14 - 05 - 2026

لماذا يقبل المصريون النقود؟

لماذا يقبل المصريون النقود؟

- اختلف الفقهاء بين جواز التقبيل وحرمته .. ورفعت آيات القرآن منها لئلا تمسها الحائض وغير المسلمين ومع ذلك بقيت العادة!

عرف المصريون وخاصة الكادحون منهم عادة تقبيل النقود، ولا يعرف إلى أي عصر تعود تلك العادة، وما الأسباب التي دفعتهم إلى تقبيلها، مما حدا بكثير  ممن لا يعلمون الأسباب التاريخية لهذه العادة إلى انتقادها بشكل شديد والدعوة إلى التنصل منها. واختلف الفقهاء في شرعية هذه العادة، واختلفت إجاباتهم تبعًا للثقافة والسياق الاجتماعي الذي ولد وتربى فيه هؤلاء العلماء وحول آليات تفسيرهم لهذه الظاهرة.

فمن هم من خارج الديار المصرية جاء جوابهم حازمًا قاطعًا بعدم جواز هذا الفعل «لا ينبغي للمسلم أن يقبل النقود ولا غيرها من أعراض الدنيا التافهة الزائلة... لما في ذلك من تعظيم المادة والانحطاط بالمسلم، فالمسلم أشرف وأعظم قدراً من أن يعظم غير الله عز  وجل وحرماته». واعتبر هؤلاء الفقهاء أن شكر النعمة يكون بصرفها في طاعة الله تعالى وفيما يرضيه سبحانه وتعالى، كما يكون بالثناء عليه باللسان وبالطاعة، فإذا أنعم الله عليك بنقود أو غيرها من النعم المادية والمعنوية فلا تستعملها فيما حرم الله، فكل ذلك من شكر نعم الله تعالى، ولم يرد عن السلف الصالح - فيما نعلم - أنهم كانوا يقبلون النقود بحجة شكر النعمة.

أما علماء أهل مصر  في دار الفتوى وفي الأزهر الشريف ممن عايشوا الشعب المصري وعرفوا عاداته وتقاليده ومقاصده فقد أجازوا المسألة ورأوا أن البائع عندما يقبّل النقود، التي يحصّلها في أول اليوم، كنوع من الشكر لله، فعل يوافق الكتاب والسنة. وأن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كان يضع أوائل الثمر حين تأتيه على فمه، ثم على عينه ويعطيها إلى أصغر طفل في المجلس، ويقول إنها حديثة عهد بربها. لافتين إلى أن عادات المصريين في تقبيل المال ليست بدعة ولا عبادة له، وإنما هي تعبير عن شكر المصريين لله ورضاهم بما قسمه لهم.

ورأي الفقهاء المصريون أن العُملة من النعم التي أنعم الله بها على عبادة، ومسألة تقبيل العيش أو الفلوس ما هي إلا نوع من الامتنان لله على ما أنعم بها  وليست بدعة وإنما اعتراف بنعم الله على عباده.

لكن كل هذا لا يجيب على سؤال عن السبب التاريخي الذي دفع المصريين إلى تقبيل النقود. وظاهر الأمر  في هذه المسألة يعود تاريخيًّا إلى ما هو مدون على هذه النقود من عبارات دينية مثل عبارة التوحيد «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» وآيات من القرآن الكريم مثل « قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» وغيرها من الآيات مما أثار حفيظة بعض الفقهاء خاصة من قراء القرآن، الذين اعتبروا رؤية اسم الله ورسوله وآيات من القرآن الكريم تساق في لغة دارجة وسوقية، أمر مستهجن كما أن هذه النقود يحملها من هم ليسوا من المسلمين ورجال على غير طهارة ونساء في وقت المحيض أو غير متطهرات.

