في تقييمه للحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، أشار أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إلى أن الهجوم الإيراني على دول الخليج العربية المجاورة تسبب في "أزمة ثقة عميقة"، قد تستمر لعقود ولا يمكن حلها من خلال "تصريحات المجاملة". ثمة مؤشرات على أن "أزمة الثقة" هذه لا تقتصر على إيران وحدها، إذ تدفع هذه الحرب، بما تحمله من دلالات وما لها من تداعيات، الإمارات ودول أخرى في منطقة الخليج العربي إلى "إعادة تقييم" تحالفاتها الإقليمية والدولية. فهذه الحرب بداية لمرحلة جديدة حملت عنوان "زمن التوتر"، بحسب الفاعلية التي تحدث فيها قرقاش. وهي لحظة فاصلة، على المستويين الوطني والخليجي، فيما يخص كيفية معالجة معضلة الأمن المزمنة التي تواجهها دول الخليج العربي، والتي تعمقها الانقسامات الواضحة في استجابة هذه الدول للحرب التي فُرضت عليها.
هناك متغيرات جديدة في هذه الحرب، مقارنة بالحروب السابقة التي شهدتها المنطقة. فمن ناحية، هذه الحرب هي أول عدوان أمريكي-إسرائيلي مشترك ومعلن على دولة من دول المنطقة، مما يشير إلى دخول العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية مرحلة جديدة تتجاوز التنسيق الاستراتيجي والأمني، إلى مستوى العمليات الحربية المشتركة، وهو أمر تم من قبل على نطاق محدود وبشكل غير معلن. من ناحية أخرى، لقد وضعت الحرب الأخيرة دول الخليج العربية في مواجهة مباشرة مع إيران مما يعمق من معضلتها الأمنية التي كانت إيران عاملًا أساسيًا فيها. ومن ناحية ثالثة، جرت هذه الحرب على خلفية من الانقسامات وتباين الرؤى والتقديرات فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي، على نحو غير مسبوق منذ تأسيس المجلس في مايو 1981، أثناء الحرب العراقية - الإيرانية. لم يفلح الخطر الإيراني المشترك، والذي انتقل إلى مستوى التهديد المباشر في الأخيرة، في رأب هذه الانقسامات على ما يبدو، وهو ما تؤكده تقارير صادرة بعد الحرب عن تصاعد التوترات بين الإمارات والسعودية، أكبر قوتين اقتصاديتين في منطقة الخليج العربي.
أضافت هذه الحرب مصادر تهديد جديدة إلى التهديدات الأخرى الناجمة عن التحولات في البيئة الدولية والإقليمية والداخلية، نشير إلى أن دول الخليج العربية الأخرى تخوض معركة من أجل "بناء الوعي"، لا يكفي للصمود فيها بناء سردية مضادة، إماراتية وربما خليجية، لن تساعد في حل المعضلة الأمنية التي تواجهها تلك الدول، التي وجدت نفسها محشورة في صراع إقليمي ودولي أوسع، ومحكوم بسرديات أكبر. فتحقيق الأمن الوطني والإقليمي يعتمد على اعتبارات موضوعية، ترتبط بشكل مباشر بالأمن في منطقة الشرق الأوسط الأوسع، ووضع ترتيبات تصون أمن البلدان من خلال العمل على حل الصراع الرئيسي في المنطقة.
السردية كبديل للواقع
اللافت أن الاهتمام المتجدد بموضوع السردية، والذي تزايد مع صعود التيارات اليمينية والشعبوية في البلدان الغربية، يأتي في وقت تثور فيه تساؤلات بخصوص جدوى السردية، في ظل التحولات التي تشهدها مختلف المجتمعات والتي تشير غالبًا إلى تفكك السرديات الكبرى والصغرى، نتيجة للانقسامات الاجتماعية والأيديولوجية العميقة، وتزايد حالة اللايقين والتشظي، وما يؤدي إليه ذلك من عجز عن التحكم في المتغيرات في بيئة خارجية تتغير بسرعة، ولا تتيح أي فرصة سوى محاولة التكيف مع هذه التغيرات، وتصبح السردية في هذه الحالة آلية للتكيف مع التغيرات، وقد تأتي بنتائج عكسية فيما يخص بناء الوعي. أثبتت الحرب وتداعياتها أن الواقع أقوى من أي سردية، ويتحدى محاولات رسم صورة لانتصار زائف، لكن إدراك هذه الحقيقة قد يتأخر في العالم العربي، الذي بدأ للتو يسير وراء مصطلح "السردية".
