ينظر العالم ليومي 14 و15 مايو الجاري (2026) بترقب، حيث تتشابك فيه ملفات دولية معقدة.. ففيهما تستقبل العاصمة الصينية بكين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سيجري مباحثات مع نظيره الصيني "شي جين بينج"، وفي واشنطن يعقد اللقاء الثالث بين لبنان وإسرائيل.
الصين استبقت قدوم ترامب بالتأكيد على الولايات المتحدة الالتزام بمبدأ الصين الواحدة لضمان استقرار العلاقات مع بكين، بقول المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، "إن قضية تايوان تمثل جوهر المصالح الأساسية للصين، وتُشكّل الأساس السياسي للعلاقات الصينية – الأميركية.. والالتزام بمبدأ الصين الواحدة، والوفاء بالتعهدات التي قدمتها الإدارات الأميركية بشأن تايوان، يعدّان التزاماً دولياً واجباً على الولايات المتحدة، وشرطاً مسبقاً لعلاقة مستقرة وسليمة ومستدامة بين البلدين".. وأعرب وزير الخارجية الصيني خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي عن أمله أن تتخذ واشنطن الخيارات الصحيحة فيما يتعلق بالجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي.
على الجانب الأخر، كثّفت الإدارة الأميركية اتصالاتها مع بكين لاستخدام نفوذها لدى إيران من أجل إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يمُرّ عبره نحو 20 % من إمدادات النفط العالمية، وكان ترامب قد أعلن يوم الثلاثاء (5 مايو 2026) أمام الصحفيين بالبيت الأبيض أنه سيبحث مع نظيره الصيني ملف الحرب في إيران، ولم يفت ترامب أن يوصف "شي جين بينج" بالرجل اللطيف والمحترم جداً، قائلاً "لم نُواجه أي تحدٍّ من الصين بشأن الحرب ضد إيران"، وأعرب ترامب عن اعتقاده بأن شي لن يتحدى الولايات المتحدة نظراً للعلاقة التي تجمعهما.
القمة الصينيةـ الأمريكية لن تكون اقتصادية، بل محاولة لإدارة مخاطر وجودية للولايات المتحدة في ظل الأزمة مع إيران، لكنها لن تكون مجدية بالنسبة لترامب الذي يحتاج لنصر سريع قبل انتخابات التجديد النصفي (نوفمبر 2026)، لأن بكين تريد وقف صفقات الأسلحة الضخمة لتايوان، والتي تقدر بنحو 11 مليار دولار، ولن تقدم تنازلاً في ملف إيران، بعد أن رسخت دورها كلاعب استقرار في المنطقة، وتفضل الاستثمار في استنزاف الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بإطالة أمد الأزمة وجعل واشنطن تبدو عاجزة عن الحسم.
ترامب يذهب لبكين للبحث عن صورة انتصار لترميم صورته داخلياً وعالمياً، والصين لن تمنحه ذلك النصر، لأن العلاقة بين بكين وموسكو وطهران باتت "محور استراتيجي" يهدف إلى تقويض القطبية الأمريكية الواحدة، كما كشفت تسريبات عن لقاء تم قبل شهرين بين الرئيسان بوتين وشي جين بينج على انفراد دون الإعلان عن هذا اللقاء، تم خلاله بحث الملف الأمريكي الإيراني لساعات طويلة وقررا أنهما لن يسمحا بهزيمة إيران، كما كشفت التسريبات عن تقديم روسيا لإيران أسلحة جديدة متطورة في مجال الدفاع الجوي، وأن هذه الأسلحة هي التي أسقطت بعض الطائرات الأمريكية.
المنتظر كما يتوقع الخبراء من قمة بكين، أن يستغل الرئيس الصيني عقلية الصفقات لدى ترامب، ويقنعه بأن ثمن الضغط الصيني على إيران هو تراجع واشنطن عن صفقات السلاح الكبرى لتايوان، التي ينظر لها ترامب بمنطق تجاري بحت، وهو ما وضح في تصريحاته الأخيرة حول ضرورة "دفع تايوان مقابل الحماية"، مما يجعل التخلي عنها أو تخفيف الدعم العسكري لها مقابل تنازل صيني في ملف إيران أمراً وارداً جداً في "منطق الصفقات"، لكن ترامب لن يمكنه التخلي عن تايوان التي تعتبرها مؤسسات الدولة العميقة خط الدفاع الأول عن الهيمنة الأمريكية في المحيط الهادئ، والتخلي عنها قد يؤدي لتمرد صامت داخل تلك المؤسسات.
الخلاصة كما يتوقع المراقبون أن يضع الرئيس الصيني نظيره الأمريكي في خانة "كش ملك" إذا أراد دورا صينيا لإنهاء الملف الإيراني عليه التوقف عن تسليح تايوان ووقف الجنون العسكري في جنوب لبنان، فإذا رفض ترامب، سيظهر أمام العالم كـ "مشعل حروب" يرفض السلام الصيني. وإذا قبل، سيهدم ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي الأمريكي وهي تايوان.

