في ذروة التصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشتغل على مسارين آخرين لا يقلان عن الحرب جذرية: أمرٌ بفرض تعريفات جمركية شاملة بنسبة 25% على كندا والمكسيك، ورفع الرسوم على الصين إلى 20%؛ ومذكرة رئاسية تقضي بالانسحاب من ست وستين منظمة ومعاهدة دولية، تتويجًا لقطيعة بدأت منذ اليوم الأول لولايته الثانية بالخروج من منظمة الصحة العالمية، ثم اليونسكو، ثم اتفاق باريس للمناخ، وفي شهري مارس وأبريل من العام الماضي، بلغت المفارقة ذروتها: توسيع العمليات العسكرية في اليمن ضمن حملة "الفارس الخشن" بالتزامن مع تهديد إيران بـ"العصر الحجري"، ثم إعلان مفاجئ لوقف إطلاق النار في الثامن من أبريل، أعقبه تلويح بتصعيد أوسع، ثم تمديد للهدنة، ثم رفض للرد الإيراني على مقترحات السلام ووصفه بأنه "غير مقبول إطلاقًا".
ثلاثة مسارات سيادية كبرى - حرب مفتوحة على إيران، حرب تجارية على الحلفاء، قطيعة مع المنظومة متعددة الأطراف - صدرت عن قوة عظمى واحدة في توقيت متزامن، وبدا لكل منها منطقه المستقل الذي لا يتقاطع مع الآخر، وللمراقب التقليدي، المدرَّب على قراءة الاستراتيجية بوصفها فن إدارة المصالح ضمن أولويات هرمية، بدا المشهد أشبه بانهيار في غرفة القيادة: أهداف عسكرية تتبدل كل أسبوع، تهديدات تُطلق ثم يُتراجع عنها، حرب تجارية مع الأصدقاء تتزامن مع حرب عسكرية على الخصوم، وانسحاب من المنظمات الدولية بالتزامن مع انخراط عسكري هو الأوسع منذ 2003.
هذه التطورات تشير إلى أحد أننا بصدد أحد احتمالين: أن ثمة عقلًا استراتيجيًا جديدًا يعمل بمنطق لم نألفه بعد، أو أن العقل الاستراتيجي ذاته - كما عرفته واشنطن لعقود - قد تفكك إلى درجة لم يعد السؤال فيها عن "التماسك" ذا معنى. هنا بالضبط لا تعود القضية متعلقة بشخص الرئيس ولا بمزاجه ولا بتغريداته، بل تصبح القضية متعلقة بأصل الظاهرة: هل تمثل الترامبية، في ولايتيها الأولى والثانية، قطيعة نوعية مع تقاليد العقل الاستراتيجي الأمريكي - انزياحًا استثنائيًا سرعان ما تبتلعه المؤسسات بعد رحيل الرجل؟ أم أنها الثمرة الأخيرة، وربما المنطقية، لأزمة بنيوية اجتماعية واستراتيجية، كانت تنضج بصمت في جسد الدولة والمجتمع الأمريكيين قبل وصول ترامب إلى السلطة بزمن مديد؟
في هذا المقال نبحث، من خلال قراءة المشهد الراهن عن مفاتيح لفهم أعمق: مفاتيح لا تفسر ترامب بمعزل عن المجتمع الذي أنتجه، ولا تختزل الأزمة في السياسات دون أن تمس بنية الوعي الجمعي التي جعلت هذه السياسات ممكنة ومقبولة. الإشكالية المركزية التي يطرحها المشهد الراهن: هل تمثل إدارة ترامب، في ولايتيه الأولى والثانية، انحرافًا استثنائيًا عن تقاليد العقل الاستراتيجي الأمريكي، ينتهي برحيل الرجل وعودته إلى "طبيعتها" المؤسسية؟ أم أنها نتيجة عضوية - وربما حتمية - لأزمة بنيوية عميقة، اجتماعية واستراتيجية، كانت تتراكم في جسد الدولة الأمريكية قبل وصول ترامب بزمن طويل؟ وبصيغة أكثر حدة: هل "الصيغة الترامبية" في الحكم هي الاستجابة الوحيدة الممكنة لهذه الأزمة، أم أن هناك مسارات بديلة كانت ممكنة ولاتزال؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا يكفي التحليل السياسي التقليدي، نحتاج إلى إطار نظري قادر على النفاذ إلى ما تحت سطح القرارات، إلى البنية العميقة التي تُنتج هذه القرارات وتجعلها ممكنة ومقبولة لدى قطاع واسع من المجتمع، وهنا تحديدًا تكمن أهمية أطروحة الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية الراحل، في كتابه "النظام الاجتماعي والاستراتيجي الأمريكي المأزوم"، الذي صدر في عام 2013.، الذي يقدم مفاتيح تحليلية لفهم اللحظة الراهنة، عبر ثلاثة مفاهيم مركزية: النقد الاجتماعي بوصفه آلية إبستمولوجية لإعادة تعريف الحقيقة السياسية، والدوران البنيوي حيث تتحول أدوات الحل إلى جزء من المشكلة، واقتصاد المعنى حيث تغدو الاستراتيجية فعلًا تعبيريًا قبل أن تكون فعلًا توجيهيًا.
