10 - 05 - 2026

هل تعيد حرب إيران تشكيل الشرق الأوسط أم تفضح هشاشته؟ (تحقيق)

هل تعيد حرب إيران تشكيل الشرق الأوسط أم تفضح هشاشته؟ (تحقيق)

حين تشتعل الجغرافيا .. قد تنقل الأزمة من حرب محدودة إلى فوضى إقليمية مفتوحة
- د. أماني الطويل: "واجهة" لصراع دولي على الممرات والطاقة.. والمنطقة مقبلة على "عقد من الفوضى" لخنق روسيا والصين
- السفيرة منى عمر: نحن في زمن "إعلاء المصالح" لا المبادئ، ومنطق القوة هو من يكتب "دبلوماسية التنازلات" 
- السفير معتز أحمدين خليل: واشنطن تطلب الوساطة بعد "صدمة" الرد الإيراني.. والمنطقة مقبلة على "إدارة الأزمة" لا حلها..
- السفير حسين هريدي: نووي طهران مجرد واجهة.. والهدف إخضاع القوة الأخيرة التي تعيق إعادة تشكيل الشرق الأوسط الكبير..
- السفير رخا حسن: شبح "الخراب الشامل" يطارد الشركات الأمريكية.. وترامب مضطر لقبول "المقايضة الإيرانية".
- مصطفى الفقي يصف إيران بالكيان ويقول عن الأزمة: "زلزال كاشف" لصراعات بدأت عام 79.. وطهران في فخ "التشنج السياسي" 

في الشرق الأوسط لا تبدأ الحروب فجأة.. بل تتراكم ببطء طبقة فوق أخرى من التوتر حتى تصل إلى لحظة انفجار تبدو وكأنها مفاجئة.. بينما هي في الحقيقة نتيجة مسار طويل من الصراعات المؤجلة والتحالفات القلقة.

ما يجري اليوم ليس تصعيدا عابرا، بل اختبار مفتوح لشكل المنطقة وحدود توازنها، 

 فحين تكون إيران طرفا في المعادلة لا تبقى المواجهة محصورة.. بل تمتد عبر شبكة نفوذ معقدة تتداخل فيها حسابات الإقليم مع صراعات القوى الكبرى.

في الخلفية تتحرك إسرائيل باعتبارها طرفا يرى في التصعيد تهديدا وجوديا أو فرصة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك..  بينما توازن الولايات المتحدة بين تجنب حرب شاملة والحفاظ على نفوذها… في وقت تراقب فيه روسيا والصين المشهد كفرصة لإعادة ترتيب موازين القوة عالميا.. 

وسط هذا التشابك لا يعود السؤال.. من سينتصر؟ بل ماذا سيتبقى أصلا عندما تهدأ النيران؟

الإجابة على هذه التساؤلات المعقدة تبدأ من قراءة التاريخ والواقع معا.. وهو ما يطرحه الدكتور مصطفى الفقي.. المفكر السياسي والدبلوماسي المخضرم. 

من منظور تاريخي وفكري عميق.. يرى الدكتور مصطفى الفقي سكرتير رئيس الجمهورية للمعلومات الأسبق ان ما تشهده المنطقة اليوم ليس وليد الصدفة بل هو انفجار لبركان من التوترات الهيكلية..

و يعتبر د. الفقي أن الأحداث الراهنة تمثل رؤية كاشفة وليست منشئة.. موضحا أن المنطقة تعيش على صفيح ساخن من التوتر منذ عام 1979.. أي منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، هذا الكيان - كما يصفه الفقي - أثار قلقا مزمنا لدى قوى عديدة في مقدمتها إسرائيل وصولا إلى دول عربية لم تكن مستريحة للطموحات النووية الإيرانية ورغبتها في التمدد والسيطرة عبر أذرعها في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله… 

ويطرح د. الفقي علامة استفهام كبرى حول السلوك الإيراني الأخير.. مستغربا إقدام طهران في هذه المرحلة الحساسة على توجيه ضربات لدول خليجية عربية.. قائلا: لا أعلم بأي منطق أقدمت إيران على استهداف دول الخليج في هذا التوقيت، فالعقل السياسي يقتضي في الأزمات الكبرى تقليل الخصوم والخسائر، بينما فعلت إيران العكس تماما.. لا يوجد تفسير منطقي لهذا السلوك إلا حالة التشنج والتوتر الشديد التي تسيطر على المنطقة، والتي دفعت الأمور نحو هذا المنزلق الخطير…

