- الكاتب يستحضر عزيزة يونس بروح استشراقية
في «ليس بعيداً عن رأس رجل» الواصلة إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للأديب المصري سمير درويش تتداعى الأفكار في ذهن يونس أبو جبل أستاذ الفنون الجميلة في لحظة النهاية إثر طلقة قناص محترف نفذت عبر جمجمته صانعة نفقاً مكان إحدى عينيه أثناء مشاركته في ثورة الخامس والعشرين من يناير وبالتحديد يوم موقعة الجمل، أحد الأيام الفارقة في مصير الثورة.
***
تجعل رواية «ليس بعيداً عن رأس رجل: عزيزة ويونس» (القاهرة- دار بتانة) لسمير درويش من ثورة يناير إطاراً خارجياً لأحداثها تبدأ وتنتهي بها، مع إحالات لا تشكل متناً للرواية، حول حالة الغضب التي تملأ صدور شباب الطبقة الوسطى من الدارسين في الجامعة الأمريكية بسبب الرواية الرسمية حول مقتل المواطن خالد سعيد بإسفكسيا الخنق، غضب مكتوم، وفساد مستشري، وإحباط عام تدفع بطل الرواية للتفكير في العودة إلى أمريكا مرة أخرى، ولكن قبل سفره ببضعة أيام تندلع الثورة، ويموت في ميدان التحرير دفاعاً عن الشباب السلمي؛ الذي آمن بمستقبل أفضل للبلاد، ضد هجمات البلطجية والهجانة الذين جرى جمعهم من المناطق العشوائية، من أجل إخلاء الميدان والقضاء على الحراك الثوري في مهده.
تتداعى الأحداث في الرواية في خطين سرديين متوازيين الأول مقسم بالأرقام حتى 18، كل فصل يحكي عن حياة البطل بين القاهرة وأمريكا، والخط السردي الثاني مرتب ألفبائي حتى حرف «ص» يتناول حياة وحكاية البطل في قريته، التي تقع بين النيل والجبل وذكريات طفولته هناك، ليتلاقى الخطان في النهاية في كشف أبعاد شخصية يونس أبو جبل الذي شق طريقه في الحياة بتعب وجهد، من قرية فقيرة لا توجد بها أدنى الخدمات من ماء وكهرباء مررواً بالتحاقه بكلية الفنون الجميلة في القاهرة وتفوقه، ثم تعيينه معيداً، وإعداده للماجستير الذي أتاح له الفرصة لإعداد الدكتوراه في أمريكا والتعيين في الجامعة هناك، ثم عودته إلى مصر لتولي أحد المناصب الثقافية.

النساء
تركز الرواية في خطيها السرديين على ذكر علاقات بطلها مع النساء، بداية مع عزيزة جارته التي أحبها حباً عظيماً لكنها ماتت قبل أن يتزوج منها، ويعرج في مرحلة القرية تلك إلى علاقة عابرة مع جارة أخرى كانت له علاقة بها دافعها الغريزة في المقام الأول والأخير. وفي القاهرة يتناول علاقته بالمراهقة وئام سلطان الفتاة الشعبية بمنطقة بين السرايات القريبة من جامعة القاهرة، يتخذ منها موديلاً لرسوماته لكنها تختفي فجأة تاركة في نفسه سؤالاً مفتوحاً بلا إجابة بعد أن تعلق بها، ثم يعرج على علاقة المودة والاحترام التي تجمعه بأستاذته سميحة التي يشبهها بالفنانة سعاد حسني، وكان لها الدور الأكبر في دعم موهبته ومشاركته في المعارض، وسعادته بعلاقاتها الواسعة في الانفتاح على الوسط الفني، وهي التي عرفته على الأستاذة ألكسندرا التي حولت سفره إلى أمريكا من منحة مدتها نصف عام إلى دراسة الدكتوراة لمدة خمسة أعوام.