لكي نفهم ما إذا كانت إدارة ترامب انحرافًا أم نتيجة، علينا أن نبدأ من النقطة التي يبدأ منها الكتاب: النقد الاجتماعي ليس مجرد احتجاج على سياسات قائمة، بل هو طاقة مُشكِّلة للواقع السياسي، فالمجتمع الأمريكي، بما يحمله من تعددية عرقية وثقافية وطبقية، لم ينتج فقط اختلافًا في الرؤى، بل خلق توترًا مستمرًا بين "ما هو كائن" و "ما ينبغي أن يكون"، وفي العقود الأخيرة، تحول هذا التوتر إلى طاقة نقدية هائلة، قامت بتغذيتها عوامل متشابكة: تراجع الطبقة الوسطى، تآكل الوظائف الصناعية، اتساع فجوة التفاوت، وفقدان الثقة في المؤسسات.
حين يصل هذا النقد إلى عتبة معينة، يحدث تحول نوعي: لا يعود النقد يستهدف سياسات محددة، بل ينتقل إلى المساءلة الجذرية للأسس التي تقوم عليها المنظومة، وهذا ما يصفه الكتاب بـ "انتقال النقد من أداة إصلاح إلى أداة نزع للشرعية"، حيث يفقد الإطار الجامع قدرته على إنتاج معنى مشترك، وتتحول المؤسسات التي كانت وسيطًا بين المجتمع والدولة - الإعلام، النخب الأكاديمية، الأحزاب التقليدية - إلى موضع شك واتهام.
في هذا الفراغ من الشرعية، صعد ترامب، ولم يكن صعوده انحرافًا عن المسار، بل كان تعبيرًا عن هذا المسار، لقد قدَّم خطابًا لا يقوم على إصلاح النظام، بل على تفكيك أسسه: "تفكيك الدولة العميقة"، "تجفيف المستنقع"، "استعادة القوة للشعب"، كان هذا خطابًا لا يكتفي بالاعتراض على سياسات، بل يعيد تعريف الحقيقة السياسية من أساسها، وهنا نقدم مفهومًا حاسمًا لفهم هذه الظاهرة: فالنقد الاجتماعي حين يتجاوز حدود الإصلاح، يصبح آلية إبستمولوجية - أي أنه لا يكتفي بكشف التناقض، بل يعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والسلطة، ويُنتج تعريفات جديدة لما هو "خطر" وما هو "مصلحة" وما هو "أمن قومي".
فهل كان هذا المسار حتميًا؟ لا نذهب إلى القول بحتمية تاريخية صارمة، لكن الأزمة كانت بنيوية، وأن ظهور زعيم قادر على ترجمتها سياسيًا كان احتمالًا مرجحًا، فالترامبية، بهذا المعنى، ليست انحرافًا عن القاعدة، بل هي واحدة من الثمرات الممكنة - وربما الأكثر تطرفًا - لأزمة الاتساق بين المجتمع والدولة، والسؤال ليس "لماذا حدث هذا؟" بل "لماذا كان هذا قابلاً للحدوث؟"
وإذا كان المنطق السابق يفسر صعود ترامب، فإنه لا يكفي وحده لتفسير ممارسته للسلطة، وهنا ندخل إلى المفهوم الثاني الذي تقدمه الأطروحة وهو شديد الفاعلية في تفسير اللحظة الراهنة: "الدوران البنيوي"، فيصف الكتاب حالة النظام الذي يعيد إنتاج شروط أزمته كلما حاول تجاوزها؛ فالأدوات التي صُممت لمعالجة الأزمات تصبح هي نفسها جزءًا من الأزمة، لأنها تنطلق من المنطق ذاته الذي أنتجها.
