16 - 05 - 2026

التعويض عن الكسب الفائت أمام القضاء المصري والسعودي

التعويض عن الكسب الفائت أمام القضاء المصري والسعودي

يُشكل تفويت الفرصة منطقة رمادية بين الضرر المحقق والضرر الاحتمالي، ولم يستقر الفقه أو القضاء على تعريف محدد ودقيق يعبر عن ضرر تفويت الفرصة يمكن من خلاله توضيح معنى هذا الضرر، بسبب الطبيعة الخاصة التي تحيط بضرر تفويت الفرصة.

ويمكن من خلال التطبيقات القضائية استنتاج تعريف عن ضرر تفويت الفرصة، حيث قضت محكمة النقض المصرية بأنه:"إذا كان الحكم قد قضى للطاعن بالتعويض على أساس أن إخلال الشركة المطعون عليها بالتزامها قد ضيع عليه فرصة كان يترقبها من وراء ظهوره والتمثيل في الأفلام المتعاقد عليها، وهي ذيوع شهرته كممثل سينمائي، فإنه يكون من غير المنتج النعي على هذا الحكم بأنه وصف هذا الضرر بأنه ضرر أدبي فحسب، في حين أن الطاعن يرى أن الوصف الحقيقي المنطبق عليه أنه ضرر مادي متى كان لم يقدم إلى محكمة الموضوع ما يدل على أن ضرراً آخر محققاً قد حاق به خلاف الضرر الذي قضي له بالتعويض من أجله ."حكم محكمة النقض المصرية 10/12/1953، السنة 5 رقم 36".

وقد تشدد الفقه الإسلامي في مسألة التعويض عن تفويت الفرصة لعموم قوله ـ صلى لله عليه وسلم ـ ''لا ضرر ولا ضرار''، وأن "الضرر يزال"، وضمان المتلفات يدخل تحت هذه القواعد دخولاً أولياً .

ودلالة هذه القواعد الشرعية والفقهية عامة حيث يندرج تحتها الأضرار الحاصلة بسبب تفويت المنافع التي انعقد سبب وجودها وتحديدًا في مسألة التعويض عن تَفْوِيتِ المَنَافِعِ المَضْمُونَةِ.

ويُشترط هنا أن يكون الإتلاف بالتسبب المكوِّن للفعل الموجب للتعويض حدث عن طريق التعدي، سواء عن طريق العمد أم الخطأ، أم لإهمال أم التقصير، وسواء أوقع من مكلف أم غير مكلف، كما يُشترط للتعويض هنا أن يكون هذا التفويت حصل نتيجة لهذا التعدي، أما إن انقطعت العلاقة بينهما فلا تعويض أيضًا، والمكلف بإثبات العلاقة هنا هو المضرور أو وليه.

وأن أساس التعويض عن الربح الفائت كقاعدة عامة يرجع إلى المسؤولية التقصيرية، والتي تقوم على الإخلال بواجب قانوني هو الالتزام بعدم الإضرار بالغير، حيث يستلزم التعويض توافر أركان المسؤولية التقصيرية والمتمثلة في الخطأ والضرر المحقق من فوات الفرصة، وعلاقة السببية بينهما.

وأقوال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في ذلك واضحة، ومن ذلك ما قرّره شيخ الإسلام ابن تيمية بوضوح في مسألة الضمان بسبب تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها، وبيّن أن الإتلاف الموجب للضمان، نوعان:

النوع الأول: إتلاف موجود.

والنوع الثاني: إتلاف معدوم، انعقد سبب وجوده، وتفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل يعوض عن الفرصة المحتملة من ضرر التفويت عن مماطلة المدين في دفع استحقاقاته مثل تأخر صرف مستحقات، ضياع فرصة ترقية؟.

والقضاء السعودي في هذه المسألة متى ما ثبت الضرر قضاءًا فأنه يتم التعويض، والتعويض هنا ليس عن تأخر السداد وإنما عن الضرر ودليل ذلك القاعدة النبوية ''لا ضرر ولا ضرار''.

وقد أرسى نظام المعاملات المدنية السعودي قواعد واضحة للتعويض عن تفويت الكسب (الربح الفائت)، ليكون جزءاً من المسؤولية المدنية عن الأضرار المادية حيث تنص المادة (137) من النظام على أن الضرر الذي يُلزم المسؤول بالتعويض عنه هو ما لحق المتضرر من خسارة وما فاته من كسب، بشرط أن يكون ذلك نتيجة طبيعية للفعل الضار.

وتوجد شواهد لذلك من التطبيقات القضائية المؤيدة من ديوان المظالم منها ما جاء في الحكم رقم 21/د/ف/12 لعام 1414هـ المؤيد بحكم هيئة التدقيق رقم 89/ت/2 لعام 1415هـ في القضية رقم 773/1/ ق لعام 1412هـ حيث قضى الحكم بأحقية المدعي في قطعة الأرض المتنازع عليها، وتعويضه عن الأضرار اللاحقة به، بما فيها تفويت منفعة السكن التي انعقدت أسباب وجودها.

ويُستشهد بهذا الحكم في قضايا العقود الإدارية والمقاولات، حيث يثبت حق المقاول في التعويض الجابر لكافة الأضرار الناتجة عن إخلال الجهة الحكومية بالتزاماتها، فالحكم القضائي السابق قرّر جواز التعويض عن الضرر الحاصل من تأخر صرف المستحقات.

