بعيداً عن صورتها النمطية كمنطقةٍ تتراقص على حافة الهاوية وفق إيقاع "توازن القوى" التقليدي، دخل الشرق الأوسط مرحلةً أكثر ضبابيةً وعمقاً يمكن وصفها بـ"إدارة الفوضى الاستراتيجية"، فالحروب المتدحرجة التي لم تعد تعرف حدوداً ثابتة، والانهيارات الجزئية في بنية الدول، والتراجع الملموس في قدرة واشنطن على فرض نظام إقليمي مستقر أو أحادي القطب، كلها عوامل تضافرت لتضع الفاعلين الأساسيين في الإقليم، وفي مقدمتهم دول الخليج، أمام سؤال وجودي مُلِح: كيف يُصنع الأمن في فضاء تتفكك فيه اليقينيات القديمة؟ هل تتحقق السلامة عبر شطب الخصم وإلغائه، أم عبر احتواء مخاطره وتطويق انفجارها قبل أن تلتهم الجميع؟
في قلب هذه المراجعة الاستراتيجية العميقة، تبرز التحركات الخليجية الأخيرة تجاه إيران بوصفها تجسيداً حياً لتحوّل جذري من "فلسفة الحسم العسكري" إلى "فلسفة إدارة الصراع"، وهو تحوّل لا يُقرأ بالضرورة بوصفه إعلان ثقة متبادلة بقدر ما يُقرأ بوصفه اعترافاً صريحاً بمعادلة الشرق الأوسط الجديدة: الصراعات الممتدة هنا صارت أضخم وأعقد من قدرة أي طرف، مهما بلغت قوته، على حسمها نهائياً أو شطب خصومه من المعادلة، وفي هذا السياق تحديداً، تتفتق الذاكرة الاستراتيجية عن نموذجٍ ملهم من أرشيف الحرب الباردة؛ إنها "عملية هلسنكي" التي حوّلت آنذاك عداءً صفرياً بين معسكرين عملاقين إلى هندسة طويلة النفس للتعايش وتقنين المخاطر.
اليوم، تستلهم الرياض تلك التجربة لتعيد صوغ الفعل الدبلوماسي من جديد: مناقشات هادئة ومتعمقة مع حلفائها حول فكرة إنشاء "ميثاق عدم اعتداء" إقليمي بين دول الشرق الأوسط وإيران، لا كمشروع سلام فوري أو خيالي، بل كإطار واقعي لامتصاص صدمات ما بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع طهران، ودرء انزلاق الإقليم برمته إلى حافة لا تُحتمل، إنها اللحظة التي ينتقل فيها الخليج من الرهان على إنهاء الخصومة إلى هندسة متقنة للتوازن الجديد، حيث تُدار الصراعات بدل أن تُفجّر الدول.
وهم الحسم العسكري
لسنوات طويلة، هيمنت على العقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط فرضيةٌ شديدة الإغراء لكنها شديدة الخداع: أن الطريق إلى الاستقرار يمر حتماً عبر مراكمة القوة الكاسحة؛ تفوق عسكري ساحق، أو خنق اقتصادي منهجي، أو عزل سياسي خانق، يدفع الخصم في نهاية المطاف إلى الركوع أو التطبيع مع الشروط المفروضة، غير أن المختبر الإيراني أثبت، طوال عقدين من الضغوط القصوى والحروب بالوكالة والضربات الموجعة، أن هذه الفرضية تعاني من قصور جوهري في فهم طبيعة الخصم نفسه، فإيران لم تنهر تحت الحصار، ولم تنكفئ تحت الضربات، بل أظهرت قدرة لافتة على المناورة وإعادة التمركز والتكيف، محوّلة كل أزمة إلى فرصة لإعادة تعريف أدوات نفوذها.