شاع مصطلح "السردية" في الخطاب الإعلامي العربي، منذ اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر عام 2023، من خلال التقارير التي كانت تبثها قناة الجزيرة القطرية ووسائل إعلام أخرى لمحور المقاومة الداعم لحماس، والتي انشغلت بترويج سردية مضادة للسردية "الإسرائيلية" للحرب. والسردية تعني سرد ما يجري من أحداث بطريقة الحكاية. الأمر هنا يعتمد على مهارة السرد عوضا عن الاهتمام ببناء إطار مرجعي يستند إلى المعلومات والوقائع، وهي بالتأكيد موجهة للجمهور العام لخلق حالة من الوعي القائم على الاعتقاد وتغليبه على الواقع وحقائقه. وتتحول الحرب، نتيجة لذلك، إلى صراع بين روايات قد لا يعكس أي منها الواقع بالضرورة، وإنما تعبر عن تصورات منتجي السرديات، وتفترض انتصارات في حروب لم يعد فيها أي مجال لتحقيق أي انتصار مبين.
وفي حالة الصراعات الممتدة التي لا يوجد أي أفق لتسويتها في المستقبل المنظور، مثل الصراعات التي نشهدها في منطقة الشرق الأوسط، فإن صراع السرديات يجعل هذه الصراعات أكثر ديمومة واستعصاء على الحل، ولا يساعد بأي حال في التخفيف من حدتها. فالسردية تتجاوز ميادين القتال وساحات المعارك، وتمتد إلى ساحة العقل، والصراع على تشكيل الوعي، وبالتالي، يصبح الحفاظ على قوة السردية وتماسكها أحد الأدوات الأساسية في صنع صورة ما للنصر، أو الاستمرار في الصراع حتى يتحقق هذا النصر. من هنا، تحتل السرديات موقعًا فريدًا في الحروب الممتدة والمتوسعة في المنطقة، منذ حرب غزة ووصولًا إلى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على إيران.
ومن ثم، أصبحت السردية ذاتها موضوعًا للصراع، مع سعي كل طرف لفرض "سردية رسمية موحدة"، كجزء من إدارة الحرب النفسية، التي باتت مكونا متزايد الأهمية، خصوصاً مع الانتقال إلى الحروب الشاملة، التي لا تقتصر على جبهات القتال وإنما تمتد إلى الجبهات الداخلية المدنية، وما يصحبها من انتقال الصراعات إلى نمط أكثر تعقيدا يقوم على "الاشتباك العسكري المحدود في ساحات متعددة"، والسعي إلى التأثير على المعنويات والحالة الذهنية والتصورات الخاصة بالقادة والجمهور، على حد سواء، والقدرة على التحمّل والتي تستلزم إنهاك الاقتصادات الوطنية والاقتصاد العالمي. وتقدم حرب إيران حالة نموذجية لرصد هذه التحولات وفحصها.
في هذا السياق يمكن فهم الاعتداءات الإيرانية على جيرانها العرب في الخليج وعلى الأردن، كجزء من استراتيجيتها للتصعيد المحسوب ردًا على التصعيد العسكري الإسرائيلي والأمريكي ضدها. إلا أن هذا لا ينفي أن هذا التصعيد الإيراني الذي استهدف دولًا عملت على منع نشوب هذه الحرب وسعت إلى احتواء إيران بوسائل سلمية على مدى عقود، هو اعتداء سافر لا ينفصل عن مجمل السياسات الإيرانية المرتبطة بطموحاتها الإقليمية وبتصورات قادتها للدور الذي يتعين على إيران أن تلعبه في منطقة الشرق الأوسط، ولم تأت ردًا على أي تهديدات حقيقية تشكلها هذه الدول، رغم الصراع التاريخي الممتد المحكوم باعتبارات الجغرافيا السياسية، الذي تفاعل مع صراع إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي ثار بعد الإطاحة بنظام الشاه في عام 1979، الذي كان حليفًا للدولتين، وهو صراع محكوم غالبًا باعتبارات أيديولوجية وسياسية.
