على وقع تشكل نظام عالمي جديد يحكمه منطق القوة، ولا تُحترم فيه القوانين والمؤسسات الدولية، يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع دول العالم بقانون الأقوي، إذ يعتمد على فرض إرادته عبر التهديد والوعيد والصفقات النفعية، مُتجاوزاً في كثير من الأحيان التحالفات التقليدية والمؤسسات الدولية، فهو يريد كل شيء من إيران مقابل لا شيء، ويرفض تقديم تنازلات، ويعتبر أسلوب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الخطابي خروجاً جذرياً عن الأعراف الرئاسية الأمريكية التقليدية، ويوصف بأنه غير تقليدي، مباشر، وتكراري، وغالباً ما يكون إرتجالياً بعيداً عن النصوص المكتوبة، ما يجعله مختلفاً عن خطابات من سبقوه، أحياناً تتضمن تصريحاته أوصافاً قاسية لخصومه، وهوما يراه مؤيدوه صراحة في قول الحقائق، بينما يعتبره المنتقدون همجية أو إثارة للخلافات، وقد ظهر ذلك بوضوح في وصفه لرد طهران على مقترح واشنطن لإنهاء الحرب بـ «القمامة»، معتبراً أن وقف إطلاق النار مع إيران في «غرفة الإنعاش» ولا تتجاوز احتمالية صموده نحو 1%، بعد أن ناقش ملف المفاوضات مع إيران، وأبدى عدم رضاه عن الرد المقدم من طهران، قرأت نصاً يشبه القمامة، وأعتبره من أضعف ما يكون، لم أكمل حتى قراءته وقلت: هل سأضيع وقتي على هذا؟ إنه من أضعف النصوص التي أُرسلت، طهران كانت قد وافقت على نقل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة، لكنها غيّرت موقفها لاحقاً ولم تُدرج هذا الالتزام في الرد المكتوب الذي أرسلته بعد أربعة أيام، قالوا لنا إن عليكم استلام اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، كنا سنذهب معهم، لكنهم غيّروا رأيهم لأنهم لم يكتبوا ذلك في النص، يتوصلون إلى اتفاق معنا ثم يتراجعون عنه، فيما علق مسئول إيراني على تصريحات ترامب قائلاً : لا يهمنا تصريحات الرئيس الأمريكي، فليس هناك في إيران من يضع خطة لإرضائه، وشدد على أن فريق التفاوض يضع خطة تراعي حقوق الشعب الإيراني فقط، وعندما لا يرضى عنها ترامب، فغالباً ما يكون ذلك أفضل، ترامب لا يحب الواقع بتاتاً ولهذا السبب يستمر في الخسارة أمام إيران. .
يتميز أسلوب دونالد ترامب في خطاباته وتصريحاته بكونه شعبوياً، مباشراً، وغالباً ما يستخدم لغة الشارع والتهديد والوعيد، مبتعداً عن القوالب السياسية التقليدية والدبلوماسية، ويرتكز خطابه على التلقائية، والغموض، وتوجيه انتقادات حادة للخصوم، ما يجعله رئيساً يصعب التنبؤ بخطواته، إذ توعد إيران بمواصلة العمليات العسكرية لمدة أسبوعين آخرين وضرب أهداف إضافية، وأنه لم يعلن قط انتهاء الصراع، على الرغم من وصفه طهران بأنها مهزومة عسكرياً، وأن البنى التحتية العسكرية الإيرانية قد تدهورت بشدة، ورد ترامب على سؤال هل الحرب انتهت مع إيران؟، قائلاً: ربما - لا، لم أقل ذلك، قلتُ إنهم مهزومون، لكن هذا لا يعني أن مهمتهم انتهت، بإمكاننا الاستمرار لأسبوعين إضافيين وتحقيق كل هدف، لدينا أهداف محددة كنا نرغب في تحقيقها، وقد أنجزنا ما يقارب 70% منها، لكن لدينا أهداف أخرى يُمكننا تحقيقها، العالم سيشهد ما وصفه بـ «التوهج الكبير» المنبعث من الأراضي الإيرانية، في إشارة إلى استخدام الأسلحة النووية، مهدداً إياهم بمواجهة مستويات قاسية من الألم والمعاناة في حال رفض التوقيع على اتفاق، ورغم تأكيدات البيت الأبيض بأن اتفاق وقف إطلاق النار لا يزال سارياً من الناحية النظرية، إلا أن التصريحات الرئاسية الأخيرة توحي بوجود توجهات تصعيدية قد تنهي هذا المسار الدبلوماسي الهش، وكانت الإدارة الأمريكية قد أعلنت في وقت سابق عن تنفيذ سلسلة من الضربات الجوية التي وصفتها بالدفاعية ضد أهداف عسكرية داخل إيران، بدعوى تورطها في محاولات استهداف السفن والمصالح الأمريكية في مضيق هرمز، وفي المقابل، سارعت طهران إلى إدانة هذه العمليات، معتبرة إياها خرقاً صريحاً للهدنة واعتداءً يستوجب الرد، ما زاد من تعقيد المشهد الأمني في الممرات المائية الحيوية.