وبالنظر إلى ولاية ترامب الأولى (2017-2021): لقد وصل إلى السلطة بوصفه ناقدًا للنظام، وواعدًا بتفكيكه، لكن طريقة ممارسته للحكم لم تقدم بديلاً مختلفًا، بل أعادت إنتاج سمات النظام التي انتقدها في صورة أكثر تطرفًا، واستخدم أدوات السلطة التنفيذية ذاتها - الأوامر التنفيذية، التعيينات المباشرة، الحكم عبر وسائل التواصل - ليضخم من مركزية السلطة التي كان يزعم أنه يحاربها، وهذه هي المفارقة: كل خطوة نحو "تفكيك الدولة العميقة" أنتجت شكلًا جديدًا من المركزية، وكل محاولة لاستعادة "صوت الشعب" عمّقت الاستقطاب.
ثم جاءت الولاية الثانية في يناير 2025، لتنقل هذه المفارقة إلى مستوى أكثر كثافة، ففي ولايته الأولى، كان ترامب يُفكك الاتفاقات الدولية - الانسحاب من المناخ، من اليونسكو، من النووي الإيراني - بوصفها استثناءات في مسار عام مازال يحتفظ بمنطق تفاوضي، أما في ولايته الثانية، فقد صار التفكيك هو السياسة نفسها، لا مجرد أداة فيها، مثل مسلسل الانسحابات المتلاحقة: الخروج من منظمة الصحة العالمية، ثم اليونسكو، ثم التلويح بالقطيعة مع ست وستين منظمة ومعاهدة دولية.
هذا ليس تراجعًا تكتيكيًا ولا إعادة تفاوض على الحصص والنفوذ، بل هو ما يمكن تسميته بـ"سيادة النفي": تؤكد الدولة ذاتها عبر ما ترفضه، لا عبر ما تبنيه، وكأن هويتها الاستراتيجية لم تعُد تُستمد من مشروع تشارك في صياغته، بل من قائمة الانسحابات التي تعلنها. وبالتوازي، امتد هذا المنطق إلى التجارة، حيث فُرضت تعريفات جمركية شاملة على كندا والمكسيك والصين معًا، في خطوة تمحو الحدود التقليدية بين الصديق والعدو، ليس لأنها تخدم استراتيجية اقتصادية متماسكة، بل لأنها تؤدي وظيفة رمزية بالغة الكثافة: إنتاج صورة "الزعيم القوي" الذي يفرض شروطه على الجميع، حلفاءً وخصومًا، من دون تمييز.
على الجبهة العسكرية، تكثف المشهد ذاته: ضربات في اليمن تتوسع، حرب مباشرة مع إيران تُفتح وتُعلّق وتُمدد، عملية في فنزويلا تنتهي باعتقال الرئيس مادورو مطلع 2026، وكلها تتراكم في فراغ استراتيجي مطبق، بلا تصور معلن للنظام الإقليمي الذي ستُخلّفه، وبلا إجابة عن سؤال ما بعد القوة، إنها أفعال ضخمة بلا استراتيجية جامعة، كأن الفعل ذاته هو الغاية، وكأن إدارة التناقض لم تعُد عارضًا في السياسة، بل صارت تعريفًا لها.
ما يجري ليس فوضى عشوائية، بل هو "نظام اللااتساق المزمن"، كما يمكن أن نستنبط أن النظام لم يعد يسعى إلى إخفاء تناقضاته، بل صار يدمجها في صلب اشتغاله اليومي، وهذا ليس انحرافًا مؤقتًا عن "طبيعية" مفترضة، بل هو تحول في طبيعة النظام ذاته. ولكن لماذا تستمر هذه السياسات رغم تناقضها الظاهري؟ ولماذا تلقى قبولًا لدى قطاع واسع من القاعدة الاجتماعية؟ هنا تناقش الأطروحة مفهومًا ثالثًا بالغ الأهمية: "اقتصاد المعنى"، وهو مفهوم يصف تحول القيمة من الإنتاج المادي إلى إنتاج الرموز والهويات والتجارب.