والسبب لا يكمن في مجرد صمود نظام سياسي، بل في طبيعة الكيان الإيراني ذاته، الذي لا يُختزل في دولة قومية بالمعنى الكلاسيكي، إنها بنية مركبة، أيديولوجية أمنية في جوهرها، تعمل وفق منطق مختلف: شبكات نفوذ عابرة للحدود، وحلفاء فاعلين ليسوا دولًا ينتشرون في مفاصل أزمات الإقليم، وقدرته على إدارة الصراع بأدوات غير مباشرة تستعصي على الحسم العسكري التقليدي، إنه عدو لا يمتلك مركز ثقل واحداً يمكن تدميره لينهار الكل، بل أشبه بكيان شبكي لامركزي، يجعل تفكيكه الكامل أو تحييده النهائي مسعى شبه مستحيل، وكل محاولة لكسر عظامه تنتهي بإعادة إنتاج التهديد بأشكال جديدة أكثر تفلتاً.
هنا تكمن المفارقة التي قادت دول الخليج إلى إعادة تأمل جذرية في استراتيجيتها تجاه طهران، لقد أدركت هذه الدول، عبر تراكم الخبرة والاحتكاك المباشر بأزمات الإقليم، أن "إيران الضعيفة" قد تكون أكثر خطورة من "إيران المستقرة"، فالدولة التي تتفكك مراكز سيطرتها الداخلية لا تتحول إلى ديمقراطية مطمئنة، بل قد تصبح مسرحاً لفوضى مركبة، أو تلد سلوكاً أكثر راديكالية وانفلاتاً، يبحث عن تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، إنها لحظة الانهيار التي لا تصنع فراغاً آمناً، بل تخلق حقلاً من الفوضى الاستراتيجية يستحيل احتواؤه بسهولة.
من رحم هذا الإدراك العميق، بدأ التحول التدريجي في التفكير الخليجي: الانتقال من تصور إيران بوصفها "عدواً مؤقتاً" يمكن شطبه بالقوة أو الانتظار حتى يسقط، إلى التعامل معها بوصفها "مشكلة دائمة" وجب تنظيمها وإدارتها، إنه انتقال من عقلية الحرب التي تبحث عن النصر النهائي إلى عقلية الاستراتيجيا الكبرى التي تبحث عن الاستقرار المُستدام؛ لا يتم تصفية الخصم، بل تُهندَس العلاقة معه بطريقة تحتوي مخاطره وتمنع انفجاره، وتُبقي على قنوات مفتوحة لضبط إيقاع الصراع ضمن حدود لا تبتلع مصير الجميع، فلم يعد السؤال: كيف نلحق الهزيمة بإيران؟ بل: كيف نتعايش مع جوار ملغوم، ونروض التناقضات بحيث ندير الصراع قبل أن يديرنا؟
منطق الاحتواء بدل المواجهة
في قلب العقلية الاستراتيجية الجديدة التي تتشكل في الشرق الأوسط، تتبلور فلسفة إدارة الصراع انطلاقاً من افتراض جوهري يقطع مع أوهام الماضي: أن بعض الصراعات، بطبيعتها البنيوية وعمقها التاريخي وتشعب أدواتها، لا تُحسم ولا تُصفى ولا تبلغ نقطة نهاية أبدية، بل تُروَّض وتُضبَط إيقاعاتها، ويمكن منعها من التحول إلى حروب شاملة تلتهم ما تبقى من استقرار الإقليم، إنها فلسفة لا تنشد الانتصار على الخصم بقدر ما تنشد تحييد قدرته على تفجير المشهد برمته.
هذا تحديداً هو المنطق الصلب الذي أطَّر "اتفاقات هلسنكي" خلال الحرب الباردة، تلك اللحظة الفارقة التي أدرك فيها المعسكران المتعاديان أن الاستنزاف المتبادل والمفتوح أخطر على وجودهما معاً من تعايش مشروط ومُراقَب، يقرُّ بالتناقض لكنه يُخضِعه لقواعد تمنع انفلاته، واليوم وفي استعادةٍ لافتة لذاكرة الاستراتيجيا الكبرى، تبدو عواصم خليجية رئيسية وهي تستلهم ذلك النموذج في مقاربتها لإيران، لا انجذاباً إلى شريك، ولا توهماً بصداقة مفاجئة، بل خوفاً استراتيجياً رصيناً من انفجار شامل لا يُبقي ولا يذر.