لكن هذه القراءة التي تعيد جذور الأزمة إلى التاريخ.. لا تجيب وحدها على سؤال اللحظة الراهنة… فالتوتر المزمن لا يفسر بالضرورة شكل الانفجار، ولا إلى أي مدى يمكن أن يصل…

وهنا ينتقل النقاش من لماذا حدث ما حدث؟ً إلى إلى أين يمكن أن يذهب؟

في هذه النقطة تحديدا تتباين التقديرات.. فبينما يرى البعض أننا أمام لحظة قابلة للانفجار الشامل يميل آخرون إلى الاعتقاد بأن سقف التصعيد ما زال محكوما بحسابات الردع… لا الرغبة في الانتحار الجماعي.

هذه الهشاشة التي تحدث عنها الفقي.. تدفعنا للتساؤل عن حدود التصعيد.. وهنا يقدم السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية.. قراءة مغايرة تستبعد خيار الحرب الشاملة معتبرا أن المشهد الراهن يتجاوز مجرد الصدام العسكري العابر إلى كونه صراعا يعيد رسم وجه المنطقة.. وفي تحليله للموقف يستبعد السفير رخا العودة إلى خيار الحرب الشاملة، معتبرا أن استئناف القتال سيعني دمارا شاملا يطال دول الخليج والمنطقة بأسرها.

ويشير السفير إلى أن التهديدات الإيرانية كانت واضحة.. ففي حال نفذ الرئيس ترامب وعيده بضرب البنية التحتية للطاقة (كهرباء و غاز و نفط).. فإن الرد الإيراني سيستهدف الدول العربية المحيطة.. ما يعني دخول المنطقة في حالة من الخراب الشامل..

وحول التحركات الدبلوماسية.. يوضح السفير أن الحديث عن إرسال وفد أمريكي برئاسة نائب الرئيس إلى إسلام آباد يصطدم حتى الآن بعدم تأكيد إيراني للمشاركة، طالما استمر الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية. ويطرح السفير تساؤلا جوهريا.. هل تستجيب واشنطن وترفع الحصار لتمهيد الطريق للمفاوضات.. أم ستنفذ تهديدها بتدمير المنشآت إذا لم يتم التوصل لاتفاق بانتهاء موعد يحدده ترامب؟..

ويرجح السفير رخا أن يختار ترامب التهدئة ليس رغبة في السلام بذاته، بل لتجنب آثار مدمرة ستطال الشركات الأمريكية العاملة في الخليج وإفريقيا وآسيا وأوروبا نتيجة القفزة الجنونية المتوقعة في أسعار الطاقة، أضف إلى ذلك الضغوط الداخلية والاستياء في أوساط الحزب الجمهوري خشية فقدان الأغلبية في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس (مجلسي الشيوخ والنواب).. هذه العوامل قد تدفع ترامب للاستجابة لمقترح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف القائم على مبدأ خطوة بخطوة.. فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وفيما يخص دور المنظمات الدولية.. يرى السفير أن فاعليتها تتراجع أمام عقلية الرئيس ترامب الذي لا يؤمن بالالتزامات القانونية أو القواعد الدولية، مفضلا التحرك خارج أطرها.. وهنا يبرز دور "الوسطاء الأربعة" (مصر وتركيا وباكستان والسعودية) كقوة تأثير حقيقية تسعى لتقريب وجهات النظر.. ليس فقط نيابة عن مصالحها بل دفاعا عن استقرار دول الخليج والدول الصديقة المتضررة كاليابان.. والدول الإفريقية غير المنتجة للطاقة التي يهدد الصراع أمنها الاقتصادي...

وحول السيناريو الأقرب.. يعتقد السفير رخا أن المسار لابد أن ينتهي باتفاق رغم التحريض الإسرائيلي المستمر، لأن إسرائيل في النهاية طرف تابع للإرادة الأمريكية... ويكمن الحل في الوصول لنقاط وسط بشأن القضايا الشائكة.

ـ تخصيب اليورانيوم.. يمكن الوصول لحل وسط بشأن مدة التخصيب ونسبته.. بعيدا عن التعنت الأمريكي بطلب التوقف لـ 30 عاما.