ينتقل بعد ذلك للحكي عن علاقته بمليكة مغربية الأب إسبانية الأم التي جمعته به علاقة حميمة هناك وشاركته السكن، وبعد عودته إلى مصر يتعرف على مهتاب ثم نجوان المتحررة من كل القيم والمبادئ سوى مصالحها الخاصة، وبعدها يتعرف على آية عبدالرحمن التي تمثل جيل الشباب الثائر الذي يدين الأجيال السابقة لأنها صبرت على الفساد لأكثر من ثلاثين عاماً، الفتاة الوحيدة التي لم يأت ذكرها في الرواية في سياق جنسي أو نظر إليها السارد تلك النظرة التي أولاها لبقية النساء، غير مركز على وصف ملامحها الجسدية كما فعل مع البقية. «آية بنت مختلفة ليست مثل عزيزة عبدالفتاح الريفية... ليست مثل وئام سلطان البنت الشعبية الفقيرة التي تمتلئ بكلام الأغاني وتقنع بأن عشق الروح مالوش آخر؛ لكن عشق الجسد فاني... ليست مهتاب ابنة الشريحة الدنيا من الطبقة المتوسطة المحجبة، الوحيدة التي دخلت شقته ونامت على سريره وجلست تحت رجليه كزوجة بدائية... كما أنها ليست مثل نجوان سيف الدين الأرستقراطية التي تبحث عن المكان الذي سيدفعها لأعلى دون أن تنتبه للأشياء التي دهستها بحذائها» (ص221: 222).
نساء ضحايا
تحتل العلاقة بين الرجل والمرأة الصدارة في الرواية ولا سيما فيما يتعلق ببطلها مع النساء اللاتي عرفهن طوال حياته، خاصة وأنه لم يتزوج، ولكن هذا لا يعني أنه كان مغرقاً في تلك العلاقات حفاظاً على صورته «وألا يكون مادة لحكايات وسط البلد بين الكسالى والمحبطين والفاشلين، سنوات لم يذق فيها طعم امرأة .. سنوات كادت تنسيه أنه رجل، وأنه على بعد خطوة واحدة من الخمسين وأن ما بقي أقل كثيراً مما راح» (ص138).
وهؤلاء السيدات غالباً ضحايا نشأة أسرية صعبة، فصفاء ابنة قريته غريبة الأطوار يُذهب بها إلى شيخ في قريتهم لعلاج حالتها، ويكتشف فيما بعد أنها حامل، ثم تختفي فجأة بعد أن قتلها أهلها وأشاعوا أنها سافرت. أما نجوان فقد كان تعريها وملابسها الكاشفة انتقاماً من الزواج التقليدي «كرهت اللقاء المفروض عليها مع زوجها، بقوة ورقة وعبارات محفوظة فتمردت عليه وقررت أن تنفصل، حتى لو كان الثمن أن تترك بناتها الثلاث، وربما لهذا أيضاً تتعمد كشف بعض مفاتنها أمام الرجال لتذل عيونهم الجوعى التي تتعقبها دون حذر»(ص76). نجوان التي كان يتحرش بها خالها العنين حين كانت طفلة دون حماية من الأهل لها.
ومليكة التي تشعر أن والدها المتطرف دينيا الذي هرب من الملاحقات الأمنية في المغرب إلى أمريكا تشعر أنه غريب عنها وأنه ينظر تحت ملابسها ويعريها بعينيه، وتستطيع كشف هذه النظرة بحاسة الأنثى القادرة على رؤية ما تخفيه القشرة الخارجية.

صورة سلبية
وفي المقابل تظهر صورة الرجال في الرواية عادة بشكل سلبي سواء في صورة الخال المتحرش بالطفلة نجوان، أو الأب المتطرف دينياً الذي يتحرش بصرياً بابنته، أو الأب القاتل لابنته في قضية شرف، حتى زميله في الدراسة في المرحلة الثانوية كان دائم افتعال المشاكل معه.
تواصل الرواية تركيزها على الجانب الجنسي عبر حكايات الرجال غير القادرين على ممارسة العلاقة الحميمة مثل الخال المتحرش، الذي تزوج لمرتين وفشل فيهما جنسياً فوجه طاقته نحو الأطفال، أو ذلك القروي الذي عانى ما يعرف في الأرياف ب«الربط» أي عدم قدرته على إتيان زوجته بعد الزفاف ولكنه نجح في تجاوز هذه المسألة بعد فك الربط على يد أحد الشيوخ.
