13 - 05 - 2026

نقد أدبي | تحولات الوعي في ديواني احمد المريخي

نقد أدبي | تحولات الوعي في ديواني احمد المريخي

تبدو تجربة الشاعر أحمد المريخي في ديوانيه حركات مراهقين وما فعلت يدي وكأنها مسارٌ شعريٌّ كامل للتحول من الدهشة الأولى إلى الوعي المرير بالذات والعالم. فالديوانان، على الرغم من انشغالهما باليومي والعابر، يكشفان عن تطور عميق في الرؤية والبنية واللغة؛ انتقال من شاعر يكتشف العالم بحساسية المراهقة الوجودية، إلى شاعر ينظر إلى آثار الخراب متسائلًا عمّا جنت يداه.

ومن هنا تبدو العناوين نفسها مدخلًا لفهم التجربة كلها. فــ "حركات مراهقين" يختزن رؤية كاملة للعالم بوصفه تجربة أولى، مرتبكة، وحية، ومفتوحة على الاكتشاف والخسارة معًا. أما "ما فعلت يدي" فيحمل منذ البداية نبرة محاسبة واعتراف.

   في حركات مراهقين يبدو العالم قابلاً للدهشة. الشخصيات تتحرك كما لو أنها تكتشف الحياة للمرة الأولى: غازلة الصوف، وصانع الفخار، وبائع السمك، وفاتل الحبال، والطفل الذي يحب طائره. كلهم كائنات تعيش تماسًا مباشرًا مع الطبيعة والألم والعمل والحلم. الحركة هنا ليست مجرد انتقال جسدي، بل شكل من أشكال اختبار الوجود ذاته.

  في "غازلة الصوف" تتحول المرأة العجوز إلى صورة أمومية كبرى، تمنح العالم دفئه الخفي،

تهبُ الشتاءَ في كلِّ ليلٍ بُردةً

وتنامُ آمنةً

لكأنَّ يديها تنشران الشمس

اليد هنا ــ كما في معظم قصائد الديوان ـ تمنح الدفء والنور والحياة. وهي المفارقة التي ستكتسب دلالة مأساوية لاحقًا في ما فعلت يدي، حيث تتحول اليد ذاتها إلى موضع اتهام.

ينظر المريخي في هذا الديوان إلى العالم بعين مشدودة إلى الطبيعة والحرفة. الفخار، والطين، والصوف، والنخل، والسمك، والطيور، بنية رمزية كاملة. فالعالم هنا ما يزال متصلًا بالأرض، وما تزال الكائنات تعيش وفق إيقاع عضوي، حتى وإن كان الألم حاضرًا بقوة.

  في "صانع فخار" مثلًا تتحول أزمة نفاد الزيت إلى أزمة وجودية كاملة، إذ يشعر الرجل بأن العالم نفسه ينهار لأن الصنعة خانته:

"كيف بعد كلِّ هذا العمرِ

يُخبرُ التنور أنَّ النارَ أسطورة؟"

لكن القصيدة تنتهي بلحظة خلق جديدة حين تسيل الدموع فوق عجينة الفخار

"والدمعُ سال،

وبلَّـلَ عجينةَ الفَخَّار،

فدار الدولاب،

وكانت الطبيعةُ

هنا تتجلى إحدى السمات الأساسية في الديوان الأول: الألم ليس نهاية، لكنه طاقة تعيد تشكيل العالم. فالمراهقة التي يشير إليها العنوان حالة وجودية ما تزال تؤمن بإمكانية البدء من جديد، ولهذا تبدو شخصيات حركات مراهقين كائنات تتعلم الحياة عبر الخسارة. الطفل في "صاحب طائر" يكتشف الفقد حين يقص الأب جناحي الطائر كلما نما ريشه

"كان الأبُ يغافلُ الابنَ،

وكلما نما ريشُ الطائر قصَّهُ"

إنها صورة شديدة القسوة لعلاقة السلطة بالحلم، لكن القصيدة تُبقي على هشاشة البراءة، وعلى ذلك الألم الأول الذي يشبه ارتطام الكائن بالعالم للمرة الأولى.

ويظهر الحب في هذا الديوان بوصفه كتجربة جسدية ووجودية معقدة. ففي "الذاكرة" تتحول الحبيبة إلى حضور حسي كامل، محفور في تفاصيل الجسد، 

"بخارُ جسدي لما يصطادُ أنفي دفءَ فمها

في أناملي

هنا

الذاكرة هنا جسدية. الحب يترك أثره في الجلد والأنفاس واللمس، ولهذا يتحول الفقد إلى جرح مادي حقيقي.