ـ مصير اليورانيوم المخصب.. ثمة مقترحات لتسليم المخزون (بنسبة 60%) إلى باكستان.. أو إبقائه في إيران تحت إشراف الوكالة الدولية لاستخدامه تدريجيا في توليد الكهرباء...

ويرى السفير أن هذه الملفات قابلة للتفاوض، فانسحاب اسرائيل من جنوب لبنان قد يدفع حزب الله لتسليم سلاحه.. وكف الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران سيؤدي بالضرورة إلى تهدئة الفصائل الموالية لها في العراق.

ويختتم السفير رخا تحليله بالتأكيد على أن المبدأ الذي ينتهجه ترامب وهو "تحقيق السلام بالقوة" هو مبدأ غير مسبوق دبلوماسيا وغير واقعي مشددا على أن الضمانة الحقيقية التي تطلبها إيران هي تعهد موثق بعدم العودة لخيار الحرب من جانب واشنطن وتل أبيب.

لكن هذا الرهان على العقلانية السياسية، يظل مشروطا بافتراض أن كل الأطراف تتحرك وفق حسابات الخسارة والربح فقط، وهو افتراض لا يصمد دائما في منطقة تحكمها أيضا اعتبارات الهيبة والردع الرمزي وضغوط الداخل. 

ومن هنا تظهر قراءة أكثر تشككا في فكرة الاحتواء.. قراءة لا ترى في ما يحدث مجرد أزمة قابلة للإدارة، بل مشروعا ممتدا لإعادة تشكيل المنطقة من جذورها.

لكن وبينما يفتش البعض عن مساحات للتفاوض.. يذهب السفير حسين هريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى قراءة مغايرة وأكثر عمقا لأهداف الصراع الراهن مؤكدا أن مآلات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود الاشتباك العسكري، بل تمتد لتطال مستقبل المنطقة برمتها... ويرى هريدي أن هذه الحرب ليست مفتوحة على إيران وحدها بل هي أداة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة كليا عن ملف البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية.

ويؤكد السفير هريدي أن الغرض الأساسي من التصعيد هو "إخضاع إيران للإرادة الأمريكية والإسرائيلية".. وإزاحتها كعقبة رئيسية تقف أمام تنفيذ المخطط (الأمريكي - الصهيوني) لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط.. باعتبارها القوة الأخيرة في المنطقة التي تمتلك القدرة على عرقلة هذا المشروع بوضعها الحالي.

وحول نوايا واشنطن.. يرى هريدي أنه رغم النفي الأمريكي الرسمي، إلا أن أحد الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى هو تغيير النظام في طهران.. لكنه يوضح أن هذا التغيير لن يتبع النموذج العراقي عام 2003، بل سيقوم على "استراتيجية التدمير التدريجي والمتواصل".. عبر تزويد قوى المعارضة بالسلاح، بالتوازي مع محاولات مستمرة لاختراق مخابراتي لكافة مؤسسات الحكم بما في ذلك "الحرس الثوري" وقيادات الجيش، وهو ما يعني أننا أمام سيناريو حرب طويلة الأمد.

ويكشف السفير هريدي أن الإعداد لهذه المواجهة لا يعود للأيام القليلة الماضية، بل بدأ فعليا منذ انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي (5+1) في مايو 2018.. والذي اعتبره "نقطة البداية" في استراتيجية الإطاحة بالحكم في طهران وإجبارها على الاستسلام التام.

وفي تشخيصه لمستقبل المنطقة.. يستبعد السفير الوصول لتوازن ردع قريب.. معتبراً أن الهدف الحقيقي هو إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار أمني وسياسي مستدام، وتعد القوة العسكرية الإسرائيلية هي الأداة التنفيذية لهذا التوجه، مدعومة بمساندة أمريكية شاملة سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا بل وحتى إعلاميا…

هذه الرؤية تطرح سؤالا مقلقا.. إذا كان الهدف يتجاوز السلوك الإيراني إلى إعادة تشكيل الإقليم.. فهل نحن أمام حرب لها نهاية؟ أم أمام مسار مفتوح يعاد فيه إنتاج الصراع بأشكال مختلفة دون توقف حقيقي؟ 

رغم هذا الطرح الحاد.. لا يزال هناك من يرى أن المسار لم يغلق بالكامل أمام الدبلوماسية، وأن لحظات التصعيد القصوى.. قد تكون أحيانا هي نفسها بوابة التفاوض..

