لا تنزعج من السؤال، ولا تتصور أنه طرح انفعالي، أو تحيز لا عقلاني، الحقيقة أن مجريات الحوادث، وتطورات الأحداث، جعلت السؤال "هل يمكن ضرب إيران؟" متأخرًا عن السؤال الأهم والأخطر: هل يستطيع العالم تحمل ما قد يحدث إذا اقتنعت طهران أن هذه حربها الأخيرة؟
هذا هو السؤال الخطر الذي يقف الآن خلف كل حديث عن تجديد المواجهة مع إيران.
القضية لم تعد تتعلق بميزان القوة العسكرية المجرد، ولا بحجم الدمار الذي يمكن أن تُحدثه الضربات الجوية والصاروخية، بل بطبيعة اللحظة نفسها، وبالنوع الجديد من الحروب التي قد تفتحها دولة تشعر أن استهدافها تجاوز حدود الردع إلى محاولة كسرها استراتيجيًا.
لقد تعرضت إيران لعدوان إجرامي ولضربات قاسية ومؤلمة، استهدفت جزءًا مهمًا من بنيتها القيادية والعسكرية، لكن المفارقة أن هذا النوع من الضربات لا يؤدي بالضرورة إلى الإخضاع، بل قد يدفع الدول ذات العراقة، خصوصًا تلك التي تملك إرادة القتال، إضافة إلى ما تملكه من عمق جغرافي وعقائدي، معززة بشبكات نفوذ ممتدة، إلى الانتقال من منطق الاحتواء إلى منطق "رفع تكلفة الحرب على الجميع".
هنا تحديدًا تكمن خطورة المشهد.
إيران اليوم لا تملك ورقة واحدة اسمها مضيق هرمز كما يتصور كثيرون، بل في يدها مجموعة متشابكة من الأوراق التي تجعل أي حرب جديدة معها مشروع أزمة عالمية، لا مجرد مواجهة إقليمية محدودة.
العالم يعرف أهمية المضيق باعتباره شريانًا تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، لكن ما يُغفل غالبًا أن المنطقة نفسها أصبحت عقدة حيوية للبنية الرقمية والمالية الحديثة؛ كابلات بحرية، ممرات بيانات، اتصالات، شبكات تجارة ومدفوعات وأسواق مترابطة بصورة تجعل أي اضطراب واسع فيها قادرًا على إحداث ارتجاج يتجاوز الشرق الأوسط كله.
أي أن تجديد الحرب لم يعد يهدد النفط فقط، بل يستهدف "إيقاع العالم" ذاته، ما يجعل الحسابات أكثر تعقيدًا مما توحي به لغة التصعيد الإعلامي.
ليس من شك في أن الولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكن حربهما على إيران اثبتت لكل ذي بصر أن التفوق العسكري شيء، والقدرة على ضبط نتائج الحرب شيء آخر تمامًا.
إيران تعرف جيدًا أنها لا تستطيع خوض مواجهة تقليدية مفتوحة مع القوة الأمريكية، لكنها في المقابل تدرك أنها قادرة على تحويل أي حرب إلى حالة استنزاف وفوضى ممتدة، ترفع الكلفة الاقتصادية والأمنية والسياسية إلى مستويات قد يصعب تحملها حتى على القوى الكبرى نفسها.
وهذا ما يجعل الحديث عن "ضربة جديدة" أكثر تعقيدًا من مجرد قرار عسكري.
المشكلة في الحروب الكبرى ليست في كيفية بدايتها، بل في اللحظة التي تفقد فيها الأطراف القدرة على التحكم في سقفها.
وكلما شعرت طهران أن المعركة لم تعد تستهدف سلوكها بل وجودها، زادت احتمالات انتقالها إلى استخدام أوراق كانت تؤجلها أو تعتبرها سابقًا خطوطًا حمراء.
رد الفعل الإيراني لن يكون بدافع الانتحار، بل بدافع فرض معادلة تقول إن خنق إيران لن يمر دون ارتجاج عالمي واسع.
السؤال الذي تجاهله ترامب ونتنياهو، تحت تأثير غرور القوة ووهم الحسم السريع هو: ماذا لو نجت إيران من الضربة الأولى دون أن تنكسر؟
كلاهما افترض أن الضربات القاسية ستنتج إيران أكثر خوفًا وأقل قدرة على الرد، لكن ما يتكشف الآن هو أكثر خطورة: أن تلك الضربات نفسها دفعت المنطقة إلى نموذج جديد من الصراع، تتحول فيه الجغرافيا كلها إلى مساحة ضغط متبادل لا يمكن التحكم بسهولة في حدودها أو تداعياتها.
وهما اليوم يجدان أنفسهما أمام حقيقة أنهما فتحتا، دون قصد، الباب أمام نموذج أخطر من الصراع، تتحول فيه المنطقة كلها إلى مساحة ضغط متبادل لا يمكن ضبطها بسهولة؟
التاريخ يقول إن الدول العريقة حين تُدفع إلى الزاوية لا تصبح أكثر استسلامًا، بل قد تصبح أكثر اندفاعًا نحو الخيارات القصوى، خصوصًا عندما تشعر أن خسائر التراجع لم تعد أقل من خسائر المواجهة.
ولهذا، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس احتمال اندلاع حرب جديدة فقط، بل احتمال أن تكون حربًا بلا قواعد مستقرة، وبلا ضمانات حقيقية لإبقائها داخل الحدود التقليدية للصراع.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يبدو أن المشكلة لم تعد في تجديد الحرب، بل في ضمان ألا تتحول إلى حريق هائل يختنق فيه الجميع.
---------------------------------------
بقلم: محمد حماد






