نعم لأول مرة. يتم تشريع قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين صادر من المجلس التشريعى وليس من الكنيسة مثل لائحة ١٩٣٨. نعم كانت اللائحة قاعدة إصدار الأحكام من المحاكم المدنية ولكن كان القرار التنفيذى فى القضايا بيد الكنيسة!!
فهل القانون الجديد (السرى) يحل هذه الإشكالية أم ماذا؟ للأسف الشديد، فالقانون تم إعداده فى الكنيسة برؤية وتصورات وأفكار وتفسيرات كنسية تعتمد فى المقام الأول على تفسير النص الانجيلى وما يسمى أقوال وآراء آباء الكنيسة الأوائل!!
وهذا يعنى أن القضية الواحدة يمكن أن تتعدد حولها الآراء بل تتناقض تلك الآراء ليس فى نطاق الكنائس مثل ما نرى فى القانون من اختلاف بين الكنائس فى قضايا أهمها قضية الطلاق، بل تعددية الآراء تتم داخل الكنيسة الواحدة. فهل هذا الوضع يتوافق مع فلسفة التشريع بشكل عام؟ فلسفة التشريع تعنى رصد المشكلة وتحديدها على أرضية ومعطيات الواقع المتغير دائما، لأنه هو حركة الإنسان وتفاعلاته مع هذا الواقع . فإذا كان الواقع متغيرا بتفاعلاته ومتغيراته، فهذا يعنى عدم الاعتماد على آراء ورؤى تاريخية كانت بنت زمانها ومكانها.
كما أن القانون الذى يحكم البشر فى حياتهم لا يصدر على أرضية فكر دينى وهو فكر بشرى قابل للصواب والخطأ، بل يتغير حسب المعطيات الحياتية للبشر.
ناهيك عن أن من يقومون بهذا فى قضايا اجتماعية وأسرية هم رهبان مفترض أنهم ماتوا عن العالم كما يقولون، ولا علاقة لهم بهذه المشكلات فلم يعيشوها ولم يحسوها .
كما أن تفسير النصوص تفسيرا حرفيا خاصة فى مثل هذه الأمور الحياتية وليست العقيدية والروحية هو تعنت فى تفسير النص، يبعده عن مجاله الروحى وهو مجال أساسي فى علاقة الإنسان بالله .
فمثلا قضية الميراث، يتكلمون عن أن المسيحية قد ساوت بين الرجل والمرأة، نعم ساوت على أرضية الخليقة الإنسانية الواحدة التى كرمها الله. والخليقة تعنى الرجل والمرأة. أما الميراث الدنيوي والمادي، فعند سؤال السيد المسيح لكى يحكم بين إخوة فى الميراث بينهما، قال ومن جعلنى حكما بينكما فى الميراث (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) وهذا يعنى أن هذه قضية السياسة وليست الدين.
كما أن الميراث بالرغم من أنه ينظمه القانون وهذا واجب ولكن فى الواقع يتم الامر بين الورثة بالتوافق. فإذا كان المسيحى يخضع لروح المسيحية فليكن باذلا نفسه من أجل الآخرين. فيمكن للأخت أن تتنازل للاخ الأكثر احتياجا والعكس صحيح. الأمثلة كثيرة ومتعددة والقضايا تخضع لرؤية ناضجة واعية تقدم مصلحة البشر الذى أرادها الله. كما أن مثل هذه القوانين تخص البشر كل البشر دون تحديد الديانة. ولذا نجد أن هناك ٦٠ مادة مشتركة بين قانون الأحوال للمسلمين والمسيحيين. كما أن تحقيق المواطنة الحقيقية تعنى أن يحكم المواطنين قانون واحد على أرضية المواطنة وليس على الأرضية الدينية. ولذا فيكون هناك قانون موحد يحكم كل المصريين. أما الجانب الدينى والعقيدى فهذه علاقة إيمانية خاصة بين الإنسان وبين الله والتزام الإنسان بالقيم والسلوكيات الدينية فهذا إيمان لا يحكمه القانون بل يحكمه الضمير الدينى، وهو أكثر التزاما من القانون . فالقانون يحكم الجميع. وفيما يخص الجوانب الدينية فهذا حق وحرية الإنسان أن يمارسها فى الاطار الدينى مسجدا وكنيسة. مع العلم أن هناك فى تونس قانون مدنى واخر دينى للمواطن الحق فى أن يحاكم بالقانون الذى يرتضيه.
ارفعوا الوصاية عن البشر التى تمارسونها بأسم الدين. عظوا أرشدوا علموا وعلى الإنسان الامتثال ولكن الحساب على الله وحده لا رجال الدين.
حمى الله مصر وشعبها العظيم.
---------------------------------------
بقلم: جمال أسعد