كلمة ترامب، تعني في اللغة الإنجليزية بشكل أساسي "الورقة الرابحة" في ألعاب الكوتشينة، وأيضاً إلى التفوق، وتستخدم كلقب عائلة، وسياسياً، ارتبط الاسم بـدونالد ترامب، الرئيس الـ45 للولايات المتحدة، حيث تشير مجازاً إلى الشخص الذي يتفوق بذكاء أو يهزم خصومه، ولذا حذرت أوساط سياسية وحقوقية عالمية من خطورة مصطلح «التوهج الكبير» بعد أن استخدمه ترامب، الذي يريد أن يفوز بكل شئ، مؤكدة أنه يشير بوضوح إلى استخدام الأسلحة النووية أواستهداف المنشآت الحيوية والطاقة في إيران بشكل شامل، وأن هذا الخطاب يمثل تحولاً خطيراً في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتم التلويح علناً بأسلحة الدمار الشامل كأداة للضغط السياسي لتحقيق مكاسب في المفاوضات، وفي ردود الفعل، أصدر المجلس الوطني الإيراني الأمريكي بياناً شديد اللهجة، اعتبر فيه أن التهديد بجعل إيران «تتوهج» يمثل نية مبيتة لارتكاب جريمة حرب جماعية ضد أكثر من 92 مليون إنسان، ومثل هذه التصريحات لا يجب أن تمر مرور الكرام أو تصبح جزءاً من الخطاب السياسي الطبيعي، نظراً لتبعاتها الكارثية على الأمن والسلم الدوليين وحياة المدنيين الأبرياء، كما أثارت هذه التهديدات تساؤلات قانونية ودستورية داخل الولايات المتحدة حول أهلية الرئيس لإتخاذ قرارات عسكرية مصيرية قد تشعل حرباً إقليمية أو عالمية، ودعت منظمات حقوقية المجتمع الدولي والكونجرس الأمريكي إلى التعامل بجدية قصوى مع هذه التصريحات، محذرة من أن الصمت تجاهها قد يُفهم كضوء أخضر لتنفيذ هجمات مدمرة تتجاوز كافة القوانين والأعراف الدولية، والمجلس الوطني الإيراني الأمريكي هو منظمة غير ربحية ومقرها واشنطن، تمثل أكبر تجمع للمواطنين الأمريكيين من أصول إيرانية، يهدف المجلس إلى تعزيز السلام والدبلوماسية وحقوق الإنسان، ويعمل كـ "لوبي" يركز على المصالح المشتركة، ويعارض بشدة الحروب والقيود الأمريكية ضد إيران.
هذا السجال ليس الأول من نوعه، حيث سبق لترامب أن هدد في الشهر الماضي بـ محو الحضارة الإيرانية، من الوجود، وهو ما أثار حينها عاصفة من الغضب داخل أروقة الحزب الديمقراطي، وقد دفع ذلك التصعيد السابق عشرات النواب للمطالبة بتفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، والذي يسمح بعزل الرئيس في حال ثبت عدم أهليته للقيام بمهامه الرسمية، لم تبد طهران حماساً كبيراً في التعاطي بالسرعة الكافية مع مقترحات واشنطن، وقد يرجع ذلك إلى الشكوك الإيرانية في جدية الإدارة الأمريكية لطي هذا الملف، فيما أظهر ترامب نوعا من حسن النية باتخاذه بعض الخطوات للتهدئة، فما هي أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين؟
وفق ما تسرب من معلومات عن الرد الإيراني فأنه ركز على إنهاء الحرب في كل المنطقة خاصة في لبنان، وتسوية الخلافات مع واشنطن وتقديم ضمانات بعدم الاعتداء مجدداً، ورفع العقوبات عن طهران، وإنهاء الحرب في كل الجبهات، وإدارة إيران لمضيق هرمز، وضرورة إنهاء الحصار البحري على موانئ إيران فورتوقيع التفاهم الأول، وإلغاء عقوبات أوفاك المتعلقة ببيع النفط الإيراني خلال 30 يوماً، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة بالتزامن مع التفاهم الأول، وهو ما لا يلبي المطالب الأمريكية بالحصول على تعهدات بشأن البرنامج النووي، إذ لم تتعهد إيران في الرد بعدم تصنيع سلاح نووي، وتسليم مخزون اليورانيوم العالي التخصيب لواشنطن، كما تضمن الرد إنهاء القتال وبدء فتح مضيق هرمز تدريجيا تزامنا مع رفع الحصار الأمريكي، واقترحت ايران تخفيض نسبة التخصيب في جزء من اليورانيوم عالي التخصيب ونقل المتبقي إلى دولة غير أمريكا، وطلبت طهران ضمانات تكفل إعادة اليورانيوم المنقول إذا فشلت المفاوضات، وأبدت إيران استعدادها لتعليق تخصيب اليورانيوم بشرط أن يكون لفترة أقل من 20 عاماً على أن تعاود بعدها التخصيب بنسبة 3.6 % ورفض تفكيك المنشآت النووية.