فالميثاق الأمني أو اتفاق "عدم الاعتداء" المطروح لا يُفهم، في هذا السياق، بوصفه إعلان نهاية التنافس الخليجي-الإيراني، ولا تصفية للصراع على النفوذ والإقليم والموارد، إنه إطار أكثر براجماتية وأقل طموحاً ظاهرياً، لكنه أكثر طموحاً استراتيجياً في جوهره: وضع قواعد اشتباك معكوسة، تحد من إمكانية انزلاق التنافس إلى مواجهة مفتوحة تعصف بالاقتصاد العالمي، وتشل أمن الطاقة، وتعطل الممرات البحرية الحيوية التي يتنفس من خلالها الاقتصاد الدولي برمته، إنه مشروع لإدارة المخاطر النظامية، لا لإلغاء الخلافات.
يكتسب هذا التوجه عمقه الإضافي من تحوّلٍ بنيوي في فهم الخليج لموقعه في الاستراتيجيا العالمية، فالخليج الذي اعتمد لعقود، بصورة شبه مطلقة، على المظلة الأمريكية بوصفها ضامناً أخيراً للأمن، بدأ يقرأ تحولات المشهد الدولي بعيون مفتوحة على حقائق مرة: واشنطن لم تعد راغبة في خوض حروب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط، ولا قادرة على تحمل أثمانها من دون أن تتآكل قدرتها على المنافسة في ساحات أخرى أكثر حيوية بالنسبة إليها، وفي ظل هذا الانكشاف النسبي، لم يعد بناء ترتيبات أمنية إقليمية مجرد خيار سياسي مؤقت أو تكتيك دبلوماسي عابر، بل صار ضرورة استراتيجية وجودية، تفرضها الجيوبوليتيكية الجديدة على دول تعرف أن الانتظار لم يعد رفاهيةً يمكن تحمّلها.
التحول في الرؤية الخليجية
لا ينبغي أن يُقرأ التحول الخليجي في مقاربته لإيران بوصفه انزياحاً عاطفياً من دائرة الخصومة إلى دائرة التحالف، بل بصفته إعادة تموضع استراتيجي رصين ينتقل من "القطيعة المطلقة" التي لا تُبقي على قناة ولا تُقر بوجود، إلى "التوازن الواقعي" الذي يعترف بالخصم ويدير العلاقة معه وفق معادلات محسوبة، فالرياض تحديداً، بعد سنوات من الاحتكاك المحموم بلهيب الأزمات الإقليمية، أعادت تعريف طبيعة صراعها مع طهران: لم يعد ذلك الصراع في نظرها معركة صفرية تنتهي بفناء أحد الطرفين، بل حالة تنافس طويل الأمد، عميق الجذور، متعدد الساحات، يقتضي من الأدوات ما يختلف جوهرياً عن أدوات الحرب والقطيعة؛ يقتضي قنوات اتصال مفتوحة حتى في عز العاصفة، وآليات احتواء تمنع التنافس من ابتلاع ما هو أبعد من النفوذ.
في هذا الضوء تحديداً، تكتسب محطات مثل التقارب السعودي-الإيراني برعاية صينية، والمسارات الدبلوماسية والأمنية الجديدة التي تشق طريقها عبر عواصم المنطقة، معناها الحقيقي، إنها ليست مجرد انفراجات تكتيكية عابرة، بل تعبير عن رؤية سعودية متعددة الأبعاد تسعى، في حركة متوازية، إلى تقليل احتمالات الحرب المباشرة التي صارت تكلفتها غير محتملة، وإلى حماية مشاريعها الاقتصادية الكبرى ورؤية التحول الداخلي الطموحة، من أن تصبح رهينة لصراعات إقليمية خارجة عن السيطرة، ومنع استهداف البنية النفطية والخطوط البحرية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد العالمي، كما تضمر هذه الاستراتيجية هدفاً بنيوياً لا يقل أهمية: تقليص الاعتماد الأمني شبه المطلق على الولايات المتحدة، والتحرك باتجاه إعادة تشكيل النظام الإقليمي على قاعدة التوازن المرن لا الاستقطاب الصلب، حيث تُوزع الأوراق وتُعدل الشراكات بدل أن تُخنق في محور واحد.
