16 - 05 - 2026

الإعلام والسلطة.. أزمة خطاب لا أزمة جمهور

الإعلام والسلطة.. أزمة خطاب لا أزمة جمهور

في كل مرة يظهر فيها حوار تلفزيوني يبدو مرتبًا أكثر من اللازم، ومغلقًا على نفسه أكثر من المطلوب، يدرك المشاهد سريعًا أن المسألة لم تعد نقاشًا عامًا بقدر ما هي محاولة لإعادة إنتاج خطاب فقد تأثيره في الشارع. ذلك النوع من الحوارات الذي يجلس فيه الضيف والمذيع على أرضية واحدة من القناعات والرسائل الجاهزة، لا يهدف إلى طرح أسئلة حقيقية أو الاقتراب من هموم الناس، بل يسعى إلى تمرير حالة من التعبئة السياسية المصطنعة، وكأن الجمهور مجرد متلقٍ سلبي يمكن توجيهه عبر شاشة واستوديو وإضاءة محسوبة.

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، ولا في حق أي طرف في الدفاع عن موقفه السياسي، بل في الإصرار على تجاهل حقيقة واضحة، أن الشارع المصري تغيّر، وأن المواطن الذي عاش سنوات من الأزمات الاقتصادية والضغوط اليومية لم يعد مقتنعًا بسهولة بالشعارات القديمة أو الرسائل المعلبة. الناس باتت تبحث عن نتائج، عن حياة أقل قسوة، وعن خطاب يشعرها بأن هناك من يفهم ما تعانيه بالفعل، لا من يكرر عليها عبارات محفوظة عن الإنجازات والانتصارات الوهمية.

ومن هنا تبدو الأزمة الحقيقية لبعض الكيانات السياسية التي جرى تصنيعها على عجل لتؤدي دورًا محددًا داخل المشهد. فالأحزاب التي تنشأ بقرار فوقي، وتحصل على النفوذ والدعم قبل أن تمتلك قاعدة شعبية حقيقية، غالبًا ما تتحول إلى هياكل ضخمة من الخارج لكنها هشة من الداخل. قد تملأ القاعات، وتحتكر الشاشات، وتبدو حاضرة في كل مناسبة، لكنها تظل بعيدة عن نبض الشارع، لأن السياسة في جوهرها ليست لافتات ولا مؤتمرات، بل علاقة ثقة طويلة بين الناس ومن يمثلهم.

التاريخ القريب يحمل درسًا واضحًا لا ينبغي تجاهله. فالحزب الوطني في سنواته الأخيرة امتلك كل أدوات السيطرة والنفوذ، من الإعلام إلى الإدارة المحلية إلى رجال الأعمال، ومع ذلك انهار بسرعة مذهلة عندما اصطدم بغضب الشارع في يناير 2011. لم يكن السقوط مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لانفصال السلطة السياسية عن المزاج العام، ولحالة الغرور التي جعلت البعض يظن أن السيطرة على المجال العام تعني امتلاك رضا الناس.

الأخطر من ذلك أن تكرار الأساليب القديمة يوحي بأن هناك من لم يتعلم شيئًا من التجربة. فما زال البعض يعتقد أن هندسة المشهد السياسي من أعلى يمكن أن تصنع حياة حزبية حقيقية، وأن البرامج التلفزيونية قادرة على منح الشرعية الشعبية لمن يفتقدها على الأرض. بينما الواقع يقول إن الشرعية لا تُمنح عبر الكاميرات، بل تُكتسب بالعمل السياسي الحقيقي، وبالقدرة على التعبير عن الناس لا الحديث نيابة عنهم.

لقد أصبحت الفجوة بين الخطاب الرسمي وما يشعر به المواطن واسعة إلى حد يصعب تجاهله. وكلما جرى تجاهل هذه الفجوة، ازداد الإحساس العام بأن ما يُعرض على الشاشات ليس سوى عالم موازٍ، منفصل عن الحياة اليومية بكل ما فيها من قلق وأسئلة وغضب مكتوم.

ختامًا، لا يمكن لأي سلطة أو حزب أو إعلام أن ينجح طويلًا إذا اكتفى بصناعة الصدى والاستماع إلى صوته فقط. لأن الشارع، مهما طال الصمت، يظل قادرًا على التمييز بين السياسة الحقيقية والمشهد المصنوع.
----------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

الإعلام والسلطة.. أزمة خطاب لا أزمة جمهور