ظهرت فجوات حالت دون تقارب الرؤى بين الطرف الأمريكي ونظيره الإيراني لإبرام اتفاق، نتيجة خلافات حول عدد من الملفات، أبرزها الملف النووي، واستغرق الاتفاق الأخير بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي تم التوصل إليه في عام 2015 وألغاه ترامب في عام 2018، سنوات من المفاوضات بين فرق كبيرة من الخبراء الفنيين، ونقط الخلاف حالياً تتمركز في مضيق هرمز، إذ ترى طهران أن ضرورة فرض سيطرتها عليه على الرغم من الرفض الدولي، يمنحها ورقة قوية للتفاوض مع واشنطن وفق شروطها، ويعتبر خبراء في شؤون الشرق الأوسط، أن إيران بهذه الاستراتيجية العسكرية أصبحت تملك سلاحاً أكثر فتكاً من السلاح النووي، لكن واشنطن ردت على ذلك بفرض حصار محكم على الموانئ الإيرانية، وبدورها ترى أن هذه الورقة مهمة للغاية في الضعط على إيران من أجل التوصل لاتفاق، خصوصاً أن الولايات المتحدة تعتقد أن إيران تريد صنع قنبلة نووية، وهو ما تنفيه طهران، قائلة إن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، وينصب التركيز على تخصيب اليورانيوم، الذي يولد وقودا للطاقة النووية، لكنه يمكن أن يصنع أيضا ما يضاف إلى الرؤوس الحربية، وتريد واشنطن من إيران التخلي عن التخصيب لمدة 20 عاما وتسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما ترفض طهران التي تدافع عن حقها في التخصيب، وكان أحد المطالب الأمريكية الرئيسية قبل الحرب هو أن تحد إيران من مدى صواريخها الباليستية بحيث لا تصل إلى إسرائيل، وليس من الواضح ما إذا كانت ستستمر في الإصرارعلى حد أقصى لقدرات الصواريخ في اتفاق سلام أكبر، ولطالما رفضت إيران مناقشة ملف صواريخها الباليستية، معتبرة أن من حقها إمتلاك الأسلحة التقليدية وتالياً لا يمكن أن يكون موضوعا للتفاوض، وتطالب بتعويضات عن أضرار الحرب، على الرغم من أنه لا يبدو أن هناك أي فرصة الآن لموافقة الولايات المتحدة على ذلك، وليس من الواضح ما إذا كانت ستتمسك بهذا المطلب كشرط للتوصل إلى اتفاق.
وأقول لكم، إن اعتراف مسئولين أمريكيين بأن إسرائيل أنشأت قاعدة عسكرية سرية داخل الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران، نفذت عبرها غارات جوية استهدفت قوات عراقية كانت على وشك اكتشاف الموقع في وقت مبكر من الحرب، وجرى بناء القاعدة قبل اندلاع الحرب مباشرة وبعلم الولايات المتحدة، حيث استُخدمت لإيواء قوات خاصة، وشكلت مركزاً لوجستياً لدعم عمليات سلاح الجو الإسرائيلي، ونشرت فرق بحث وإنقاذ إسرائيلية داخل القاعدة تحسبًا لاحتمال إسقاط طيارين إسرائيليين خلال العمليات، إلا أن ذلك لم يحدث، وكشف أحد المسؤولين أن إسرائيل عرضت المساعدة عندما سقطت طائرة أميركية من طراز " إف-15" قرب أصفهان، لكن القوات الأميركية تولت بنفسها عملية إنقاذ الطيارين، وتم التعرف على الموقع بعدما أبلغ راعٍى أغنام عراقي عن تحركات ونشاط عسكري غير معتاد في المنطقة، ما دفع الجيش العراقي إلى إرسال قوات للتحقيق، قبل أن تتعرض تلك القوات لضربات جوية حالت دون اقترابها من الموقع، كما أرسلت السلطات العراقية وحدتين إضافيتين من جهاز مكافحة الإرهاب، الذي لعب دوراً بارزاً في الحرب ضد تنظيم داعش، للمشاركة في عملية تفتيش المنطقة، حيث عثرت القوات على مؤشرات تدل على وجود قوات عسكرية في الموقع، ما يؤكد أن واشنطن سمحت لإسرائيل بإقامة هذه القاعدة لضرب دول عربية وأجنبية بالصواريخ والمسيرات للوقيعة بين إيران ودول الخليج، حيث كانت تعتقد هذه الدول المستهدفة أن إيران وراء هذه الهجمات.
--------------------------------------
بقلم: أحمد الشامي
[email protected]