وعلى وقع هذا الطموح الأمريكي لتغيير قواعد اللعبة.. يرى السفير معتز أحمدين خليل مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقا أن المنطقة قد بلغت بالفعل ذروة التصعيد مع اندلاع المواجهة (الأمريكية الإسرائيلية) ضد إيران وما تلاها من ردود إيرانية طالت القواعد الأمريكية والبنى التحتية وصولا إلى إغلاق مضيق هرمز.. لكنه في الوقت ذاته يفتح نافذة مغايرة للاحتمالات، مؤكدا أن فرصة الجهود الدبلوماسية لا تزال قائمة خاصة وأن واشنطن فوجئت بصلابة النظام وقدرته على الرد.. 

ويضيف السفير خليل أن هذا المشهد لا يمكن فصله عن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وكذلك العدوان على فلسطين الذي لم يتوقف، بل يتفاقم في الضفة الغربية كما هو الحال في قطاع غزة.. ويؤكد أن ما ينقص لرفع مستوى المواجهة إلى مرحلة أخطر هو إقدام الولايات المتحدة على التوغل البري داخل الأراضي الإيرانية.. 

ورغم هذا التصعيد يشير السفير إلى أن فرصة الجهود الدبلوماسية ما زالت قائمة، خاصة أنها تتم بناء على طلب وتكليف من الولايات المتحدة التي فوجئت بصلابة النظام الإيراني وقدرته على الرد المؤثر إقليميا ودوليا وإن كان هذا الرد غير متكافئ نتيجة الاختلال الكبير في ميزان القوى… 

ومن جهة أخرى.. يرى أن من مصلحة إيران أيضا التوصل إلى وقف إطلاق نار أو هدنة مؤقتة تتيح لها التقاط أنفاسها وإعادة ترتيب أوضاعها بعدما لحق بها من دمار نتيجة القصف المتواصل من طرفي الصراع بوصفهما من أقوى القوى العسكرية في المنطقة والعالم. وبناء عليه يخلص إلى أن المجال سيظل مفتوحا أمام التحركات الدبلوماسية للتوصل إلى فترات متقطعة من وقف إطلاق النار، وربما بلورة أطر تفاوضية ممتدة وإن كانت دون حسم نهائي في ظل التباين العميق في مواقف الأطراف… 

ويؤكد السفير أن الحل الأمثل لوقف الحرب بصورة مستدامة وإعادة الاستقرار إلى المنطقة يتطلب معالجة شاملة لكل الملفات في وقت واحد، وفي مقدمتها ملف إسرائيل وضرورة وقف العدوان الإسرائيلي المتواصل على دول المنطقة والذي يسمح لها - بحسب تعبيره - بضرب من تشاء وقتما تشاء وأينما تشاء وهو ما لا يمكن أن يستقيم مع أي تصور للاستقرار أو التعايش الطبيعي، لأنه يبقي حالة المقاومة قائمة كاستجابة طبيعية لهذا السلوك.

كما يشدد على ضرورة أن يشمل أي حل شامل إعادة تنظيم العلاقة بين إيران والدول العربية.. وخاصة دول الخليج، بما يتضمن التوصل إلى تفاهمات واضحة تقوم على التزامات متبادلة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.. أو السعي إلى إسقاط الأنظمة، أو دعم أو تشجيع أي حركات تمرد.. 

ويصف السفير خليل هذا الإطار بأنه الحل الأمثل نظريا لإرساء الاستقرار في المنطقة.. لكنه يقر في الوقت نفسه بأن هذا الحل الجذري لا يبدو مطروحا بشكل واقعي في المرحلة الحالية، ويرجع ذلك من وجهة نظره إلى تمسك أطراف في المعسكر الغربي بهدف تغيير النظام في إيران، في مقابل تمسك إيران بسياسة الرد الشامل انطلاقًا من قناعتها بأنها تواجه تهديدًا وجوديا.. 

