من الواضح، أن حالة الأحزاب السياسية في مصر،وخارجها، أصبحت تشغل كثيراً من المراقبين المهمومين بالمستقبل السياسي، خصوصاً أولئك الذين يدركون الدور المحوري الذي تلعبه الأحزاب السياسية، كمنظمات حداثية، في ضبط الصراع الاجتماعي والسياسي، وفي تنظيم العلاقات بين مختلف القوى المتصارعة على السلطة السياسية، التي تتيح لمن يسيطر عليها اتخاذ قرارات فيما يخص توجيه الموارد والإنفاق العام. هذه القرارات، هي محور الصراع الاقتصادي الاجتماعي في أي مجتمع، وهي الشاغل الأساسي لأي حكومة تتولى الحكم وإدارة مؤسسات الدولة والشأن العام. ويتحدد نوع النظام السياسي في هذه الدولة أو تلك، بالآلية التي يُدار بها هذا الصراع، الناجم عن حقيقة انقسام المجتمعات إلى قوى اقتصادية اجتماعية تتعارض مصالحها وأولوياتها بالضرورة، والإقرار بهذا التعارض هو أمر متفق عليه بين الليبرالية والماركسية، وأن الخلاف بينهما يدور حول كيفية التعامل مع تعارض المصالح والانقسامات الاجتماعية. وتتعارض الفلسفتان مع الفلسفات والأيديولوجيا التي تتجاهل حقيقة الانقسام وتسعى لفرض تصوراتها على الواقع، بدلًا من الاستجابة لمقتضياته.
بداية، تجدر الإشارة إلى أن الأحزاب السياسية نشأت، في الأساس، كاستجابة لحقيقة أننا نعيش في مجتمعات منقسمة، وهو ما أكده كثير من علماء السياسة في المجتمعات الغربية، التي كانت أول من عرف ظاهرة الأحزاب السياسية، والتي كان لها السبق في التجربة الحزبية، التي عرفتها كثير من دول العالم، منذ مطلع القرن العشرين. هذا الانقسام ورفض وهم "تجانس المجتمع"، تناولته بقدر من التفصيل والتأصيل النظري، الكاتبة التونسية بهاء إبراهيم في مقالها في جريدة القاهرة، بتاريخ 12 مايو، والذي حذرت فيه من أن تجارب الحزب الواحد، هو تشويه لفكرة الحزب السياسي، التي لم تفترض قط فكرة التجانس، بما في ذلك تجانس الحزب ذاته. فالأحزاب تشهد انقسامات داخلية، تدفع إلى التنافس، مثلها مثل المجتمعات. وهو أمر ترفضه الأيديولوجيات الشمولية التي ترى ضرورة انصهار "الكل في واحد"، ولا تشعر، عادة، بالارتياح لحقيقة أن المجتمعات منقسمة بالضرورة، سواء كانت هذه الانقسامات اقتصادية-اجتماعية؛ أي طبقية؛ أو أيديولوجية، أو عرقية أو قومية. وينفر المؤمنون بهذه الأيديولوجيات، بشكل خاص، من فكرة الحزبية السياسية؛ أو على الأقل، يرون أن الوظيفة الأساسية للسياسة هي رأب الانقسامات الاجتماعية، بحسب شعار "تذويب الفوارق بين الطبقات"، الذي كان أحد الأفكار الأساسية للنخبة الحاكمة في مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وأحد الركائز الأساسية للحزب الواحد، وهو الاتحاد الاشتراكي العربي. فهذه الأيديولوجيات تميل إلى صهر جميع الأفراد والقوى الاجتماعية في قالب واحد، وعلى الجميع أن يتكيف مع هذا القالب المفروض قسرًا من السلطة الحاكمة.