السردية وإدارة الصراع الممتد
إلى جانب الاعتبارات الجيوبوليتيكية والتاريخية والسياسية التي أدت إلى حالة من الصراع الممتد بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، تأتي السرديات لتجعل هذا الصراع أكثر ديمومة، إلى حد أنه يبدو، في كثير من الأحيان، كصراع "أبدي"، محكوم بنبوءات دينية، وإن تداخلت فيه معادلات الردع النووي والتوازنات الإقليمية. هنا يظهر مستوى آخر من للصراع لم تكن دول الخليج العربية طرفاً فيه، قبل الحرب الأخيرة، تتداخل فيه بعض الدوائر الدينية والسياسية في إيران وفي إسرائيل وفي الولايات المتحدة. ولا يُفهم التصعيد في هذا الصراع كأزمة سياسية تتعلق بسعي كل طرف لتحقيق أهداف محددة، عسكرية أو سياسية، وحسب، وإنما يُفهم كجزء من سردية أوسع تُستحضر فيها نصوص ونبوءات دينية خاصة بحروب نهاية العالم، كما تُصوَّرها بعض التفسيرات اللاهوتية للخلاص المرتبطة بفكرة الإمام المنتظر لدى الشيعة، أو بفكرة قدوم المخلص في العقيدة اليهودية، أو عودة المسيح، في العقيدة المسيحية.
النقطة المشتركة في كل هذه النبوءات، هي ارتباط فكرة الخلاص بتصورات تتعلق بقيادة العالم وحكمه. في هذا الإطار، لا تكون المفاوضات أداة لإدارة الصراع أو الخلاف بين الأطراف المتصارعة، لكن يُعاد تفسيرها داخل سياق “زمني” لإدارة صراع ينتظر لحظة انفجاره النهائي. في هذا السياق، يجري إسقاط النصوص دينية على الواقع المعاصر بشكل مباشر، ويتحول النص من رمز ديني إلى إطار لتفسير الجغرافيا السياسية، وتتحول "فارس" التي ورد ذكرها في النصوص كإشارة، إلى إيران في الجغرافيا، وتُفسَّر “قوى الشمال” أحيانًا على أنها روسيا، بينما يُربط تحالف الأمم بشبكات خصوم إسرائيل الإقليميين. لقد رأى الجمهور في العالم العربي وفي الولايات المتحدة وفي مناطق أخرى في العالم، مثل هذا التوظيف للنصوص الدينية واستدعائها لوصف أحداث راهنة، بشكل مكثف من قبل زعماء وساسة في إسرائيل وفي الولايات المتحدة منذ حرب غزة. بموجب هذا التصور، لا ينظر إلى حروب الشرق الأوسط كأحداث منفصلة، وإنما كمراحل متتابعة في تسلسل نبوئي.
كثيرًا ما يُشار إلى أن الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب طويلة، تعود إلى مطلع ثمانينات القرن الماضي، وكانت هذه الحرب توصف أحياناً بحرب الظل أو الحرب السرية، حيث الاعتماد فيها كان على أجهزة المخابرات بالأساس، إذ كان يغلب على المواجهات نمط العمليات الخاصة، التي تشن غالباً بالوكالة، خصوصاً من قبل إيران، ولم تصل هذه العمليات إلى حد المواجهة الشاملة، إلا في الحرب الأخيرة، وإلى حد ما في الحرب القصيرة التي اندلعت في يونيو الماضي، والتي استمرت 12 يوماً وشاركت الولايات المتحدة قرب نهايتها، بتوجيه ضربات جوية وصاروخية للمنشآت النووية الإيرانية. وزعم ترامب أنه يسعى من خلال المواجهة العسكرية المباشرة والساخنة مع إيران، التي يرى كثير من المراقبين أن ترامب اختار خوضها، إلى حل مشكلة عمرها 47 عاماً فشلت الإدارات الأمريكية السابقة في حلها. وبغض النظر عما إذا كان ترامب سينجح فيما فشل فيه الآخرون، فإن هذه الحرب أدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من المواجهة الأمريكية الإيرانية، قد تتخللها فترات هدنة قد تطول أو قد تقصر، وقد تتوسع أو تنحسر. وسيكون لهذه المواجهة تأثير على أمن دولها ومجتمعاتها.