غير أن هذا المسار، على رغم واقعيته وجاذبيته الاستراتيجية، يظل محفوفاً بتناقضات عميقة لا يمكن التغاضي عنها، ففي الوقت الذي تتحسس فيه العواصم الخليجية مساراً جديداً لإدارة الجوار، لاتزال إيران تنظر إلى نفوذها الإقليمي بوصفه ليس مجرد سياسة خارجية قابلة للتفاوض، بل امتداداً عضوياً لعقيدتها الأمنية، وجزءاً من صيغة وجودها كدولة وكفكرة، وفي المقابل، لاتزال دول خليجية عديدة ترى في ذلك النفوذ المتشعب، بوكلائه وأذرعه المنتشرة في مفاصل الهشاشة الإقليمية، تهديداً مباشراً لاستقرارها الداخلي وسيادتها، إنها المعضلة التي تجعل من إدارة الصراع مهمة شاقة ودائمة، لا تقل تعقيداً عن الصراع نفسه.
إسرائيل ومعضلة النظام الإقليمي الجديد
لا تكتمل صورة المشهد الشرق أوسطي الجديد دون التوقف عند التحول الصادم الذي فرضته التطورات الأخيرة على طبيعة التهديد ذاته، فعلى امتداد سنوات، جرى تثبيت إيران في المخيال الاستراتيجي بوصفها المصدر شبه الوحيد لعدم الاستقرار الإقليمي، ورأس الحربة في كل أزمة، غير أن حرب غزة، والتصعيد المتمدد في لبنان وسوريا، وسلوك الحكومة الإسرائيلية اليمينية الأكثر جرأة في توسيع دائرة المواجهة وتعميق الاحتلال وإعادة رسم قواعد الاشتباك الديموغرافي والسياسي، دفعت قطاعات واسعة من العالم العربي والإسلامي إلى إعادة تقييم جذرية لموقع إسرائيل داخل معادلة الاستقرار الإقليمي، فلم تعد إسرائيل، في نظر هذه القطاعات، مجرد طرف منحاز أو قوة محتلة فحسب، بل تحولت إلى محرك أساسي لديناميات الفوضى، وإلى مختبر دائم لإنتاج التهديدات التي تتجاوز حدودها لتهز أركان الإقليم برمته.
هنا، وفي هذه اللحظة التي يتزاحم فيها التهديدان، تتبدى معضلة كبرى تلامس جوهر أي مشروع لنظام أمني إقليمي جديد: كيف يمكن هندسة ترتيب يستوعب إيران وإسرائيل معاً في إطار واحد، بينما ينعدم الحد الأدنى من الثقة المتبادلة، بل ويعتبر كل طرف الآخر تهديداً وجودياً لا يقبل المساومة أو الاحتواء؟ إنها ليست مجرد فجوة سياسية قابلة للجسر بالوساطات التقليدية، بل هوة وجودية عميقة تفصل بين كيانين يختزل كل منهما الآخر في صورة العدو المطلق.
وهذه المعضلة بالتحديد هي التي تجعل أي حلم باتفاقات "هلسنكي شرق أوسطية" مشروعاً بالغ التعقيد، يكاد يكون مستحيلاً في شروطه الراهنة، فالمنطقة لا تعاني فقط من صراع مصالح بالمعنى الكلاسيكي الذي تعرفه العلاقات الدولية، بل تعاني مما هو أعمق وأشد فتكاً: صراع هويات جامحة، وروايات تاريخية لا تتصالح، وعقائد أمنية متناقضة تنظر إلى أمنها الذاتي بوصفه لا يكتمل إلا بإلغاء أمن الآخر أو احتوائه بصورة مميتة، إنها بيئة استراتيجية تجعل الانتقال من إدارة الصراع إلى هندسة النظام مهمة لا تُختبر فيها النوايا الحسنة فحسب، بل تُختبر فيها قدرة المنطقة على اختراع صيغة وجود جديدة، لا تتطلب إذابة العداوات، بل ترويضها ضمن قواعد لا تسمح لها بالانفجار كلما عصفت رياح الأزمة.