تأميم المجال السياسي العام ومصادرته
الدراسة التي أعدها السياسي الناصري الراحل، عبد الغفار شُكر، عن تجربة "منظمة الشباب الاشتراكي" وهو أحد كوادر هذه التجربة المهمة في إعداد القيادات، في الفترة بين عامي 1963- 1976، وهو العام الذي شهد الانتقال إلى شكل من أشكال التعددية السياسية المقيدة والمدار من قبل الدولة، تفسر لنا كيف هيمنت هذه التجربة على العقل السياسي المصري في العقود التالية، وحتى منتصف العقد الأول من الألفية. ويُشير شُكر في الدراسة التي نشرها في كتاب صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عام 2004، إلى أن تجربة منظمة الشباب الاشتراكي، في تلك الفترة، زودت المجتمع المصري بجيل من الكوادر السياسية المدربة التي شغلت مواقع قيادية في الأحزاب السياسية في مرحلة التعددية الحزبية، بما في ذلك الكوادر القيادية في الحزب الوطني الديمقراطي، الحزب القائد الذي حظي بدعم الدولة ومؤسساتها، وكذلك في أحزاب المعارضة، باستثناء حزب "الوفد الجديد"، الذي تأسس في 4 فبراير 1978 كامتداد لحزب الوفد القديم، وأكد حضوره بحكم قضائي في عام 1984، بعد تجميد نشاطه بقرار من الرئيس أنور السادات. وحافظ حزب الوفد على استمراريته من خلال قواعده الاجتماعية وزعمائه التاريخيين.
صحيح أن تجربة الحزب الواحد، الاتحاد الاشتراكي العربي، وخصوصًا تجربة منظمة الشباب في تدريب الكوادر الشابة، "وفر للبلاد نخبة قيادية جديدة"، وأن هذه النخبة ساهمت في بعث الحيوية في المنظمات الجماهيرية، وفي تجديد الحياة السياسية، وفي العمل الوطني في عهد عبد الناصر، وأنها ناضلت من أجل ضمان الاستقلال الوطني، ودافعت في المرحلة التالية عن الديمقراطية والتعددية السياسية، لكنها مسؤولة أيضًا عن الوضع الذي أصبحت عليه الحياة الحزبية في مصر، بسبب عيوب تأسيسية في تكوين هذه الكوادر في تنظيم الحزب الواحد الذي اتسم بأساليب بيروقراطية أعاقت التطور السياسي. إن ما يراه الأستاذ عبد الغفار شكر كمزايا لهذه التجربة التي "لا يمكن تكرارها أو استعادتها"، هي ذاتها العيوب التي ظلت ملازمة لهذه الكوادر التي هيمنت على العمل السياسي على مدى عقود التي لا تزال مهيمنة، إما بشخوصها أو من خلال استمرارية أساليب العمل التي تعودت عليها. في مقدمة هذه العيوب أن هذه التجربة ومنتجها الرئيسي، " استفادت من إمكانيات الدولة" في عهد عبد الناصر، مما أثر على قدرة هذه القيادات على الاستقلالية، بل واعتمادها المفرط على الدعم المالي والمؤسسي الذي تتلقاه من الدولة. العيب الرئيسي الثاني، هو غلبة الطابع الشخصي على أساليب العمل التنظيمي والإداري لهذه القيادات الأمر، الأمر الذي أصر بشدة على التطور المؤسسي للأحزاب السياسية. هذه العيوب امتدت للأسف لكثير من القيادات الشابة التي قادت العمل الحزبي بعد عام 2011. هذا الغياب الشديد للبعد المؤسسي في التجربة الحزبية، مسؤول إلى حد كبير عن هذا العدد الكبير للأحزاب السياسية – أكثر من مئة حزب – واعتماد كثير من هذه الأحزاب المفرط على الدولة وأجهزتها، على النحو الذي تجلي في الانتخابات البرلمانية بعد عام 2011.