وبناء على ذلك يتوقع السفير خليل استمرار ما يسميه إدارة الأزمة عبر التوصل إلى فترات متقطعة من وقف إطلاق النار قد تطول أو تقصر.. مع بقاء المنطقة في حالة “لا سلم ولا حرب” على غرار فترات سابقة امتدت من يونيو 2025 إلى مارس 2026 تتخللها محاولات تصعيد جديدة أو تحركات تستهدف إسقاط النظام، يقابلها ردود إيرانية تتناسب مع حجم التهديدات، إلى أن تتبلور قناعة مشتركة بضرورة معالجة جذور الأزمة بدلًا من الاكتفاء بإدارتها… 

لكن حتى هذا السيناريو… لا يعدو كونه إدارة للأزمة لا حلا لها…وهو ما يعيد طرح المعضلة الأساسية.. هل يمكن تثبيت هدنة في صراع لم تحل أسبابه أصلا؟

وإذا كانت الدبلوماسية لا تزال تتحرك، فإن السؤال لم يعد فقط عن قدرتها بل عن طبيعتها نفسها،

هل ما زلنا أمام دبلوماسية تقليدية… أم أمام شكل جديد تحكمه موازين القوة الصلبة؟

وإذا كانت إدارة الأزمة هي المسار المتاح حاليا.. فإن السفيرة منى عمر مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق ترى أن ما نعيشه يتجاوز الصراع الميداني واصفة المشهد بـ "الزلزال الذي يضرب أركان العمل العربي المشترك ومنطق القانون الدولي"..

تستهل السفيرة رؤيتها بالإشارة إلى أن الاعتداءات المتبادلة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.. خلفت تداعيات مباشرة على "الوكلاء" الإقليميين.. فإضعاف جماعات مثل حزب الله والحوثيين قد يفتح من وجهة نظرها نافذة لإعادة الاستقرار في تلك الدول لكنها ترهن ذلك بتوقف المجازر والاعتداءات الإسرائيلية خاصة في جنوب لبنان والتي تعيد خلط الأوراق باستمرار.

وتضيف السفيرة عمر أن التصعيد الإيراني الأخير أحدث شرخا عميقا في العلاقات الإيرانية - الخليجية.. فبينما كانت المنطقة تحاول احتواء الخلافات التاريخية حول الجزر أو التوسع المذهبي جاءت الاعتداءات المباشرة لتنسف جو التضامن وتزيد من مشاعر الفرقة، ليس فقط مع دول الخليج بل مع عموم الدول العربية التي استنكرت هذا المسلك.

وعند سؤالها عن قدرة الدبلوماسية على احتواء هذا التصعيد ترسم السفيرة صورة قاتمة لمستقبل القانون الدولي مؤكدة: نحن أمام مرحلة لم يعد فيها أحد يحترم المبادئ أو القانون الدولي حيث بدأت كل دولة في إعلاء مصلحتها الوطنية الصرفة فوق أي اعتبارات أخرى.. هذا التوجه سيؤدي بالضرورة إلى إضعاف النظام الدولي والنظام العربي بصفة خاصة، مما يفقد آليات مثل جامعة الدول العربية الكثير من أهميتها وتأثيرها في المرحلة القادمة.

وتوضح السفيرة منى عمر أن الدبلوماسية نفسها لم تعد بمنأى عن منطق القوة فالتفاوض اليوم لم يعد نقاشا حول الحقوق بل أصبح انعكاسا لموازين القوى على الأرض، حيث يجبر الطرف الأضعف دائما على تقديم التنازلات الكبرى…أما عن نهاية الصراع فتميل السفيرة منى عمر إلى سيناريو المزيج المعقد، حيث تتوقع أن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل التوازنات.. بناء على فرض المصالح الوطنية لكل طرف بعيدا عن الشعارات القومية، ومرحلة من الفوضى الانتقالية.. خاصة في الدول التي أصاب التدمير أنظمتها أو أضعف قواها الرئيسية.. ففي إيران يواجه النظام السياسي والاقتصادي ضغوطا داخلية وهيكلية حادة... أما في لبنان فترى السفيرة أن انهيار حزب الله باعتباره كان قوة مؤثرة سيخلق فراغا يؤدي بالضرورة إلى حالة من الفوضى وظهور محاور قوى جديدة قبل أن تستقر الأمور في نهاية المطاف على واقع مغاير تماما لما سبق.

ورغم هذا التفاؤل الحذر بالاستقرار بعيد المدى ترفض السفيرة فرضية تقسيم الدول العربية كحل حتمي مؤكدة أن دولا مثل مصر عصية تماما على مثل هذه السيناريوهات، وحتى في حالة لبنان فإن الانقسام بين الشمال والجنوب لن ينهي فكرة لبنان الواحد.. بل قد يدفع الدولة في النهاية نحو قدر من التماسك والوحدة بعد زوال مسببات الانقسام الحالي…

في هذا السياق.. يبدو أن المنطقة لا تعيش فقط صراعا عسكريا، بل تحولا أعمق في قواعد اللعبة ذاتها…

حيث تتراجع المفاهيم القديمة لصالح واقع أكثر سيولة وأقل قابلية للتنبؤ..

