في دهاليز السياسة وصناعة القرار، غالباً ما تقع الإمبراطوريات والدول المعتدية في خطأ استراتيجي قاتل: الاعتقاد بأن سيناريو عسكرياً فُرض في بقعة جغرافية معينة، يمكن استنساخه وتطبيقه بحذافيره في ساحة أخرى. هذا بالضبط ما انزلقت إليه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في مواجهتها المفتوحة مع إيران؛ فقد توهموا إمكانية تكرار "سيناريو غزة"، متجاهلين أن معادلات الجغرافيا، وتوازنات القوى، وحجم التحالفات، ترسم واقعاً لا يمكن ترويضه بمجرد الأماني.
غزة.. حرب عالمية مصغرة وخذلان ذوي القربى
لفهم حجم الخطأ في التقدير الأمريكي-الإسرائيلي تجاه إيران، يجب أولاً تفكيك ما حدث في قطاع غزة. الواقع العسكري والسياسي يخبرنا أن ما جرى في غزة لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل كان أشبه بـ "حرب عالمية" شُنت على شريط ساحلي محاصر. انقضّ الكيان الصهيوني على غزة مدعوماً بترسانة عسكرية غربية لا تنضب، وغطاء سياسي ودبلوماسي أمريكي غير مسبوق.
لقد نجحت آلة الدعاية الإسرائيلية والغربية في "تسويق" هذه الحرب عالمياً في بداياتها، وفرضت سرديتها المضللة لتبرير التوحش غير المسبوق. ولكن، النقطة المفصلية التي منحت الكيان الصهيوني التفرد بغزة لم تكن قوة جيشه فحسب، بل الخذلان العربي والإسلامي الذي طعن المقاومة في الظهر. غزة، بتكتيكاتها وصلابة رجالها، كان من الممكن أن تحيل أيام الكيان الصهيوني إلى جحيم مستعر يُنهي أسطورته للأبد، لولا أن التآمر والغدر وحصار ذوي القربى قيّد يديها. لقد تلقت غزة الخيانة كاملة؛ فبينما كانت تواجه أعتى آلات القتل، كانت تُطعن بصمت الجيران وعجزهم، وكأن الذل كُتب على هذه الأمة لتترك درعها وحيداً في مواجهة الطوفان.
اعترافات المحافظين الجدد: "الهزيمة الأكبر في التاريخ"
هذا الغرور الذي تولد من الاستفراد بغزة، قاد واشنطن وتل أبيب إلى الهاوية في إيران. ولعل الصدمة الكبرى لم تأتِ من خصوم أمريكا، بل من قلب مطبخها الفكري؛ حيث فجّر روبرت كيجان، أحد أهم منظري تيار "المحافظين الجدد" (Neocons)، قنبلة سياسية باعترافه القاطع بأن الولايات المتحدة وإسرائيل خسرتا حربهما مع إيران، وأن الأمل مفقود تماماً. أن يخرج صقر من صقور المحافظين الجدد - الذين طالما دفعوا بأمريكا نحو حروب كارثية في العراق وأفغانستان - ليصف هذا الإخفاق بأنه "قد يكون الهزيمة الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة"، فهذا يؤكد أننا أمام مأزق لم تشهده الإمبراطورية الأمريكية من قبل، وأن المسار الإسرائيلي يتجه نحو الانحدار السريع.
أوهام القوة الجوية وسقوط الأهداف الأربعة
كيف سقطت إسرائيل وأمريكا في هذا الفخ؟ الإجابة تكمن في خطأ حسابات فادح، وسوء تقدير أعمى للقدرات. لقد توهمت الإدارة الأمريكية، خضوعاً لضغوط نتنياهو والموساد، أن "القوة الجوية وحدها" قادرة على إسقاط النظام في طهران وتنصيب نظام بديل مطيع، متجاهلين دروس التاريخ التي تؤكد استحالة إسقاط دول ذات عمق حضاري وتماسك مؤسسي بالطيران فقط.
لقد دخلوا هذه الحرب بأربعة أهداف معلنة: تغيير النظام (والذي كان المفتاح للبقية)، إنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم، وقف الدعم لجبهات المقاومة (حزب الله، الحوثيون، وحماس)، وإنهاء برنامج الصواريخ بعيدة المدى. واليوم، تبخرت هذه الأهداف الأربعة تماماً، وتحطمت "نظرية النصر" التي سوّقها نتنياهو لترامب، لتجد أمريكا نفسها تستنزف مخزونها الاستراتيجي من السلاح، وتضطر لسحب دفاعاتها من آسيا - حيث خصمها الحقيقي الصين - لتغرق في رمال الشرق الأوسط.