في هذا الإطار، لا تُقاس القيمة الاستراتيجية للفعل السياسي فقط بما يحققه من نتائج مادية (نمو اقتصادي، نفوذ جيوبوليتيكي، أمن قومي)، بل أيضًا - وربما أساسًا - بما ينتجه من معنى رمزي للجماعة، والتعريفة الجمركية على الصين ليست فقط أداة ضغط اقتصادي، بل هي رمز لاستعادة الكرامة في مواجهة قوة صاعدة، والانسحاب من المنظمات الدولية ليس فقط رفضًا للالتزامات، بل هو تأكيد للسيادة وتحرر من "نخب عالمية" فقدت شرعيتها، والحرب على إيران ليست فقط عملية عسكرية، بل هي عرض للقوة يستعيد للجماعة إحساسها بالقدرة على الفعل بعد عقود من الحروب غير المحسومة.
هنا نصل إلى جوهر التحول الذي يرصده الكتاب: الاستراتيجية لم تعد توجيهية، بل أصبحت تعبيرية، إنها لا تهدف إلى تحقيق أهداف محددة مسبقًا بقدر ما تهدف إلى التعبير عن حالة وجدانية جمعية، وإنتاج معنى لجماعة تشعر بأنها فقدت معناها في عالم متغير، والسياسة الخارجية تتحول إلى ساحة لتمثيل الصراعات الداخلية لا إلى مجال لإدارة العلاقات الدولية. هذا التحول يفسر لماذا تبدو القرارات غير مترابطة حين تُقاس بمعايير العقل الاستراتيجي التقليدي، لكنها شديدة الترابط حين تُقرأ بوصفها نصوصًا في مسرحية سياسية واحدة، إنها عقلانية من نوع مختلف: "عقلانية تعبيرية"، لا تسأل "ماذا سنحقق؟" بل "ماذا سنمثِّل؟" ولا تقيس النجاح بتحقق الأهداف بل بقوة التأثير الرمزي.
بعد هذا التحليل، قد نميل إلى القول بأن صعود الترامبية كان استجابة حتمية لأزمة بنيوية، لكن هذا تحديدًا ما يجب مقاومته، فالأزمة البنيوية، بطبيعتها، لا تفرض مخرجًا واحدًا، بل تفتح مجالًا لاستجابات متعددة: بعضها تصحيحي يسعى إلى احتواء التناقضات وإعادة إنتاج التوازن، وبعضها تفكيكي يُعمِّق الشرخ ويجعل منه مشروعًا للحكم، وبعضها تحويلي يحاول صياغة نموذج جديد مختلف في أسسه، وما حدث في الحالة الأمريكية هو أن النخب السياسية التقليدية فشلت، لعقود، في إنتاج استجابة تصحيحية قادرة على تضييق الفجوة بين "ما هو كائن" و "ما ينبغي أن يكون"، مما ترك الساحة شاغرة أمام الاستجابة التفكيكية التي قدَّمها ترامب، فلم تكن الترامبية إذن قدرًا محتومًا، بل كانت احتمالًا أصبح واقعًا حين تخلت النخب عن مهمتها في إعادة إنتاج الاتساق.
فهل كانت هناك مسارات بديلة ممكنة؟ تكمن الإجابة في فكرة "الاتساق بين الكائن والممكن"، فحين تتمكن الدولة من تضييق الفجوة بين ما هو كائن - واقع التفاوت والاستقطاب وتآكل الفرص - وما ينبغي أن يكون - وعد العدالة والحراك والانتماء - فإنها تنتج اتساقًا يحميها من النقد الجذري، لأنها تمنح المجتمع سببًا للثقة في قدرة النظام على إصلاح ذاته، وحين تعجز عن ذلك لعقود، كما جرى في الحالة الأمريكية، فإن النقد يتجاوز حدود الإصلاح إلى حدود نزع الشرعية، ولا يعود السؤال "كيف نُحسِّن النظام؟" بل "لماذا نثق به أصلًا؟"، وما جرى في العقود التي سبقت ترامب هو عجز متزايد عن تضييق هذه الفجوة، وليس حتمية لصعود هذا الشخص بالذات.