التراث
عمدت الرواية إلى استثمار التراث الشعبي ومعتقداته خاصة في الجزء المتعلق بتداعي أفكار البطل في طفولته المرتب ألفبائي في الرواية مستحضراً طقس الزار ورقص النساء فيه بصدورهن العارية طرداً للأشباح، وحكايات العفاريت المتداولة في الأوساط الريفية، وتنبؤات العرافات والغجريات اللواتي يطفن على البيوت، عن المشايخ وإخراجهم للجن من أجساد الضحايا، كما يأتي في السرد جانب من قصة «عزيزة ويونس» والتي يشير في مقدمة الكتاب أن استعان فيها برواية الشاعر الشعبي السيد حواس ملتزماً بأحداث الرواية وشخصياتها، وهي من الحكايات الشهيرة في سيرة بني هلال أثناء رحلة الريادة التي قام بها أبو زيد الهلالي مع أبناء أخته شيحة إلى تونس، في الروايات المدونة تحل سعدى ومرعي محل يونس وعزيزة بنت الوهيدي، ووظفها المؤلف في إشارة إلى تشابه اسم بطل الرواية يونس مع حبيبته عزيزة، كما أنها تتماشى في إطارها العام مع مضمون الرواية التي تركز على الجانب الحسي من الحب، وحكاية عزيزة ويونس من أكثر القصص الشعبية التي تركز على هذا الجانب وتمنحه مساحة كبيرة.

الروح الاستشراقية
ولا يغيب عن الرواية روح الرؤية الاستشراقية ذلك النمط الفكري الذي ينظر إلى الشرق باعتباره كياناً مختلفاً جذرياً عن الغرب، وغالباً ما يُقدَّم على أنه جامد، متخلف، عاطفي، ولا عقلاني، في مقابل الغرب "المتقدم والعقلاني والمتحضر". فهذه الروح حاضرة بقوة داخل الرواية فبطلها يعلن عن تماهيه مع الحياة في أمريكا وعدم شعوره بالاغتراب في منهاتن منذ لحظة وصوله مفتنوناً بهندسة الشوارع والعمارة والمباني ورح النظام التي تسري في كل مكان ويصفها بأنها «أعظم مدينة على وجه الأرض» (ص156)، وتعدد الأعراق والأجناس بداخلها دون تمييز «خليط يجعل كل شخص يحس أن هذه بلده هو، لأنه ليس غريباً وافداً على نوع سائد» (ص152) ويضعها في مقابل العشوائية في مصر ويعبر عن كراهيته للحياة في الريف الذي تخترق فيها الخصوصية، مجتمعات قائمة على النميمة، «من صغري لا أحب القرية لا أحب الحياة فيها عموماً» ص159. مجتمع تأكله الصراعات، «لست في الشرق الأوسط لتخاف على مكانك الذي إن تركته سيحتله غيرك، ولن تجد مكاناً بديلاً أنت في أمريكا »(ص256)
كما أنه يرسم عالم القرية بما يحمله من عوالم بشكل باهت سطحي لا يغوص في أعماقه وإنما يكتفي بسرد الحكايات التي ألفها الناس حول طقوس الزار، العفاريت السيرة، الكلاب الذئاب دون أن يكون لها دور فاعل في الأحداث، حتى الشخصيات الأخرى في الرواية مرسومة مع الخارج، فكل أحداث الرواية منصبة على بطلها الأوحد، حتى عزيزة لا تأخذ المساحة الخاصة بها بل تزاحمها فتيات أخريات من وئام والجارة مما يفقد حبه لها الإخلاص الذي يتسم به هذا النوع من العلاقات التي حاولت أن ترسمه الرواية بأنه كان منذوراً لها وهي منذورة له، لولا الموت ما كان لهما أن يتفرقا.
تتماشى الرواية مع النظرة الاستشراقية التي ترى الشرق غريبا مثيرا لكنه غير عقلاني مقارنة بالغرب/ أمريكا التي تحتكر العلم والتطور، تؤمن بالتفوق الغربي عقلاً ونظاماً وأخلاقاً وتختزل العالم الإسلامي والعربي في صورة نمطية متمثلة في العربي الإرهابي المتشدد مثل والد مليكة أو شهواني كالذين عرضت لهم الرواية أكثر من نموذج.
--------------------------------
د. عبدالكريم الحجراوي
من المشهد الأسبوعية






