استمتعت بمشاهدة مسرحية "ولاد البطة السودا" للمخرجة المبدعة عبير علي، التي أشرفت على كتابة النص المسرحي (الدراماتوج). المسرحية تنتمي للون من المسرح التجريبي يسعى للجمع بين عدة فنون في عرض مسرحي واحد تتضافر فيه فنون الحكي والغناء والرقص والحركة ومشاهد مصورة في خلفية العرض، ويقدمها في عدد من الفقرات (اسكتشات)، التي من الممكن أن تتسع لولا القيد الخاص بالمدة الزمنية المثلى للعرض المسرحي، والمحكومة أيضا بالترابط الدرامي للفكرة المحورية في العرض.
الحكايات التي تضمنها العرض المسرحي هي نذر قليل من حكايات الحياة اليومية، جرى تجميعها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومن الأخبار المنشورة في الصحف ووسائل الإعلام المختلفة ومن "حواديت" الجدات والحكايات الفلكورية مستمدة من البيوت المصرية، جرى توظيفها جميعا في العمل المسرحي، الذي انتقل الممثلون من خلال بين أسلوب التفاعل بين أبطال العرض ومخاطبة الجمهور بشكل مباشر، بحسب نوع الرسالة المراد توصيلها، وهل يقتضي توصيلها الخطاب المباشر للجمهور أم تمرير الفكرة بشكل غير مباشر.
الفكرة المحورية في العرض مستوحاة من عنوانه "ولاد البطة السودا"، وهي عبارة تعني في الثقافة الشعبية، ما يتعرض له المختلفون الأقل حظًا في الدنيا من ألوان النبذ والتعصب والكراهية، وفي مقدمتها التعصب العنصري المؤسس على لون البشرة. ووجه فريق العمل، شكر خاص للفنان والممثل ناجي شحاته، والبوستات التي ينشرها على صفحته على الفيسبوك، والذي ذكر اسمه أكثر من مرة في العرض، في تأكيد لأنه كان أحد المراجع الملهمة في بناء دراما العرض.

قابل للكسر
بالرجوع إلى صفحة الأستاذ ناجي شحاته، توقفت عن بوست له منشور بتاريخ 12 مايو. النقطة المهمة التي أثارها هي "نعمة الاختلاف" إذ يقول "من نعم الدنيا عليا أني طلعت شكلي مختلف.... اظن ده خلق فيا مقدار حساسية عالية لكل من هو مختلف ... مختلف عن العام ...مختلف عن المتفق عليه.... مختلف عن ال " norme" ... "، أي المألوف. ويشرح فيه كيف تشكل احساسه بالمختلف حين عمل في التدريس، وكيف يعامل هؤلاء المختلفون، بغض النظر عن السمة التي تميزهم عن العامة، من المحيط، الأمر الذي دفعه على الفور على مساعدة هؤلاء المختلفين على تقبل اختلافهم، والذي يرى فيه أصحاب العقليات المحدودة "شذوذا" عن القاعدة، وهي خبرة تكونت لديه من خلال مسيرة حياته، وكيف وجد من المدرسين من ساعده على عبور مراحل صعبة في حياته منذ عامه الأول في المدرسة بسبب "هشاشة عظامه". ربما كانت "هشاشة العظام" هذه سبباً لكتابة عبارة "قابل للكسر" على صناديق وضع فيها أبطال العرض في أحد مشاهده.
كان ناجي شحاته محظوظًا لأن من ساعدوه أنقذوه من الانزلاق إلى حالة الانكسار النفسي التي أوشك على الدخول فيها بسبب "قسوة الحياة". كم هي قاسية تلك الحياة خصوصًا إذا ما اقترنت بسوء الحظ، وقد لا ينقذنا من قسوتها سوى أن يطبطب البشر على بعضهم البعض أو يتكاتفوا في مواجهتها، وربما كانت الرسالة الرئيسية في العرض أن حرصنا على هذه "الطبطبة" هو ما يجعلنا جديرين بإنسانياتنا. فالتضامن هو طوق النجاة للضعفاء كي لا يستلمون للقدر وما يفرضه عليهم.