لكن المشكلة الأخطر الناجمة عن حظر الأحزاب السياسية وتجربة الحزب الواحد تتمثل في تأميم الحياة السياسية ومصادرة المجال السياسي العام وتقييده. النتيجة الأساسية المترتبة على ذلك، هي صعود الأحزاب السياسية التي تقوم على عقائد منغلقة، دينية كانت أم زمنية، والتي تأسست على الفكرة المحورية التي تأسست عليها الأحزاب الفاشية بأشكالها المختلفة، والتي ترفض الفكرة الليبرالية التي ترى أن الأحزاب السياسية، التي ارتبط ظهورها مع انتقال المجتمعات لمرحلة الحداثة، هي الآلية الرئيسية لتمثيل مصالح القوى الاجتماعية المختلفة وإدارة الانقسامات في المجتمعات، بطريقة تضمن لهذه المجتمعات الحفاظ على تماسكها وتحول دون تفككها وتمزيقها، ورأت، في المقابل، أن الوظيفة الأساسية للأحزاب هي حشد الجماهير وتعبئتها وراء شعارات أيديولوجية، وإدانة المصلحة كأساس للعمل السياسي. ويبقى السؤال عن فعالية برامج التثقيف السياسي وتدريب الكوادر الشابة في ظل غياب المجال السياسي العام والإصرار على تأميمه ومصادرته. هل يمكن أن تكون الأحزاب السياسية بحالتها الراهنة، وانقسامها بين أحزاب موالية للسلطة، وأخرى معارضة، آلية لتغيير الوضع الراهن والعمل على تحرير المجال السياسي وانفتاحه؟ وإذا توافرت هذه الإمكانية فكيف تنجز الأحزاب السياسية هذه المهمة التاريخية؟
الأحزاب السياسية وإعادة بناء المجال السياسي
ربما كان أهم الدروس المستفادة من تجربة منظمة الشباب التي أشار إليها الأستاذ شكر، رغم اعتقاده بصعوبة تكرارها، هي المزاوجة بين التكوين الفكري والتدريب القيادي للكوادر الحزبية، مع التركيز على إدماج هذه الكوادر في حركة المجتمع من خلال النشاط السياسي والجماهيري، باعتبار أن ذلك شرط ضروري للنجاح في إعداد القيادات الشابة. وأشدد هنا على البعد الخاص بالتدريب، وخصوصًا التدريب السياسي، وإعطائه الأولوية على برامج التثقيف السياسي التي أثبتت التجربة أنها لم تحدث فارقًا كبيرًا، وأدت إلى حالة من الخلط الشديد بين السياسة كحرفة، وبين السياسية كعلم، وفق تعبير عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر. فبرامج التثقيف السياسي التي تطبقها كثير من الأحزاب السياسية القائمة في مصر، أنتجت لنا منظرين ومحللين سياسيين تذخر بهم الأحزاب السياسية، تجري استضافتهم للتعليق على الأحداث والشؤون الجارية، داخلية أو خارجية، ويندر في بنائها السياسي المحترف، والمدرب على إدارة ملفات سياسية. السياسي المحترف مهمته هي تقديم حلول عملية، أي قابلة للتنفيذ، للمشكلات المختلفة، لا أن يعلق عليها، أو ينشغل بما ينبغي أن يكون عما يمكن تحقيقه، فالسياسة وفق تعريفها الأكثر شيوعًا هي "فن الممكن".
وعليه، فإن التحدي الذي تواجهه الأحزاب السياسية والممارسون السياسيون الآن، هو كيف يمكنها تغيير الوضع القائم فيما يخص بناء المجال السياسي العام؟ أذكر هنا تجربتان، من واقع احتكاكي المباشر بهما وانخراطي فيها، كان لهما تأثير في إحداث فارق في الممارسة السياسية الحزبية في مصر. التجربة الأولى، هي برنامج التدريب السياسي الذي طبق في أمانة شباب القاهرة في الحزب الوطني الديمقراطي بعد انتخابات مجلس الشعب عام 1995، والتي استمرت لعام. لا أعرف إذا كانت هذه التجربة كانت نتيجة لتوافق بين شخص الدكتور مجدي علام، أمين شباب العاصمة في حزب الحكومة، في ذلك الوقت، وبين الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية الراحل، الذي أشرف على برنامج التدريب، وكنت مساعدًا له في إعداد البرنامج وتنفيذه، أم أن البرنامج كان تجربة في سياق الاستجابة لتوصيات بتطوير الحزب الذي يقود العمل السياسي في مصر في ذلك الوقت. ما أعرفه هو أن هذه التجربة، التي حققت نتائج مذهلة في إعداد كوادر حزبية وسياسية مدربة، رغم قصر مدتها الزمنية، لم تكرر في أمانات أخرى في الحزب الوطني، أو حتى في أحزاب سياسية أخرى. التجربة الثانية هي تجربة، حكومة الظل في حزب المحافظين، بإشراف الدكتور باسل عادل، أمين السياسات في الحزب في عام 2022. وهي تجربة لم تستمر بعد خلاف بين أمين السياسات ومجموعته ورئيس الحزب حول قرار المشاركة في الحوار الوطني.