مآلات المسار الخليجي تجاه إيران
وعند النظر إلى المسار الخليجي الجديد تجاه إيران من زاوية المآلات والاحتمالات، لا يصح الركون إلى يقينيات أو سيناريوهات أحادية، فالشرق الأوسط الذي نعيشه اليوم لا يُختزل في معادلات خطية، بل يُكتب في مسودات مفتوحة على مفاجآت قاسية، غير أنه يمكن، بدرجة معقولة من الاستناد إلى الديناميات الراهنة، تصور ثلاثة مآلات رئيسية تتأرجح بينها هذه الاستراتيجية.
المآل الأول، وهو الأقرب إلى الواقعية الحذرة التي تُدير بها العواصم الخليجية رهاناتها اليوم، يمكن تسميته بـ"الاحتواء المستقر"، في هذا السيناريو، تنجح دول الخليج وإيران في تشييد بنيان من التفاهمات الأمنية المحدودة والمركزة، لا تطمح إلى إذابة التنافس السياسي والإقليمي أو شطب الخلافات الجوهرية، بل تقتصر على هدف أكثر تواضعاً وأشد حيوية: منع التصعيد المباشر الذي يفلت من عقاله ويتحول إلى حرب شاملة، إنه احتواء يقر بوجود التنافس، بل يكاد يُقننه، فيُبقي على قنوات الاتصال مفتوحة، ويضبط إيقاع العمليات في الميادين الملتهبة، ويُنتج نوعاً من الردع المتبادل المشروط، من دون أن يصل إلى مستوى الشراكة أو الثقة، إنه التوازن الذي لا يُنهي الصراع، لكنه يُروّضه ويُبقيه تحت سقف لا يحرق ما تبقى من استقرار.
أما المآل الثاني، فيحوم في منطقة وسطى أكثر هشاشة، ويمكن وصفه بـ"التهدئة الهشة"، وهنا تستمر الاتصالات الدبلوماسية، وتُوقَّع اتفاقات شكلية، وتُلتقط صور إيجابية توحي بأن المسار يسير في اتجاه التطبيع، لكنها تظل تدور في فلك القشرة السطحية من دون أن تنفذ إلى معالجة جذور الصراع العميقة أو تفكيك أدواته المتشعبة، وفي هذا السيناريو، لا تختفي الألغام، بل تُغطى بطبقة رقيقة من البروتوكول، ويظل المشهد هشاً إلى درجة أن أي حادث أمني كبير، أو تصعيد مفاجئ في إحدى ساحات المواجهة بالوكالة، أو حتى خطأ تكتيكي غير محسوب، قادر على تمزيق التفاهمات الهشة وإعادة عقارب الساعة إلى نقطة الصفر، بل ربما إلى نقطة أكثر انفجاراً.
أما المآل الثالث فيتجسد في الوجه المظلم للاحتمالات: انهيار التفاهمات برمتها والعودة إلى سياسة المحاور والاستقطاب الحاد، وقد ينشأ هذا السيناريو من تصاعد نوعي في المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية يخرج عن كل قواعد الاشتباك الضمنية، أو من تغير جذري في السياسة الأمريكية يعيد خلط الأوراق ويُسقط حسابات الاحتواء الإقليمي، أو من ديناميات داخلية في إحدى العواصم الكبرى تعيد إنتاج خطاب الإلغاء المتبادل، وفي هذه الحال، تذوي المساحة الوسطى التي يحاول الخليج شقها بصبر، وتعود المنطقة بسرعة مذهلة إلى حالة الاستقطاب الصلب، حيث تتقابل المحاور المتناحرة وجهاً لوجه، من دون حواجز امتصاص الصدمات التي تسعى الاستراتيجية الحالية لبنائها، إنهالسيناريو الذي يعرف الجميع كلفته، ولذلك يُعمل على تجنبه، لا حباً في السلام، بل رعباً من ثمن الفوضى التي لا تُحتمل.