جدل الأنانية والإيثار
هذا الإحساس بالآخر وبالغير، وخصوصاً الغير المختلف، هو ما ينمي في الإنسان فكرة "الغيرية" أو "الإيثار" altruism التي تعد الأساس في التجمع الإنساني الذي كون المجتمعات. اهتمامي الشخصي بهذه النقطة تحديدًا هو ما دفعني لاستنباط معيار آخر للحكم على تقدم المجتمع أو تخلفه.. فالمجتمع المتقدم والراقي الذي تعلو فيه فكرة "الإيثار" على فكرة "الأنانية". هذا "الإيثار" هو الإبداع البشري للتغلب على "الأنانية"، وهي الصفة الأساسية للجينات، بحسب ريتشارد داوكينز، في كتابه "الجينة الأنانية"، أو هي المحرك الأساسي للصراع من أجل البقاء، أو من أجل الحياة كما يذهب برايان فورد في كتابه "الجينات والصراع من أجل الحياة". هذا الصراع هو الدافع الرئيسي للتطور بحسب العالم البريطاني تشارلز دارون.
هذه العلاقة الجدلية المعقدة بين النزوع الجيني "الأناني" لدى الكائنات الحية، ومن بينها البشر، وبين فضيلة "الإيثار" التي تعد ركيزة أساسية للارتقاء الإنساني والاجتماعي، هو الخيط الرابط للعرض المسرحي الذي يتساءل على لسان أبطاله، هل سنظل كما نحن في رفض المختلف ونبذه، أم أن نظرتنا للمختلف يمكن أن تتغير كي نصبح أكثر إنسانية وأن نبني مجتمعات أكثر عدلاً، وهو أمر لا يتوقع حدوثه دون ممارسة للتفكير النقدي والنقد الاجتماعي لكثير من القيم والأفكار التي ترسخت في مسيرة الفكر البشري شرقاً وغرباً.

التنشئة والتنمر
"التنمر" على المختلف عن الآخرين لأي سبب، سواء كان سببا سلبيا أو إيجابيا، هو السلوك الظاهر لحقيقة موقفنا من الاختلاف أو التميز، وحياتنا اليومية مليئة بعدد لا يحصى من المواقف الدالة على هذا السلوك، التي يرصدها ناجي شحاتة في بوستاته أو التي تضمنها العرض المسرحي في مقاطع (اسكتشات) تحت عناوين، مثل "الشرف"، "الطائفية"، "الجندرية" وتنميط السلوك على أساس النوع الاجتماعي، عناوين كبيرة تناولها العرض المسرحي بأسلوب سلس، وفي خلفية المشاهد العنف والحرب وما تجلبه من دمار للشعوب. وينتقد العرض آليات التنشئة الاجتماعية، من خلال الأسرة أو المدرسة، أو حتى بشكل غير مباشر من خلال تنميط لعب الأطفال كما قدم في العرض من خلال مشهد يبين كيف أزاحت لعب الأطفال المستوردة الأشكال القديمة والتقليدية للعب الأطفال التي كانت تعبر عن ثقافتنا.
"ولاد البطة السودا"، عرض مسرحي ممتع جدير بالمشاهدة وينطوي على رسائل مهمة تؤكد الدور الذي يلعبه المسرح في التغيير الثقافي والاجتماعي. والعرض ذاته متنوع وتضافرت فيه عدة فنون مسرحية، بين الحكي والتمثيل والغناء والرقص وتوظيف عناصر المسرح الأخرى، من ديكور وملابس وإضاءة، وهو ثمرة لتدريب مكثف للفريق على الموسيقى والغناء وتصميم الاستعراضات، بل وفن التمثيل الصامت (البانتومايم)، والظل وأدمج لقطات مصورة في الخلفية بشكل سلس وممتع.
--------------------------
بقلم: أشرف راضي