بالتأكيد هناك تجارب أخرى، تناولت بعضها بالرصد والتحليل والمشاركة في بعض أنشطتها، بتقديم خدمات استشارية وفنية، من بينها تجربة حزب الغد الليبرالي، الذي أسسه الدكتور أيمن نور، يعيش الآن في منفي اختياري منذ عام 2013، والتي كان من ثمرتها العديد من الشبان المدربين سياسيًا، الذين يشغلون الآن مواقع قيادية في كثير من الأحزاب التي تأسست أو هي قيد التأسيس بعد عام 2011. وإلى جانب ما تعرض له نور، زعيم الحزب، بعد منافسته في انتخابات الرئاسة في عام 2005، وما تعرض له الحزب من انشقاق وحصار، إلا أن هناك سببًا آخر لتعثرها مرتبط أيضا بعدم الاهتمام بفكرة مأسسة الحزب وغلبة فكرة الزعامة على العمل المؤسسي، والتي كانت سببًا في خروج العديد من الكوادر الشابة وانخراطها في العمل السياسي ضمن أطر أخرى. ومن الأسباب أيضًا التحالف الانتخابي مع حزب الحرية والعدالة، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، في انتخابات عام 2012، وعدم سعيه لبناء تحالف مع الأحزاب الليبرالية التي كانت تشكلت وخاضت الانتخابات، وعدم الالتفات إلى الأصوات المعارضة لهذه الخطوة داخل الحزب، وخارجه. قد يرى البعض أن هذا السلوك من قبل زعيم الحزب، تطبيق لقاعدة "فن الممكن"، وقد يرى آخرون أن في هذا الموقف انتهازية صريحة، لكن الحقيقة، أن هذا الموقف محصلة للمرض الأساسي الذي أصاب العمل السياسي في مصر في مقتل، وهو غياب المجال السياسي والضعف الشديد للمجتمع السياسي المترتب على الضعف الشديد للنظام الحزبي.
وعلى الرغم الأحزاب السياسية تشكل النظام الحزبي الذي يعد جانبًا مهمًا في أي نظام ديمقراطي فعّال، وعلاوة على كون التعددية الحزبية مؤشرا للديمقراطية فإنه ضرورية لكونها قنوات للتعبير عن احتياجات الناس، وأدوات يتم من خلالها تمثيل مصالحهم، وسيلة للتواصل بين الدولة والناخبين، فضلًا عن دورها في الحفاظ على استقرار الديمقراطيات، من خلال تنظيم مشاركة المواطنين ومنع الاضطرابات والعنف، إلا أن هذه الأحزاب تلعب دوراً أساسيًا في بناء المجال السياسي، كما أنها تتأثر بشدة نتيجة لغياب هذا المجال أو هشاشته المؤسسية، الذي يؤدي غالبًا إلى ما تعانيه الأحزاب السياسية من واستقطاب أيديولوجي وانقسامات تؤدي إلى تمزقها وتشرذمها وظهور كيانات حزبية ليست سوى لافتات وتختزل غالبًا في شخصية رئيس الحزب.
هناك شرطان لبناء المجال السياسي والمجتمع السياسي، أولهما شرط متعلق بالبيئة الحزبية التي تتأثر بطبيعة النظام السياسي وعلاقات القوة بين مؤسساته وأجهزته، وقبل هذا وذاك، بشكل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وهل الدولة تعبر عن هذا المجتمع وقواه المختلفة وتتشكل حكوماتها وفق محصلة تفاعلات القوى الاجتماعية وصراعاتها، والتي تترجم من خلال الانتخابات العامة كآلية لتداول السلطة والتعبير عن إرادة الناخبين، وتطبيق لمفهوم السيادة الشعبية، أم أن الدولة هي التي تهيمن على المجتمع وتعيد تشكيل القوى الاجتماعية من خلال سيطرتها على الموارد وتحكمها في مقدراته، بما ذلك قدراته التنظيمية وموارده السياسية. هذه الاعتبارات تؤثر في تشكيل البيئة التي تعمل فيها الأحزاب السياسية، والتي توصف غالبًا، بعبارة الإرادة السياسية التي تعول عليها الأحزاب السياسية في الإصلاح السياسي. لا شك في أهمية الدور الذي تلعبه الدولة ومؤسساتها والنخبة الحاكمة في عملية الإصلاح السياسي، لكن من الخطأ الاعتقاد أن هذه النخبة ستقدم على أي إجراء في هذه العملية دون ضغوط تمارس عليها، سواء كانت خارجية أم داخلية، أو نتيجة لتحديات كبيرة تواجهها في أي من البيئتين. سأتناول في مقال لاحق الإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسسية المطلوبة من أجل بناء المجال السياسي العام، وسأركز هنا على ما يمكن للأحزاب السياسية أن تفعله، كي تصبح جزءً من الحل، بدلًا من أن تكون مصدرًا للأزمة.