غير أن الاكتفاء بقراءة الصراع داخل حدوده الإقليمية قد يكون مضللا، فالمشهد في جوهره يتقاطع مع تحولات أوسع، تتجاوز الشرق الأوسط إلى بنية النظام الدولي نفسه.

هذا الزلزال الذي ضرب أركان المنطقة لا تتوقف ارتداداته عند الحدود العربية بل تمتد لتلامس موازين القوى العالمية، وهنا تنقلنا الدكتورة أماني الطويل الباحثة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية من الحسابات الإقليمية الضيقة إلى فضاء التنافس العالمي معتبرة أن ما يحدث فوق رمال الشرق الأوسط تحركه طموحات العواصم الكبرى.

ترى الدكتورة أماني أن أهداف الحرب المرتبطة بإيران تتجاوز مجرد إعادة توزيع الأدوار إقليميا.. إذ تربطها بشكل مباشر بالصراع الدولي بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، فالمستهدف الحقيقي حسب قراءتها هو السيطرة على الممرات البحرية ومنابع الطاقة، خاصة وأن إيران تمتلك ثالث أكبر احتياطي نفطي عالمي وتتحكم في مضائق حيوية. 

وتضيف الطويل أن التحرك الأمريكي وإن بدا ملبيا لطموحات إسرائيل القيادية في المنطقة، إلا أنه يخدم استراتيجية واشنطن الكبرى في محاصرة الصين.. عبر التحكم في إمدادات الطاقة وتطويق مشروع الحزام والطريق الذي يراه الغرب مشروع هيمنة صيني. وكذلك خنق روسيا من الجنوب.. حيث أن إضعاف إيران سينعكس مباشرة على نفوذ موسكو في محور بحر قزوين.. ويمنح واشنطن أوراق ضغط إضافية في صراعها الوجودي مع روسيا.

وتحذر الدكتورة أماني من تمدد هذا المشروع ليصل إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.. حيث تسعى الاستراتيجية الأمريكية - الإسرائيلية إلى تطويق البحر الأحمر من جنوبه وشماله مما يضع الدول المشاطئة وعلى رأسها الدول العربية أمام تحديات حقيقية تمس وزنها الجيوسياسي وقدرتها على حماية مصالحها في العمق الأفريقي.

وعن مستقبل هذا الصراع.. لا تتوقع الدكتورة أماني احتواء سريعا، بل ترسم جدولا زمنيا يمتد لعقد من الزمان على أقل تقدير قائلة: نحن أمام حالة صراع ممتدة لعشر سنوات على الأقل.. حتى تتبلور ملامح الخرائط الجديدة.. ما نراه اليوم هو إزاحات جيوسياسية وتغيير في الأوزان الإقليمية لكن الأثر الاستراتيجي الأعمق سيظهر لاحقا في شكل الاستجابة الروسية والصينية لهذه التحركات.. فهما واعيان تماما أن الهدف النهائي هو تقويض نفوذهما العالمي..

بهذه القراءة لا تعود الحرب مجرد نزاع إقليمي… بل تتحول إلى ساحة اختبار لإعادة توزيع النفوذ عالميا… وهو ما يفسر لماذا تبدو نهايتها بعيدة أو مؤجلة.

بين كل هذه القراءات… لا يبدو أن هناك إجابة واحدة قاطعة، بل شبكة من الاحتمالات المتداخلة، كل منها يعكس زاوية من مشهد أكثر تعقيدا مما يبدو. 

ربما لا تكون المشكلة في أن هذه الحروب لا تنتهي، بل في أنها لا تحسم… تترك خلفها واقعا هشا قابلا للاشتعال في أي لحظة.

وكأن المنطقة لا تغادر الحرب، بل تغير شكلها فقط… وفي هذه المسافة بين نهاية مؤجلة وبداية مستمرة.. 

يظل السؤال مفتوحا.. هل ما نشهده الآن هو ذروة الصراع، أم مجرد فصل جديد منه؟
------------------------------------
تحقيق: مادونا شوقي
من
المشهد الأسبوعية

هل تعيد حرب إيران تشكيل الشرق الأوسط أم تفضح هشاشته