09 - 05 - 2026

ما وراء زيارة السيسي للإمارات.. حقائق لا يعرفها الجميع

ما وراء زيارة السيسي للإمارات.. حقائق لا يعرفها الجميع

في اللحظات التي يعلو فيها الضجيج، تصبح الحكمة أكثر ما نحتاج إليه. ومع كل زيارة رئاسية أو تحرك دبلوماسي مهم، تتصاعد موجات من التحليلات والتكهنات، ويحاول كثيرون تقديم تفسيرات حاسمة لما يجري خلف الكواليس، حتى يتحول الحدث أحياناً إلى ساحة مفتوحة للتأويل، بعيداً عن الحقائق المؤكدة.

زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الإمارات مؤخرًا لم تكن استثناءً من ذلك. فخلال ساعات، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات الروايات والتفسيرات، بين من اعتبر الزيارة مرتبطة باحتمال نشوب حرب بين الإمارات وإيران بمشاركة بعض القوات العسكرية المصرية، أو ببحث ملفات اقتصادية عاجلة، او ربط الزيارة بتطورات إقليمية معقدة، وآخرين ذهبوا إلى استنتاجات حادة دون امتلاك أي معلومات موثقة. لكن الحقيقة التي لا يعرفها كثيرون أن تفاصيل التحركات الدبلوماسية الكبرى لا تُدار بهذه البساطة، وأن ما يُعلن رسمياً غالباً ما يكون جزءاً فقط من الصورة الكاملة.

السياسة الخارجية لا تُقرأ بالشائعات، ولا تُدار بمنطق “الفرقعة الإعلامية”. فما يحدث خلف أبواب الدبلوماسية السياسية أعقد بكثير مما يظهر في العناوين المتداولة أو منشورات مواقع التواصل الاجتماعي. والعلاقات بين الدول لا تقوم على الانفعال أو ردود الفعل السريعة، بل على حسابات دقيقة تتعلق بالمصالح، والأمن القومي العربي، والتوازنات الإقليمية.

ومن بين الحقائق المهمة، أن زيارة الرئيس السيسي إلى الإمارات حملت أيضاً بُعداً يتعلق بالاطمئنان على عناصر القوات المصرية الموجودة في بعض المناطق داخل الإمارات، في إطار التعاون والتنسيق الدفاعي بين البلدين. فوجود قوات أو عناصر عسكرية مصرية ضمن مهام تدريبية أو دفاعية مشتركة يعكس طبيعة الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وأبوظبي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة والمخاوف المرتبطة بأي تهديدات محتملة قد تستهدف أمن الخليج، بما في ذلك التهديدات المرتبطة بإيران أو الجماعات المدعومة منها. وهو ما يؤكد أن العلاقات بين البلدين لا تقتصر على الجانب السياسي أو الاقتصادي فقط، بل تمتد أيضاً إلى التنسيق الأمني والعسكري لحماية استقرار المنطقة ومصالحها المشتركة

المشكلة أن البعض يتعامل مع العلاقات الدولية بعاطفة المشجع، فيتصور أن أي اختلاف في وجهات النظر يعني وجود أزمة، أو أن أي تقارب سياسي يعني تطابقاً كاملاً في المواقف. بينما الواقع مختلف تماماً. فالدول قد تختلف في ملف، وتتفق في آخر، وتتنافس في قضية، ثم تتعاون في قضايا أخرى، دون أن يعني ذلك وجود تناقض أو ارتباك. السياسة ليست معادلة عاطفية، بل فن إدارة التعقيدات بأقل الخسائر وأكثر المكاسب الممكنة.

ومن الحقائق التي لا ينتبه إليها كثيرون أن العلاقات المصرية الإماراتية تحديداً ليست علاقة ظرفية أو مؤقتة، بل شراكة ممتدة تقوم على شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. ولهذا فإن أي زيارة على هذا المستوى تحمل بالضرورة أبعاداً متعددة، بعضها يُعلن، وبعضها يبقى في إطار التفاهمات.

إن الدبلوماسية المصرية عبر عقود طويلة أثبتت قدرتها على التحرك بعقل دولة تدرك جيداً وزنها الإقليمي وطبيعة التحديات المحيطة بها. والتاريخ يؤكد أن القاهرة كانت دائماً قادرة على الحفاظ على توازناتها، حتى في أصعب اللحظات وأكثرها تعقيداً.

الأخطر في المشهد الحالي أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت وهماً لدى البعض بأن امتلاك حساب إلكتروني يكفي لصناعة “خبير” او متخصص في العلاقات الدولية. تُنشر معلومة غير مؤكدة، فتتحول خلال ساعات إلى “حقيقة”، ثم تبدأ موجات من الجدل والانقسام بناءً على روايات لا أحد يعرف مصدرها الحقيقي. بينما الواقع أن السياسة الخارجية غالباً ما تُدار بصمت، وأن كثيراً من تفاصيلها لا يُكشف إلا بعد سنوات، إن كُشف عنها أصلاً.

في النهاية، ربما تكون الحقيقة الأهم وراء زيارة السيسي للإمارات هي أن ما يجري في كواليس السياسة أكبر بكثير مما يُقال علناً، وأن قراءة المشهد بعقلانية تبقى أكثر أهمية من الانسياق وراء التحليلات المتسرعة. فالدول تُدار بالعقول الباردة، لا بالانفعالات الساخنة، ومَن يفهم طبيعة السياسة يدرك أن ما لا يُقال أحياناً أهم بكثير مما يُقال.
--------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد


مقالات اخرى للكاتب

ما وراء زيارة السيسي للإمارات.. حقائق لا يعرفها الجميع