المعادلة الإيرانية.. حيث يفشل التسويق وتحضر القوة
بناءً على نشوة الاستفراد بغزة، اعتقدت القيادة الإسرائيلية، ومن خلفها إدارة أمريكية متخبطة، أن طهران ستكون مجرد محطة تالية يمكن عزلها وضربها وإسقاط نظامها. لكن الواقع الميداني وجه صفعة قاسية لهذه الأوهام.
أولاً: الانهيار الدعائي
على عكس غزة، فشلت أمريكا وإسرائيل فشلاً ذريعاً في حشد أي تسويق دولي أو إقليمي لحربهما ضد إيران. لم يجدوا المبرر الذي يمكن بيعه للمجتمع الدولي، وبدت الحرب وكأنها مغامرة شخصية لنتنياهو لجر واشنطن إلى مستنقع بلا قاع، مما جعل التحالف الغربي متردداً ومنقسماً.
ثانياً: استراتيجية الردع وضرب الداعمين
الفارق الأكبر بين الساحتين هو تكتيك الردع. غزة، المحاصرة والمنهكة بالخيانة، اضطرت لامتصاص الضربات ومحاولة الصمود الداخلي. أما إيران، فقد قلبت الطاولة الاستراتيجية برفضها لعب دور الضحية المعزولة. لم تكتفِ طهران بالدفاع، بل طبقت استراتيجية "دفع الثمن الشامل"؛ حيث قامت بضرب كل من دعم أو تطاول أو وفر غطاءً للعدوان. الصواريخ التي دكت القواعد، والتهديد المباشر للمصالح الأمريكية وحلفائها، أوصل رسالة واضحة: أي رصاصة تُطلق نحو طهران، ستُدفع فاتورتها في كل عاصمة تورطت في القرار.
إسرائيل في العتمة: خسائر مخفية وانهيار داخلي
بينما تحاول الآلة الإعلامية الغربية التغطية على حجم الكارثة، فإن الواقع الإسرائيلي يعيش مأزقاً وجودياً. التعتيم الإعلامي الصارم لا يمكنه إخفاء حقيقة أن الصواريخ الإيرانية الدقيقة التي دكت القواعد الأمريكية، قد فعلت الأفاعيل داخل البنية التحتية والعسكرية الإسرائيلية. يترافق هذا مع تدهور اقتصادي حاد بسبب التعبئة العسكرية المستمرة بلا طائل، وعجز الجيش عن تحقيق أي انتصار حاسم ينهي حرب الاستنزاف مع فصائل المقاومة. النتيجة الحتمية لكل هذا هي ظاهرة "الهجرة العكسية" المتزايدة للإسرائيليين هرباً من حالة حرب دائمة لا تلوح لها نهاية في الأفق، مما ينذر بمستقبل قاتم للكيان بأسره.
خلاصة المشهد ثمن الغطرسة
لم تستوعب إسرائيل وأمريكا أن العالم يتغير، وأن سياسة "الاستفراد" التي نجحت في غزة بفضل خيانة المحيط الإقليمي، لا يمكن تطبيقها على دولة بحجم إيران تمتلك عمقاً استراتيجياً، وتحالفات دولية وازنة، وقدرة على نقل المعركة إلى قلب معسكر الأعداء.
لقد أثبتت الأيام أن الجيوش التي تعتمد على خيانة الآخرين لخصومها لتحقيق انتصاراتها، تنهار حتماً عندما تواجه خصماً يرفض الخضوع، ويمتلك أدوات الردع، ويجيد ضرب الأذرع قبل الرؤوس. إسرائيل وأمريكا دخلتا حرباً ظنتا أنها نزهة تسويقية جديدة، لتكتشفا أنهما أمام أكبر ورطة استراتيجية في تاريخهما الحديث، بينما تبقى غزة شاهداً أبدياً على أن الجرح الأعمق لم يأتِ من بندقية العدو، بل من خنجر الشقيق.
------------------------------------------
بقلم: عزالدين الهوارى