أمّا تحديد تقدير التعويض يكون من اختصاص قاضي الموضوع بناءً على واقعة القضية وظروفها والملابسات المقارنة لها موضحًا في ذلك عناصر الضرر والملائمة بينها وبين تقدير التعويض بناءً على أسباب معقولة وذلك بالتركيز على توافر عناصر ضرر تفويت الفرصة من وجود ضرر محقق وفعلي ومن وجود تفويت مؤكد ونهائي للفرصة، وعلى أن يراعي أيضًا التحقق من توافر شروط التعويض عن ضرر تفويت الفرصة من حيث وقوع الفعل الضار ومن حيث توافر علاقة السببية بين الفعل الضار والضرر المحقق والفعلي في تفويت الفرصة.

والأصل في تقدير التعويض هو: أن المثل يعوَّض عنه بالمثل، والمتقوَّم يعوض عنه بالقيمة، وإذا كان هذا هو الأصل، فإن هناك صورًا تخرج عنه بحسب أنواع الأشياء التي يتقرر الحكم بالتعويض عنها .

وما ذكرناه يعتبر أمثلة، والصور كثيرة، وإذا تعذر الحكم بالمثل، وتعذر الحكم بالقيمة، فإنه يُصار إلى الحكم بالتعويض المبني على التقدير والاجتهاد. فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله: "وقدر المتلف إذا لم يمكن تحديده عُمل فيه بالاجتهاد، كما يُفعل في قدر قيمته بالاجتهاد، إذ الخرص والتقويم واحد، فإن الخرص هو الاجتهاد في معرفة مقدار الشيء ، والتقويم هو الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه ، بل يكون الخرص أسهل، وكلاهما يجوز مع الحاجة".

وقد ذكر جانب من الفقه المصري أن الفرصة ولو كانت امرًا محتملًا فإن تفويتها امرًا محقق وعلى هذا الأساس يجب التعويض عنها. "راجع السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، مصادر الالتزام، المجلد الثاني، بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، ص 987".

وقد انتهى القضاء العادي والإداري في مصر إلى أن الربح الفائت الذي يجوز التعويض عنه هو ما كان المضرور يأمل في الحصول عليه من كسب، متى كان لهذا الأمل أسباب معقولة؛ تأسيسا على أن تفويت الفرصة يعد أمراً محققا، بعكس الفرصة ذاتها والتي تعد أمراً محتملاً

أي أن فقدان الفرصة يدخل في نطاق الضرر الواجب التعويض عنه، إذا كانت الفرصة حقيقية وواقعة، فمدى الضرر يتوقف على احتمال أن يترتب على النتائج المرغوبة أو المرجوة، وهذا ما قرره ديوان المظالم السعودي في حكمه بأن: "الدائرة تراعي ما لحق بالمدعي من ضرر وما فاته من كسب محقق وليس محتمل أو مفترض، إذا التعويض الذي يحكم به، يجب أن يكون بقدر الضرر المقدر على أساس الواقع الثابت، لا على أساس افتراض أحوال مفترضة، قد تحصل وقد لا تحصل، إذا لا يكفي كون المضرور مدعي بحدوثه دون إثباته، والمدعي لم يقدم ما يثبت الأضرار المزعومة، رغم طلبها منه في جلسات متكررة ."حكم الاستئناف رقم (٨٩٣/إس/(٦) لعام ١٤٣٠ هـ جلسة 19/11/1430 هــ في القضية رقم (١/١٦٥٤/ ق) لعام ١٤٢٨هـ مجموعة الأحكام الإدارية لعام ١٤٣٠هـ، المجلد الأول، خدمة مدنية، ص ٦١٧".

كما انتهى ديوان المظالم في حكمه: "أن التعويض يكون عن تعطيل المنفعة والتفويت لها، طالما أن ذلك أمراً محققا، وأن الدائرة قد تمعنت النظر في الأوراق، وتيقنت من حدوث ضرر ناتج عن تفويت الفرصة، حيث تقول: " والدائرة وهي تمعن النظر فيما طلبه المدعي من تعويض فوضها في تحديد قيمته، لتستقرئ من مجمل الوقائع والضرر الحاصل على المدعي المتمثل في تقييد حريته، وشل حركته، ومنعه من قضاء شؤونه وشؤون أسرته، وحرمانه من حقوقه المكفولة له شرعاً ونظاماً، والقاعدة الشرعية المشتهرة أن الضرر يزال"، وإزالته هنا لا تتأتى بالقصاص، فيتعين التعويض المادي على اعتبار السجن يشبه الغصب في أمر كل منهما تعطيل للمنفعة وتفويت لها"حكم الاستئناف رقم( ٣٣ / إس / ٨) لعام ١٤٣٠هـ جلسة 14/1/1430هـ  في القضية رقم (3747/2/ق) لعام ١٤٢٨هـ مجموعة الأحكام الإدارية لعام ١٤٣٠هـ المجلد السادس، تعويض، ص ۳۰۰۸."

ولهذا يتعين أن يكون فرصة تحقيق الكسب قد فاتت بصفة مؤكدة ونهائية على المضرور مما يحرمه نهائيًا من الكسب الذي كان يتوقع تحقيقه، لأن التعويض يكون تعطيل المنفعة والتفويت لها، مما يترتب عليه ضررًا محققًا بالمضرور وهذا ما أكده ديوان المظالم السعودي في حكمه: وإذ لا مجال لجبر الضرر الناتج عن إغلاق المحل، إلا بتعويضه تعويضاً مادياً قياساً على الغصب بجامع تعطيل المنفعة وتقويتها والاستيلاء عليها في كل منهما. " حكم ديوان المظالم رقم (٤٨١ / ت / (٥) لعام ١٤٢٧هـ القضية (١/٤٢٥/ ق) مجموعة الأحكام والمبادئ الإدارية، المجلد الثالث، ص ۱۳۲۹ ".
---------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبدالرحمن
* كاتب وباحث، محام بالنقض ومستشار قانوني

مقالات اخرى للكاتب

التعويض عن الكسب الفائت أمام القضاء المصري والسعودي