واللافت أن هذا العالم، على هشاشته، ما يزال يمتلك شيئًا من الاتزان. حتى الشخصيات المنكسرة تحتفظ بصلتها بالطبيعة وبالحياة اليومية. ولهذا يبدو الديوان الأول، رغم أحزانه، ديوانًا يكتب العالم من الداخل، لا ضده، وهو الأمر الذي  يختلف جذريًا في ما فعلت يدي، حيث ينتقل الشاعر من الإنصات للعالم إلى الاشتباك معه. لم تعد القصيدة حكاية متماسكة عن إنسان بسيط، بل صارت شظايا من عالم يتفكك. المدينة تحل محل الطبيعة، والجدران والأسلحة والمصاعد والرصاصات تحل محل الفخار والطيور والنخيل.

العنوان نفسه يكشف هذا التحول بوضوح. فبينما كان الديوان الأول قائمًا على "الحركة"، يقوم الثاني على "الفعل" ونتيجته. لم يعد السؤال

كيف نعيش؟

بل صار

ماذا فعلنا بالعالم؟

العبارة "ما فعلت يدي" تحمل نبرة اعترافية واضحة، وكأن الشاعر يضع الإنسان كله في موضع مساءلة. اليد التي كانت تصنع الفخار وتربت على الطيور وتغزل الصوف، أصبحت الآن يدًا تحمل السكين، ولهذا تحضر اليد بكثافة في نصوص الديوان الثاني، لا باعتبارها عضوًا جسديًا، بل بوصفها رمزًا للفعل البشري كله. ففي "ساحة حرب" يقول:

"اليد التي تقوى على الهدمِ تبني!"

لكن المفارقة أن اليد نفسها تنقلب على ذاتها:

"ورفعتْ ذراعي لتهوى على أصابعي."

 العالم هنا لم يعد بريئًا، والإنسان صار شريكًا في الخراب.

  ومن هنا يختلف البناء الشعري نفسه بين الديوانين. ففي حركات مراهقين تعتمد القصائد غالبًا على بنية سردية متماسكة، تتحرك كحكايات شعرية لها بداية ونهاية وتحول درامي واضح. أما في ما فعلت يدي فتتفكك القصيدة إلى مقاطع وشظايا وصور متجاورة، كما لو أن اللغة نفسها أصابها ما أصاب العالم من تشقق.

قصيدة "ساحة حرب" تمثل ذروة هذا التفتت البنائي؛ فهي تتنقل بين الجثث والرصاص والنمل والأصابع والآباء والأبناء، دون خط سردي مستقيم. النص يتحرك مثل كاميرا مرتبكة داخل خراب شامل.

كما أن السخرية السوداء تصبح أكثر حضورًا في الديوان الثاني. ففي مقطع الرصاصات التي تتحدث عن بيعها للطبيب قبل المعاينة، تتحول الجريمة إلى مشهد عبثي:

"هذا الجثمانُ لمواطن صالح؛

إذ كيف يشتريني الطبيب وأنا، لا مؤاخذة،

مستعملة؟!"

إنها سخرية تكشف فساد العالم لتعريته بالكامل.

وإذا كان الديوان الأول مشغولًا بالفرد المهمش، فإن الثاني يبدو أكثر انشغالًا بالجماعة الجريحة. الحرب هنا ليست مجازًا فقط، بل حالة عامة يعيشها الجميع:

الناس،

المتظاهرون،

الجنود،

الأبناء،

وحتى النمل.

في قصيدة "على قيد الحياة" يتحول النمل إلى صورة جماعية للمقاومة والبقاء:

"كلما ديستْ نملةٌ بُني بيت."

ورغم القسوة الطاغية في الديوان، يظل هذا الإيمان الصغير بالتضامن الإنساني حاضرًا، كأنه آخر ما تبقى من المعنى.

كذلك تتغير صورة الأب بين الديوانين. ففي حركات مراهقين يظهر الأب غالبًا بوصفه شخصية ملتبسة لكنها ما تزال تنتمي إلى العالم الحميمي. أما في ما فعلت يدي فيصبح الأب رمزًا لجيل قديم أخفق في فهم الحياة، كما في "حصة اليوم"، حيث يخاطبه الأبناء بنبرة ساخرة وغاضبة في آن واحد.

  بل إن اللغة نفسها تتغير. لغة الديوان الأول أكثر صفاءً ورهافة، بينما تصبح في الثاني أكثر خشونة واحتكاكًا بالواقع. الصورة الشعرية أيضًا تفقد نعومتها الطبيعية لتصبح أكثر عنفًا:

الطيور تتحول إلى أهداف،

الغرف تمتلئ بالدم،

الجدران بلا نوافذ،

والرصاصات تتكلم.

في النهاية، يمكن القول إن الديوانين يشكلان معًا سيرة شعرية لتحول الوعي من البراءة إلى المحاسبة، من اكتشاف العالم إلى اكتشاف الندبة التي تركناها فيه،ولهذا يبدو ما فعلت يدي وكأنه الإجابة المرة المتأخرة عن كل "الحركات" التي امتلأ بها الديوان الأول؛ فالكائن الذي كان يركض في دهشة الحياة، عاد بعد سنوات لينظر إلى يديه ويسأل بخوف: ماذا فعلنا بكل هذا الحلم؟
------------------------
احمد رجب شلتوت