إن القضية التعليمية في مصر لم تعد مجرد قضية تربوية، بل تحولت إلى قضية أمن اجتماعي وقومي. ففي الوقت الذي نسعى فيه لبناء "جمهورية جديدة"، نجد أنفسنا أمام معضلة كبرى وهي "تسليع المعرفة"، حيث أصبح التفوق العلمي مرتبطاً – قسراً – بالقدرة المادية، ومن يملك أكثر يضمن لأبنائه تعليماً أفضل وفرص عمل أرقى، في حين يظل أبناء الفقراء والكادحين، مهما بلغت عبقريتهم، رهائن لنظام تعليمي تآكلت مجانيته تحت وطأة "البيزنس".
دروس مستفادة من الشرق والغرب
إذا نظرنا إلى التجارب الدولية الناجحة، سنجد نماذج ملهمة لم تترك مستقبل أبنائها لآليات السوق؛ ففي الصين، اتخذت الدولة قراراً ثورياً عام 2021 عُرف بـ "سياسة الحد المزدوج"، حيث تم حظر الأرباح في قطاع الدروس الخصوصية للمناهج الأساسية، وتحويل مراكزها إلى مؤسسات غير ربحية، ومنع الاستثمارات الأجنبية فيها. والهدف كان واضحاً: تخفيف الضغط المالي عن كاهل الأسر وضمان تكافؤ الفرص.
أما في النرويج، فإن التعليم يُعد خدمة مجتمعية مقدسة ترفض منطق الربح. هناك، التعليم مجاني بالكامل من الحضانة وحتى الجامعة، مع تركيز الدولة على محو الفوارق الطبقية داخل الفصل الدراسي، لإيمانهم بأن الموهبة لا تورث مع الحسابات البنكية.
الروشتة المصرية: خارطة الطريق
انطلاقاً من هذه التجارب، نضع أمام المسؤولين "روشتة" عاجلة لإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية ولحق الفقراء في التميز:
تجريم "بيزنس" المناهج: يجب السير على خطى الصين في تحويل كيانات الدروس الخصوصية إلى مراكز تنموية غير ربحية تخضع لرقابة صارمة، مع رفع أجور المعلمين بما يكفل لهم حياة كريمة تمنعهم من الانزلاق لـ "سوق الدروس".
استعادة هيبة التعليم العام: لا بديل عن جعل المدرسة الحكومية هي المعيار الأعلى للجودة، بحيث لا يضطر ولي الأمر للبحث عن بدائل خاصة إلا كرفاهية إضافية، وليس كضرورة للبقاء التعليمي.
فصل الكفاءة عن المحفظة: يجب أن تعتمد فرص العمل المرموقة في الدولة والقطاع الخاص على "اختبارات كفاءة وطنية" موحدة، تضمن ألا تذهب الوظائف الأعلى دخلاً لخريجي الجامعات الدولية فقط، بل لمن يملك العلم والمهارة أياً كان مصدر شهادته.
العدالة التعليمية كحق أصيل: التفوق العلمي هو هبة إلهية وجهد بشري لا يرتبط بالغنى أو الفقر. إن هدر عقول أبناء الفقراء بسبب عدم قدرتهم على دفع "ثمن المعرفة" هو خسارة فادحة للدولة المصرية قبل أن يكون ظلماً للأفراد.
ختاماً..
إن التعليم هو القاطرة الوحيدة للتنمية، وإذا لم نتحرك الآن لتحريره من قبضة "التسليع"، فإننا نكرس لنظام طبقي تعليمي يهدم مبدأ "تكافؤ الفرص" الذي نص عليه الدستور. إنها رسالة للمسؤولين: استثمروا في عقول أبناء الكادحين، فهم الذخيرة الحقيقية لمستقبل هذا الوطن.
---------------------------------
بقلم: كامل السيد
أمين حزب التجمع بالقليوبية






