15 - 05 - 2026

سؤال في أغنية (2)

سؤال في أغنية (2)

(وراح فين سؤال "لسه فاكر قلبي يديلك أمان؟، ولا فاكر كلمة ها تعيد اللي كان؟")، تعقيب على مقال "سؤال في أغنية"، المنشور في نفس الزاوية الأسبوع الماضي.

كثيرة هي الأسئلة في الأغنية العربية، قليلة هي الإجابات. ولعلي أُجزم أنك لن تجد مغني أو مغنية لم يطرح سؤالاً أو بعض أسئلة في أغانيه، الأمر الذي دعا موسيقار الأجيال؛ محمد عبدالوهاب، يسأل (قول لي عمل لك إيه قلبي؟ قلبي اللي أنت ناسيه، قولي؟ وأنت الغالي عليه)، ولو كانت بسلامتها ردت عليه وقالت له أي كلام، ولو من باب الصدقة والإحسان، وإن من قدم خير التقاه، كان صدقها المسكين، ورد عليها زي أبو الوفا في فيلم سلاَّمة، (أبوس القدم/ وأبدي الندم/ على غلطتي/ في حق الغنم)، أو قالها وعينيه مرغرغة بالدموع؛ أيوه أنا اللي غلطان يا ست هانم، لكن تقول لمين، ناس قلوبها من حجر، وناس قلوبها تدوب ولو كانت من حديد، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدة سلو قلبي (وَلَو خُلِقَت قُلوبٌ مِن حَديدٍ/ لَما حَمَلَت كَما حَمَلَ العَذابا،، وَكُنتُ إِذا سَأَلتُ القَلبَ يَوماً/ تَوَلّى الدَمعُ عَن قَلبي الجَوابا،، ... كَأَنَّ القَلبَ بَعدَهُمُ غَريبٌ/ إِذا عادَتهُ ذِكرى الأَهلِ ذابا).

وها تقول إيه، غير إن كله في الفاضي ما دام بتكلم أم النسيان، وإذا كانت تشتكي منه قيراط، فحقه يشتكي أربعة وعشرين، وهل فيه دليل أكثر من أن (العين في العين وأنت ولا دارى بحالى)، وطبعًا لازم ساعتها (الآه تبقى آهين؛ قلبى والفكر اللى جالى).

وصدق من قال (أهل الحب صحيح مساكين)، قالتها أم كلثوم وطول عمرها (تخاف م الحب وسيرة الحب، وظلم الحب لكل أصحابه)، تتعجب من منهج ناس يرون أن المحبون أولى بالظلم، والقريب من القلب دوس عليه ولا يهمك، ها ترجع تلاقيه بحطة إيدك.

واستأذنك تتأمل الاستفهام والإنكار في عنوان أغنية (أنساك)، شعر مأمون الشناوي، تلحين العبقري بليغ حمدي، وغناء كوكب الشرق أم كلثوم، الأغنية كلها رد على استفهام قاله حبيب مع نظرة عتاب؛ خلاص نسيتني؟!. فيرد الحبيب المحبوب بأغنية كاملة يعدد فيها أسباب استحالة النسيان، بداية من إنكار الاتهام، إلى الدرجة التي ينسى لها كل عذاب وجفا، لكنه لا ينسى حبه (أنساك ده كلام/ أنساك يا سلام/ أهو ده اللي مش ممكن أبدًا/ ولا أفكر فيه أبدًا/ ... ولا ليلة ولا يوم أنا ذقت النوم أيام بعدك/ كان قلبك فين؟ وحنانك فين؟/ كان فين قلبك؟/ أنا أنسى جفاك وعذابي معاك/ ما انساش حبك/ ...). 

وقبل ما تتأثر عزيزي القارئ ودموعك تسح ولا مطر طوبة وتنهنه ولا زعابيب أمشير، أفكرك بأن أم كلثوم اللي قالت الكلام الحلو ده، هي من لطش قلوب العشاق بظهر ايدها لما غنت من كلمات الشاعر عبد الوهاب محمد، (حب إيه؟)، وبدون مبالغة ولا تجني، تقمصت أم كلثوم في بعض حفلاتها دور حبيبة تمسك بخناق حبيبها وعينيها تطق شرار، وتصرخ فيه بأعلى صوت، (حـب إيه اللي انت جاي تقول عليــه/ انت عارف قبله معنى الحب إيه/ لما تتكلم عليه/ ... كنت بخلص لك في حبي بكل قلبي/ وانت بتخون الوداد مـن كل قلبــــك/ ياما طول عمري رضيت منك أسيه/ لما ذاب أملي وأنا باتمنى ودك/ كل شكوى كنت بتشوفها فعنيه/ وأنت في قربك ناسيني زي بعـــدك).

 كانت هذه الأغنية أول ما لحنه الفذ بليغ حمدي لأم كلثوم، وكان له معها قصة رواها ذات مرة في حديث تليفزيوني، قال فيها إنه حضر البروفة متأخر، وعندما سألته عن السبب، أخبرها أن سائق التاكسي تاه عن العنوان، فما كان منها إلا أن طلبت منه في هدوء أن يذهب ثاني يوم إلى معرض سيارات معين ويختار سيارة. كان بليغ يحكي وهو في بالغ التأثر، كيف قابلة أصحاب المعرض، وطلبوا منه أن يختار ما يعجبه وينصرف، فالسيارة هدية من الست.

كان بليغ في غاية الحرج، فاختار سيارة صغيرة، استلمها وراح بها البروفة ثاني يوم، فلما سمعت أم كلثوم صوته، طلبت منه يطلع لها في بلكونة الدور العلوي، وسألته: فين العربية؟، فشاور لها، ضحكت وقالت له، دي صغيرة قوي، كنت حقك طلعتها معاك.

وهكذا تبقى الأسئلة في الأغنية العربية بلا أجوبة، لا لأن أصحابها عجزوا عن الإجابة، بل لأن السؤال نفسه هو الفن، والصمت الذي يعقبه هو المساحة التي يملؤها المستمع بآلامه وذكرياته وأشواقه الخاصة.

وربما هذا ما كانت تعرفه أم كلثوم جيدًا حين منحت بليغ حمدي سيارةً مقابل لحنٍ أشعل قلوب الناس لعقود، فهي لم تشترِ موسيقى، بل اشترت سؤالًا جميلًا يظل الناس يحملونه ويبحثون له عن إجابة، كل في سره، وكل على طريقته. فالأغنية التي تنتهي بسؤال لا تموت، لأنها تعيش مرةً في فم المغني، ومرات في صدر من سمعها.
-----------------------
بقلم:
 د. محمد مصطفى الخياط
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

سؤال في أغنية (2)