قد تكون الشروط الثلاثة التي أشار إليها الأستاذ عبد الغفار شُكر في دراسته، لبناء كوادر سياسية قادرة على التعامل مع الشأن السياسي العام، مقدمة لعمل جاد ومنظم من قبل الأحزاب السياسية في سبيل إصلاح المجال السياسي، وأظن أن تحقق هذه الشروط يقع على عاتق الأحزاب السياسية في المقام الأول، وأن أخذ بعضها بزمام المبادرة قد يولد ضغطًا يسمح بإعادة تشكيل البيئة الحزبية عبر سلسلة من التحالفات وعمليات الاندماج التي تقلص هذا العدد الكبير من الأحزاب إلى العدد الأمثل لأحزاب كبيرة وفعّالة. الشرط الأول، هو توفر الوعي القائم على المعرفة العلمية. وهذا الشرط يتطلب من الأحزاب أن تعيد النظر في الدور الذي تلعبه المعلومات والتحليل الدقيق للأوضاع القائمة استنادا إلى دراسات علمية منضبطة، وبالتالي يتعين عليها الاستثمار في بناء قواعد للبيانات والمعلومات وبناء وحدة للبحث والتطوير، كحد أدنى، تتولى مهمة إعداد برامج للتدريب وتشارك في عملية التخطيط الاستراتيجي والتطوير المؤسسي للحزب، ويفضل الاعتماد هنا على كوادر مؤهلة في البحوث السياسية والاجتماعية ومدربة على التحليل وتوليد المعلومات من قواعد البيانات الضخمة التي باتت متاحة بفضل ثورة الذكاء الاصطناعي.
الشرط الثاني يتعلق بتشجيع روح المبادرة الناجمة عن القدرة الحركية. هذه المسألة وثيقة الصلة بآليات التجنيد وشؤون العضوية وبناء المؤسسات القيادية في الحزب، مثل الهيئة العليا، أو اللجنة المركزية، أو المكتب السياسي، ومنح هذه القيادات مساحة من حرية الحركة والمبادرة والاستقلالية. ويتطلب تحقيق هذا الشرط، إعادة النظر في آليات العمل وآليات اتخاذ القرارات في الحزب، وقد يكون من المفيد هنا الحد من مركزية القرار والاهتمام بالتغذية المرتدة في تعزيز البناء المؤسسي للحزب. هذا الشرط مرتبط بماكينة العمل داخل الحزب التي يعاد تشكيلها باستمرار بما يستجيب للحاجات الملحة وذات الأولية في عملية بناء الحزب وتطويره مؤسسيًا، ومن شأن هذه العملية أن تسمح بتبلور الهياكل المؤسسية وبالتدريب المستمر للأعضاء ورفع كفاءاتهم التنظيمية والإدارية.
الشرط الثالث لا ينفصل عن تحقق الشرط الثاني، فالشعبية التي يتمتع بها الحزب لا تصنعها فقط العلاقة السليمة بالجماهير، ذلك أنه يتعين على الحزب أن يعمل على بناء قواعد الاجتماعية التي تعيد تعد الركيزة الأساسية في بناء قاعدته الانتخابية، وهذه عملية وثيقة الصلة بتطوير القدرات الاتصالية للحزب، وتطوير هذه القدرات هو الترجمة العملية للتطوير المؤسسي للحزب، وزيادة فعاليته وتأثيره لا يكون من خلال التفاعل مع مشكلات القطاعات المختلفة من المجتمع والتعبير عنها وتمثيلها، وإنما بقدرته على تقديم حلول عملية وامتلاك آليات لتنفيذها، والتي قد تشمل آليات للضغط على الحكومة من أجل التنفيذ، أو طرح مبادرات لتمكين الجمهور من تنفيذ هذه الحلول وحشد الموارد اللازمة. فتشجيع روح المبادرة يجب أن ينتقل من أعضاء الحزب إلى قواعده والمتعاطفين معه.
هذه الشروط قابلة لأن تتم بمبادرة من الأحزاب وقيادتها والإرادة السياسية التي تحتاجها هي إرادة هذه القيادات وإرادة الأعضاء الذين اختاروا العمل السياسي من خلال هذه الحزب أو ذلك. فقط لا بد وأن يدرك المنخرطون في العمل الحزبي بمختلف مستوياته القيادية والقاعدية والجماهيرية أن عملية التغيير مرهونة بإرادتهم وإنهم الخطوة الأولى من خلال عضويتهم وعليهم المضي قدمًا في العملية التي تتطلب جهداً نضاليًا مكثفاً والمشاركة.
---------------------------------
بقلم: أشرف راضي