والسؤال هنا، هل نحن بصدد قادة واقعين تحت تأثير السرديات التي يروجونها، أم أنهم يستغلون هذه السرديات لتحقيق غايات أخرى، زمنية ومحدودة؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عليه لأنه بحث في النوايا في حين أننا في العلوم الاجتماعية نحلل السلوك ودوافعه، التي قد يكون من بينها المعتقدات والتصورات الإيمانية الخاصة بالساسة والزعماء، التي لا تستبعد من التحليل. لكن من المهم هنا تأكيد أنه لا ينبغي للمراقب، أن يقع هو نفسه في أسر تلك السرديات وأن تؤثر على رصده للأحداث والتطورات الذي يتم وفق أدوات صارمة ومنضبطة، إن مهمة المراقب، سواء كان صحفيًا أو باحثًا أن يفكك هذه السرديات من أجل فهم أكثر دقة للواقع. الأمر ذاته ينطبق على السياسي، فعليه أن يفكك السردية من أجل فتح مسارات للتغيير وحلول للمشكلات.
ويُلاحظ من خلال تحليل السياسات الإسرائيلية والإيرانية والأمريكية في الحرب الراهنة، أن الدور الذي تلعبه السردية في خطابهم السياسي لا يحول دون رؤية الواقع ومتغيراته، وإن كان يثير شكوكا في النوايا والغاية من مناوراتهم السياسية وتحركاتهم التي تكون محكومة بحسابات الجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية، بما في ذلك المصالح الاقتصادية، وأن الأسبقية تكون لهذه الحسابات، التي لا تتأثر كثيرًا بمعتقداتهم الدينية أو بتصوراتهم للمسار الحتمي للتاريخ وحركته، لكنهم يوظفون هذه المعتقدات في بناء سرديات للصراع تؤثر خطابهم العام وليس على حساباتهم الدقيقة وتحليلاتهم للموقف ولا على الاختيار بديل من بين البدائل متعددة المطروحة أمامهم. لكن السردية تظل ضرورية في الخطاب العام للساسة من أجل تبرير السياسات المتبعة وحشد التأييد، وبهذا تصبح السردية أداة لترويج الوهم وليس لبناء الوعي.
السرديات في العصر الرقمي
إن وظيفة الإعلام في العصر الرقمي، لم تعد قاصرة على بناء سردية ما والترويج لتغييب الجمهور وحجب حقائق ما يدور من تطورات عنه. ففي هذا العصر، لم تعد "صورة النصر" كافية لحجب الحقيقة، ولا يحتاج الجمهور العام إلى بذل جهد كبير لاكتشاف أكاذيب الساسة، بمن فيهم رئيس الولايات المتحدة نفسه. صحيح أن الوسائل والأدوات التي أتاحتها الثورة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي لتزييف الوعي أصبحت أكثر تعقيدًا، وعلى نحو يغري ببناء سرديات محكمة وترويجها ونشرها بسرعة مذهلة وعلى نطاق واسع، حسبما رأينا من خلال عمليات التزييف العميق للتأثير على توجهات الناخبين والمزاج العام، لكن الثورة الرقمية، أتاحت أيضًا للأجيال الجديد الإمكانية والقدرة على التحليل العميق وتفكيك السرديات، والأهم أنها أتاحت له وسائل جديدة للتنظيم والحركة والسعي إلى التغيير، على النحو الذي رأيناه مع حراك الجيل زد.
إن التدفق الهائل للبيانات والمعلومات التي تبث كل ثانية، عبر الوسائط المختلفة وبكل اللغات، أحدثت تغييرات جذرية في الإعلام، وجعلت الدبلوماسية والسياسة والاستراتيجية والحرب، شأنًا عامًا وأتاحت لأي شخص مهتم من الجمهور العام بتكوين تصور ورؤية للأحداث باستقلالية عن التصور أو الرؤية التي تريد هذه السلطة أو تلك ترويجها، وزادت من تأثير الجمهور العام على القرارات الاستراتيجية للدول، ومكنته من تقييم ما يدور من أحداث والخروج باستنتاجات مغايرة تماماً لما يروج له الساسة، ومكنته أيضًا من تحديد مسؤولية كل طرف، على نحو يعزز آليات الرقابة والمساءلة، بشكل آني ومباشر. ربما لم يكن بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب مدركين لطبيعة هذه التحولات في بنية السياسات العامة، عند تخطيطهما المشترك للحرب على إيران، والتي بات واضحًا للرأي العام في أنحاء العالم، أن ترامب اختار الحرب، وفي ذهنه حسابات لم تكن دقيقة على الأرجح، لمسارها أو للخسائر التي قد يتكبدها. لكن من المؤكد أن ترامب لا يملك مثل هذه الحرية فيما يخص قرار إنهاء الحرب، على النحو الذي يتبين منذ قرار وقف إطلاق النار في السابع من إبريل.