الخاتمة: الشرق الأوسط بين التعايش والانفجار
في شرق أوسط أنهكته التجارب الكبرى وأفنت قواه حرائق الحروب المتعاقبة، لم يعد السؤال الاستراتيجي المركزي يُصاغ على النحو القديم: "من سينتصر في النهاية؟"، فقد ثبت أن الانتصار ذاته، في هذا الإقليم الملغوم، كثيراً ما يكون وهماً يتبدد عند أول منعطف، والسؤال الأعمق والأكثر إلحاحاً الذي بدأ يفرض نفسه بقسوة على صانع القرار، من الرياض إلى طهران، مروراً بأبوظبي والدوحة وأنقرة، هو: "كيف يمكن منع الجميع من الخسارة معاً؟"، إنه سؤال لا يصدر عن طوباوية سلام، بل عن رعب وجودي دفين من انفجار شامل لا يُبقي على رابح ولا يترك إلا الأنقاض.
فلقد استنزفت المنطقةَ الحروبُ إلى درجة جعلت كثيراً من القوى الإقليمية الفاعلة تقتنع، عن دراية مرة لا عن ترف نظري، بأن إدارة الصراع أقل كلفة من محاولة حسمه، وأن ضبط إيقاع العداوة أرخص ثمناً من إشهار السلاح المطلق في وجهها، فالموارد المتآكلة، والمجتمعات المنهكة، والاقتصادات التي تبحث عن مستقبل غير مرهون بتقلبات المعارك، كلها باتت عوامل ضاغطة تدفع نحو عقلانية مريرة تسأل عن ثمن الاستمرار لا عن ثمن الانتصار.
في هذا السياق تحديداً، لا ينبغي أن تُقرأ التحركات الخليجية تجاه إيران بوصفها إعلاناً لنهاية الخصومة أو طياً لصفحات الماضي، بل بوصفها شهادة ميلاد مرحلة جديدة عنوانها الكبير "التعايش القلق"، إنه تعايش لا يقوم على ثقة متبادلة ولا على مصالح مشتركة بالمعنى العميق، بل على إدراك متأخر أن البديل عنه أسوأ، وأن ثمن عزلة كل طرف عن الآخر صار يفوق ثمن تدبير العلاقة معه.
إنه انتقال استراتيجي هائل في بنية التفكير الإقليمي: من منطق "إسقاط الخصم" الذي هيمن على عقود الصراع، إلى منطق "تنظيم الخطر" الذي يهيمن على مرحلة النضج المرير؛ ومن وهم الانتصار النهائي الذي يغلق الملفات إلى الأبد، إلى واقعية التوازنات المتحركة التي تظل مفتوحة على كل الاحتمالات ولا تسمح لأحد بإنهاء الصراع بإرادته المنفردة، وفي عالم يتراجع فيه اليقين الاستراتيجي، وتضطرب فيه موازين القوة الدولية، وتفقد فيه الضمانات الكبرى مصداقيتها، قد يصبح الاحتواء - لا الحسم - هو الصيغة الوحيدة الممكنة لبقاء الشرق الأوسط خارج الانفجار الشامل الذي يهدد بإعادة تشكيله من الصفر.
وإذا كان للتاريخ أن يُسدي عبرةً لهذه اللحظة الفارقة، فما علينا إلا أن نستعيد ما جرى في قلب أوروبا قبل أربعة قرون، حين مزقتها حروب دينية وصراعات سلالات وإمبراطوريات متناحرة، حتى ظن الجميع أن لا مخرج إلا بإبادة الخصم، وعندئذ، وبعد ثلاثين عاماً من الخراب، جلس المنتصر والمهزوم معاً في صلح وستفاليا، لا ليعلنوا انتصار أحد على الآخر، بل ليعلنوا بصوت واحد أن ثمن الاستمرار في الحرب صار أقسى من ثمن القبول بوجود الآخر، فلقد اخترعوا يومها صيغة التعايش بين المتعادين، لا حباً في بعضهم، بل خوفاً من الفناء المشترك، ولعل الشرق الأوسط، في هذه اللحظة النادرة من تاريخه، يعيد اكتشاف تلك الحكمة القديمة: أن السلام ليس بالضرورة احتفاءً بالجار، بل قد يكون ببساطة آخر سدّ منيع قبل الهاوية.
-----------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