** واشنطن.. فخ مقايضة السيادة بالهدنة
بينما تتجه الأنظار في الوقت ذاته نحو واشنطن، حيث تنطلق الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، هذه الجولة التي تأتي في ظل هدنة هشة، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بمشاركة السفير الأمريكي ببيروت ميشال عيسى، والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، في محاولة مشتركة بين بيروت وواشنطن وإسرائيل لفصل المسار اللبناني عن الإيراني، بينما الواقع يقول إن مفتاح التهدئة في بيروت عبر طهران.
وفقاً لهيئة البث الإسرائيلية فإن المباحثات ستجرى لأول مرة بمشاركة شخصيات سياسية ودبلوماسية وعسكرية من الجانبين، وتركز على تثبيت وقف إطلاق النار والملفات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالجنوب اللبناني، وأفادت وسائل إعلام لبنانية نقلا عن مصادر سياسية رسمية أن المحادثات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، هي أكثر من اجتماع تحضيري ثالث وباتت في مرتبة اجتماع لوضع أسس التفاوض المباشر، وسيمثل لبنان سفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، والسفير السابق بواشنطن سيمون كرم، ونائب رئيس البعثة الديبلوماسية وسام بطرس، والملحق العسكري بسفارة لبنان في واشنطن. أما الوفد الإسرائيلي سيكون برئاسة الوزير السابق للشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية رون ديرمر، ورئيس شعبة الاستراتيجية في الجيش الإسرائيلي.
وأوضحت المصادر أن لبنان سيركز على تثبيت وقف إطلاق النار، وهو البند الأهم الذي سيساهم في تزخيم المفاوضات، وإذا اتُفق على هذا الأمر والتزمت إسرائيل سينتقل المجتمعون إلى البحث في أجندة عناوين المفاوضات، والتي تشمل وضع جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لعودة النازحين وإعادة الإعمار، والإفراج عن الأسرى، وقد طلبت لبنان من الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية من الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لتوقف النار قبل انعقاد الجولة الثالثة، بينما ترهن واشنطن وإسرائيل أي تقدم في المفاوضات بسحب سلاح "حزب الله" ويحملان لبنان المسؤولية في ذلك السياق.
على الجانب الأخر، ترى أوساط سياسية لبنانية أن إسرائيل تتعامل مع جولة واشنطن المقبلة باعتبارها جزءاً من معركة الضغط العسكري والنفسي على لبنان، وهذا يفسر استمرار الضربات والاغتيالات والغارات في العمق اللبناني بالتوازي مع التحضير للمحادثات، وتعتبر أن إسرائيل لا تزال ترفض عملياً أي تفاوض يسبقه تثبيت فعلي لوقف إطلاق النار. بل تسعى لفرض معادلة تفاوض تحت النار، بما يسمح لها بتحسين شروطها السياسية والأمنية ورفع سقف مطالبها في أي ترتيبات لاحقة تتصل بالحدود أو السلاح أو الواقع الأمني جنوب الليطاني.
ورغم انتظار بيروت رداً أمريكيا على طلبها بوقف إطلاق النار قبل موعد الجولة الثالثة، أصدرت الخارجية الأمريكية بياناً أوضحت فيه أنها ستسهل إجراء محادثات مكثفة بين حكومتي لبنان وإسرائيل، وأن الوفدان اللبناني والإسرائيلي سينخرطان في مناقشات تدفع قدما لاتفاق شامل للسلام والأمن، وتعمل على بناء إطار عمل لترتيبات سلام وأمن دائمة واستعادة سيادة لبنان على أراضيه، وأوضح البيان أن لبنان وإسرائيل التزما بالتعاطي مع المحادثات بناء على مصالحهما وسنعمل على التوفيق بينهما، مع التأكيد بأن المناقشات خطوة مهمة أخرى نحو إنهاء عقود من الصراع وإرساء سلام دائم بين لبنان وإسرائيل.
وهو ما يوضح أن النقاش في مفاوضات الجولة الثالثة انتقل من المبادئ العامة إلى الترتيبات الأمنية، ويتجاوز في أهدافه مجرد ترسيم الحدود، وأن مسار واشنطن لا يتجه نحو اتفاق سلام، بل نحو ترتيبات أمنية أقرب في طبيعتها إلى نموذج هدنة عام 1949، ويتجه نحو ترتيبات أمنية بما يحفظ خطوط الاشتباك ويضع آليات لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، فيما يرى الساسة اللبنانيين خارج دائرة المؤيدين للتفاوض أن الضربات المتبادلة الأخيرة في ضاحية بيروت والردود الحدودية تجعل المفاوضات تحت ضغط الانهيار في أي لحظة، خاصة وأن حزب الله الفاعل الميداني بعيداً عن طاولة واشنطن.
النهاية، ترامب يذهب إلى بكين وهو يظن أنه سيلعب "بوكر" بينما الرئيس الصيني يلعب "شطرنج"، لذلك يسعى ترامب لانتزاع نصر بديل يعوضه عن تعنت بكين المحتمل في ملف إيران، عبر الضغط على الوفد اللبناني لتقديم تنازلات جوهرية في ملفات سيادية مثل مزارع شبعا وتثبيت الخط الأزرق، ليقدم نصراً للصهيونية المسيحية المتحكمة في الولايات المتحدة الأمريكية.
----------------------------------
تقرير ـ محمد الضبع





