامب الذي من يوم انتخابه حتى الأمس القريب لم يقصر في الحديث علانية عن أن الحليف الأوروبي، مهما ارتفع صوته، ما يزال محتاجًا إلى المظلة الأمريكية أكثر مما تحتاجه واشنطن، فتعامل معه باعتباره تابعًا استراتيجيًا لا شريكًا ندّيًا.

أدرك بعقله التجاري الفج أن القارة التي تتكلم كثيرًا لا تستطيع أن تدافع عن نفسها حين يقترب الخطر من حدودها. لذلك تعامل مع قادتها باستخفاف ظاهر؛ لا باعتبارهم حلفاء متكافئين، بل شركاء تابعين، يحتاجون الحماية الأمريكية أكثر مما تحتاجهم واشنطن.

ثم جاءت ورطته الكبرى في المواجهة مع إيران.

هناك وجد نفسه داخل الاختبار ذاته الذي وضع فيه أوروبا: اختبار القدرة الفعلية لا القدرة المعلنة. والمفارقة أنه احتاج في تلك اللحظة إلى كثير من الحلفاء الذين سخر من عجزهم بالأمس.

في المواجهة مع إيران بدا الخطاب الأمريكي صاخبًا إلى حد التهديد بإعادة رسم المنطقة وإسقاط النظام، لكن التنفيذ اصطدم بحسابات أكثر قسوة. 

هزمته إرادة القتال والقدرة على المواجهة، وهزمته الجغرافيا التي كثيرًا ما تلعب مع أصحابها. فإيران ليست ساحة معزولة، بل عقدة طاقة، وممرات بحرية، وشبكات نفوذ، وأي خطوة ضدها تحمل احتمالات توسع تتجاوز ساحة الاشتباك.

هنا ظهر أن واشنطن، رغم تفوقها العسكري، ليست حرة تمامًا في استخدام قوتها. وأن القوة العظمى نفسها محكومة بتكلفة الحرب، وأسعار الطاقة، وضغط الداخل، وتوازنات الحلفاء. لم تعد المسألة من يملك السلاح الأكبر، بل من يستطيع استخدامه دون أن يشعل الحريق في النظام الذي يقوده.

وهنا بالتحديد استفادت الصين.

لم تحتج بكين إلى صدام مباشر كي تكسب. يكفيها أن ترى خصمها وقد انكشف. 

غزة كشفت زيف الخطاب، وأوكرانيا كشفت ضعف أوروبا، وإيران كشفت أن واشنطن نفسها لا تستطيع دائمًا تحويل التهديد إلى قرار. 

وهذا هو التحول الحقيقي في ميزان القوة: ليس أن الصين أصبحت أقوى فجأة، بل أن الغرب بدا أقل إقناعًا، وأقل قدرة، وأقل مصداقية في آن واحد.

هكذا تكاملت الصورة. 

غزة عرّت الزيف، وأوكرانيا كشفت الضعف، وإيران أظهرت سقف القوة. ثلاث حروب، وثلاث جغرافيات، لكنها التقت عند حقيقة واحدة: الغرب لم يسقط لأنه هُزم في معركة واحدة، بل لأنه انكشف في امتحانات متتابعة، أمام خصومه وأمام صورته التي صنعها عن نفسه. 

وحين تنكشف القوة في أخلاقها، وحلفائها، وقدرتها على الفعل، يبدأ العالم ـ بصمت ـ في البحث عن مركز آخر.
--------------------
 بقلم: محمد حماد

مقالات اخرى للكاتب

غزة وأوكرانيا وإيران: 3 حروب عرّت الغرب