وفي هذه الفترة ظهر  بعض الفقهاءالذين حرموا على الناس استخدام هذه النقود إلا عندما يكونون في حالة الطهارة. إلا أن بعض الفقهاء الآخرين لم يكونوا مع هذا الرأي وهم من رجح رأيهم لعقود طويلة، إلى إن انتصر الرأي الفقهي الأول وتوقفت عادة كتابة العبارات الدينية على النقود تنزيهًا لهذه العبارات.

والراجح أن هذا هو سبب تقبيل المصريين للنقود لما كان يدون عليها من آيات القرآن الكريم وعبارات التوحيد، إلا أن عادة كتابة العبارات الدينية اختفت من على النقود وبقى الناس يقبلون النقود حتى الآن من قبيل العادة دون معرفة الأسباب التي أدت إلى هذا الفعل.

وكتابة العبارات الدينية كانت شائعة على النقود الإسلامية منذ وقت مبكر، فكما ينقل المقريزي  في العهد الأول من الإسلام كانوا يستعملون النقود الفارسية الكسروية كما هي إلى أن جاء عمر بن الخطاب الذي أمر  بضرب نقود على شكل النقود الفارسية، لكنه زاد على بعضها عبارة «الحمد لله» وفي بعضها «محمّد رسول الله» ، وفي بعضها «لا إله إلا الله وحده».

ويحكي المقريزي أن عبدالملك بن مروان أرسل رسالة لملك الروم فيها قل هو الله أحد، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأغضب ذلك ملك الروم وهدد ابن مروان إن لم يتوقف عن هذا سوف يسك دنانير تسيء للنبي صلى الله عليه وسلم، مما أغضب ابن مروان وبدأ في ضرب عملة خاصة بعيدة عن عملة الروم ونقش على أحد وجهى الدرهم: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وعلى الآخر: «لا إله إلا الله» ، وطوّق الدرهم على وجهيه بطوق وكتب في الطوق الواحد «ضرب هذا الدرهم بمدينة كذا» وفي الطوق الآخر «محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون».

وحين ضرب الحجاج  بن يوسف الثقفي الدراهم البيض ونقش عليها «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، هاج القراء وعبروا عن امتعاضهم من هذا الفعل، فقالوا:  قاتل الله الحجاج، أي شيء صنع للناس!! الآن يأخذ الدرهم الجنب والحائض. وكانت الدراهم قبل منقوشة بالفارسية، فكره ناس من القراء مسّها وهم على غير طهارة وقيل لها:  المكروهة.

وقيل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: «هذه الدراهم البيض، فيها كتاب الله تعالى، يقبلها اليهودي والنصراني والجنب والحائض، فإن رأيت أن تأمر بمحوها فقال: أردت أن تحتج علينا الأمم أن غيّرنا توحيد ربنا واسم نبينا صلى الله عليه وسلّم. ورفض محو هذه العبارات من على النقود.

وفي هذا الوقت كانت مصر منذ فتحها وحتى بداية القرن الثالث الهجري تابعة لدولة الخلافة وعملتها النقدية هي نفسها التي يصدرها الخلفاء، إلى أن ضرب المعز لدين الله الفاطمي الدراهم المعزية في 358 هـ، 969م، ونقش عليه في أحد وجهيه ثلاثة أسطر، أحدها: «دعى الإمام المعز  لتوحيد الأحد الصمد» وتحته سطر فيه «ضرب هذا الدينار بمصر سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة» وفي الوجه الآخر «لا إله إلا الله، محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون على أفضل الوحيين وزير خير المرسلين».

لكن في النهاية انتصر الرأي الفقهي القائل باعتبار كتابة آيات من القرآن الكريم أو عبارات توحيد لا يليق وجودها على العملة وأصبح يكتفى بالكتابة فوق العملات اسم الحاكم وألقابه وتاريخ ارتقائه وتاريخ سك العملة والمكان الذي سكت فيه.  ومع ذلك لم تتوقف عادة المصريين في تقبيل النقود.
------------------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية

لماذا يقبل المصريون النقود؟