هذا يقودنا إلى سؤال أكثر راهنية: إذا كانت الترامبية استجابة ممكنة وليست حتمية، فهل من الممكن العودة عنها؟ أم أن "الدوران البنيوي" يجعل العودة مستحيلة؟ الإجابة، من هذا المنظور، مركبة، فمن جهة، لا يمكن العودة إلى "الوضع السابق"، لأن الوضع السابق هو الذي أنتج الأزمة، واستعادته لن تعني شيئًا سوى إعادة إنتاج شروطها، ومن جهة أخرى، فإن النظام لا يموت ببساطة؛ لإنه يتكيف، ويعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة قد تكون أكثر رسوخًا، وما بعد ترامب - إن جاء - لن يكون عودة إلى ما قبل ترامب، ولن يكون نسخة منه، بل سيكون تفاوضًا جديدًا على أسس النظام، تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع في ضوء ما كشفته الأزمة لا في ظل إنكارها.
هنا تصبح فكرة "الدوران البنيوي" التي استعرناها في هذا التحليل ذات دلالة فلسفية أوسع، فحين يدخل نظام في حالة يعيد فيها إنتاج أزماته كلما حاول تجاوزها، فإنه لا يعاني من خلل في أجزائه، بل من خلل في الطريقة التي يفكر بها في ذاته، وكما أن الفكر الفلسفي علّمنا أن بعض الأسئلة لا تُحل بإجابات جديدة، بل بإعادة صياغة السؤال نفسه، فإن المأزق الاستراتيجي الأمريكي الراهن لا يُحل بإجراءات جديدة داخل الإطار القديم، بل يتطلب إعادة تعريف الإطار ذاته: ما القوة؟ وما المصلحة؟ وما الاستراتيجية بعد أن فقدت مرجعياتها المستقرة؟
وفي شهري مارس وأبريل 2026، بلغت هذه الديناميكية حدًا لا يمكن تجاهله، حرب مع إيران تُفتح وتُعلّق وتُمدد، عمليات عسكرية في اليمن تتوسع، انسحابات من المنظمات الدولية تتراكم، حرب تجارية مع الحلفاء والخصوم معًا، وكلها تُدار بإيقاع واحد لا يفصل بين الأساسي والهامشي، ولا بين المؤقت والدائم، ولا تجمع هذه الأفعالَ رؤيةٌ استراتيجية واحدة، بل يجمعها منطق "إدارة اللااتساق"، حيث يصبح إنتاج الأزمة هو الطريقة الوحيدة لإدارتها، وحيث تتحول الاستراتيجية من أداة توجيه إلى منصة عرض.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نستسلم للسهولة التي تقول إن ما يجري هو مجرد فوضى، فهناك فرق بين الفوضى العشوائية و"نظام اللا اتساق"، فالفوضى مؤقتة بطبعها، سرعان ما تستنفد طاقتها وتتلاشى، أما "نظام اللا اتساق" فهو حالة مستقرة من عدم الاستقرار، بنية قابلة للاستمرار لا تنتظر انفراجًا، لأنها تعلمت أن تتعايش مع تناقضاتها وتستمد منها طاقتها، وما نشهده ليس انهيارًا، بل تحولًا في طبيعة النظام، حيث لم يعد السؤال "كيف ننهي الأزمة؟" بل "كيف نديرها دون أن تنهينا؟"
فهل هذه هي النهاية؟ لا.. لكنها بلا شك لحظة كاشفة، من تلك اللحظات النادرة التي تظهر فيها البنى العميقة عارية، بعد أن كانت مخفية تحت طبقات من الخطاب المؤسسي والاتساق الظاهري، وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الفهم العميق ضرورة وجودية لا ترفًا أكاديميًا، فما يُنتج السلوك الخارجي للدول ليس فقط حسابات القوة، بل البنية العميقة للوعي الجمعي، بتوتراتها الكامنة وتناقضاتها الموروثة، وإذا لم يُعاد التفاوض على هذه البنية، فإن الأزمة لن تُحل، بل ستُعاد إنتاجها بأشكال جديدة، في ولايات قادمة وبأسماء ربما مختلفة، لكن بمنطق واحد: الاستراتيجية بلا تبصر هي محض قوة عمياء، والقوة بلا معنى مشترك هي محض عرض.
------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






