تزوجت صديقتي وهي تحمل في قلبها نية صادقة للحب والاحتواء ، كانت تعلم أن زوجها هو الابن الوحيد لأم ترملت في شبابها، رفضت الزواج بعد وفاة زوجها، وكرّست عمرها كله لتربيته .
لم تعترض الصديقة يوماً على العيش معها، بل دخلت البيت ممتنةً لتلك المرأة التي صنعت من صبرها رجلاً صالحاً ، لكنها، مع مرور الأيام، بدأت تكتشف أن وجودها في حياة زوجها ليس إضافةً جميلة، بل "اقتحاماً" غير مرحب به.
كانت الأم ترقب التفاصيل الصغيرة بعين الغيرة؛ ضحكة عفوية، جلسة هادئة، أو كلمة حنان عابرة ، أي دفءٍ ينمو بينهما كان يشعل في صدرها حريقاً خفياً، فتفتعل المشكلات، أو تنسج اتهاماتٍ باطلة، ليبقى ابنها عالقاً في منطقة رمادية مميتة بين قداسة الأمومة وحق الزوجة.
مرت السنوات.. وأثمر الزواج طفلين، لكن البيت لم يذق طعم السلام؛ كانت الخلافات تتكرر حتى غدا "الطلاق" شبحاً يزور كل شجار ، والغريب أن الزوجة كانت، بذكاء قلبها، تلتمس العذر لحماتها قائلة: "هي فقط تخشى فقدانه بعدما أفنت عمرها من أجله."
لكن الحقيقة الأعمق لم تكن الخوف من فقد "الابن"، بل كانت "الرعب من فقدان المعنى"؛ فهناك أشخاص يختزلون ذواتهم في شخص واحد، فيرون في اقتراب أي إنسان آخر منه تهديداً وجودياً ينسف كيانهم النفسي.
يقول عالم النفس الأمريكي موراي بوين في تطويره لنظرية الأنظمة العائلية.." بعض العلاقات العائلية تتحول من روابط حب صحية إلى اندماج عاطفي مرضي، يفقد فيه الأفراد قدرتهم على الفصل بين احتياجاتهم الشخصية واحتياجات من يحبون."
ولا شك أن أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تأتي متخفية في هيئة حب؛ فكم من أم لم تدرك أن غيرتها ليست حباً، بل ذعراً من الوحدة؟ وكم من أب لم يفهم أن تشبثه بأبنائه ليس حرصاً، بل هروباً من مواجهة فراغه الشخصي؟ إنهم يرون في استقلال الأبناء "خيانة عاطفية" لسنوات الحرمان السابقة.
وفي المقابل، ثمة نماذج مضيئة تؤكد أن المعضلة ليست في التضحية، بل في "السواء النفسي" لمن يضحي.
أتذكر قريبة لنا توفي زوجها وهي في الحادية والعشرين من عمرها تاركاً خلفه طفلتين في مهب الريح. رفضت الزواج، وعاشت سنواتٍ عجافاً بكل ما للكلمة من ألم ، لكنها، وبصورة مدهشة، لم تُحمّل ابنتيها يوماً ثقل ما فعلته؛ كانت تفرح لاستقلالهما، وتسعى بكل جوارحها لنجاح زواجهما، معتبرةً سعادتهما هي "الجائزة الكبرى" لرحلتها، لا "الخسارة" التي يجب تعويضها.
الفرق هنا ليس في حجم المعاناة، بل في طريقة التعامل معها؛ الشخص السوي لا يحوّل جراحه إلى قيود يطوّق بها أعناق من يحب، لأنه يدرك أن الأبناء لم يطلبوا منه إلغاء حياته، وأن الحب الناضج كما وصفه عالم النفس الألماني إريك فروم في كتابه فن الحب هو الذي يقول: "أحبك لأنني أحتاجك" بينما الحب غير الناضج يقول: "أحتاجك لأنني أحبك" (بمعنى التملك).
وهنا تكمن الحقيقة الموجعة: بعض التضحيات ليست حباً خالصاً، فقد تكون "تضحية قسرية" فرضها مجتمعٌ يخشاه المضحّي، رغم أنه في قرارة نفسه كان يريد أن يعيش حياته مع القيام بدوره، ولكنه كان يخشى سياط الاتهام بالأنانية ، فحرم نفسه من حياة كان يتمنى أن يعيشها، وفي المقابل يريد أن يحرم من ضحى لأجلهم من حياتهم المستقلة بعيداً عنه؛ وهذا بالنسبة له ليس إلا "ثمناً عادلاً" لتضحيته الضائعة.
في حين أن أعظم العطاء هو الذي لا يطالب بمقابل، ولا يجعل الأبناء يقضون أعمارهم تحت وطأة "الدين العاطفي" ، فما قيمة تضحية تجعل الإنسان يرتجف خوفاً من ممارسة حياته الطبيعية؟ وما معنى حبٍ يجعل الفرح يبدو وكأنه "فعل خيانة"؟ أحياناً لا يؤذينا الناس بالقسوة، بل بـ "الحب الخائف"؛ ذلك الحب الذي يتمسك بالآخر لدرجة الاختناق، ويخشى الفقد أكثر مما يؤمن بحتمية الرحيل والنضج.
إن التضحية الحقيقية هي التي تمنح الطرف الآخر "أجنحة" ليطير، لا "أغلالاً" تشده إلى الأرض ، ولعل أعظم ما يمكن أن يقدمه المضحّي لمن يحب، هو ألا يجعله يشعر يوماً بمرارة العطاء، وألا يضطر الابن في نهاية الرحلة لأن يتساءل بوجع: "هل كانت تضحيتكم من أجلنا حقاً.. أم كانت قيداً صاغه المجتمع وسجنتنا فيه مخاوفكم؟" إن وفاء الأبناء لا يُستجدى بالفواتير، بل يُبنى بالحرية التي منحتموها لهم وهم في ذروة حاجتكم للتمسك بهم.
-------------------------------------
بقلم: سحر الببلاوي