ومن الواضح أيضا أن السرديات، الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، بخصوص هذه الحرب لا تصمد أمام الواقع وتحولاته. وإزاء هذا الوضع نصبح أمام مسارين أساسيين.. المسار الأول، هو المسار الذي يدعو إليه نتنياهو وبعض الساسة الذين لا يحسنون تقدير الأمور في منطقة الخليج وخارجها، وهو استئناف الحرب إلى أن يتم تحقيق انتصار نهائي وحاسم على إيران. هذا الانتصار يتحقق بسقوط النظام الحالي واستبداله بنظام آخر يكون استعدادًا لقبول الشروط الإسرائيلية والأمريكية لترتيب الأوضاع الإقليمية، وبالتأكيد فإن هذا النظام مختلف عن نظام الشاه، الذي كانت لديه أيضًا طموحات إقليمية تتعارض مع الطموحات الإسرائيلية، أو بتدمير القدرات العسكرية الإيرانية وتفكيك برنامجها النووي، بحيث لا تشكل تهديدا لأي من دول المنطقة. هذا المسار محفوف بمخاطر كبيرة إلى حد يجعله مقامرة كبرى تحدد مصير دول في المنطقة، بما في ذلك مصير إسرائيل ذاتها، إلى جانب احتمال لا يقل خطورة لأن تخرج الأمور عن السيطرة ونصبح أمام حربا عالمية كارثية، وفوضى عارمة في كل ركن من أركان الكوكب.
المسار الثاني، وهو الأرجح، مواصلة الصراع مع إيران دون الوصول إلى مستوى العمليات العسكرية قبل السابع من إبريل، وفق الصيغة المطبقة على جبهتي غزة ولبنان. لكن الوضع مع إيران مختلف، على نحو يجعل هذا المسار أكثر كلفة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، وبالنسبة للعالم، إذ تمتلك إيران من الأوراق والأدوات والوسائل التي تمكنها من حرمان خصومها من تحقيق أي مكاسب، كما أن استمراره لفترة طويلة مشكوك فيه. فهذا المسار إما يقود إلى تسوية أكثر ديمومة واستقرارًا أو إلى الانتقال إلى المسار الأول بما ينطوي عليه من مخاطر هائلة.
وبعيدًا عن أي سردية إماراتية أو خليجية متصورة، فإن الحرب الإيرانية الأخيرة فرضت واقعًا جديدًا يمس جوهر الأمن المتمثل في الحفاظ على الصيغة التي عملت بموجبها دول الخليج الغنية لأكثر من أربعة عقود، والتي تبلورت بعد حرب الخليج عام 1991، والتي تقوم على الضمانة الأمنية الخارجية، الدولية أو الإقليمية، والرغبة في الانعزال عن المشكلات الإقليمية التي أنهتها الانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي في مطلع العقد الثاني من الألفية الجديدة والتي دفعت دول الخليج، لاسيما الإمارات والسعودية وإلى حد ما قطر إلى الانخراط أكثر في الشؤون الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى إعادة التفكير في كثير من الثوابت التي حكمت العلاقات الإقليمية لدول الخليج العربية، الأمر الذي أدى إلى تورطها في الحرب الأخيرة، على نحو غير مسبوق.
لم تعد مسألة أمن دول الخليج شأنًا خليجيًا مثلما كان عليه الوضع سابقًا، إذ أحدثت الحرب الأخيرة هزة عنيفة في الركائز التي قامت عليها صيغة الأمن الباهظة التكلفة التي تشكلت بعد حرب عام 1991، وباتت هذه الدول في حاجة إلى مواجهة الواقع الجديد المتغير بقدر من الوعي، وليس ببناء سردية، إلا بما يخدم جهودها لبناء هويات وطنية متمايزة، مع الانتباه إلى أن لهذه تأثير على الهوية الخليجية المشتركة نفسها، وتماسكها. لقد أثبتت هذه الحرب الأخيرة أن تحقيق الأمن المفقود، لا يمكن أن يتحقق خليجيًا، بمعزل عن تحققه على مستوى الإقليم، وهذه حقيقة من حقائق الشرق الأوسط التي أكدتها حرب إيران، التي تضع جميع القوى العالمية والإقليمية أمام مسؤولياتها للبحث عن حل طويل الأمد، فلم يعد العالم يحتمل ترف إضاعة فرصة ثمينة أخرى للتعامل مع معضلة الأمن في هذه المنطقة التي ستظل محورية في السياسات العالمية.
----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






