بدايـة، فالمحكمة العليا هي أعلى سلطة قضائية في المملكة العربية السعودية ومقرها في مدينة الرياض، وضعها المنظم السعودي على قمة الهرم القضائي وناط بها مهمة الرقابة على الأحكام النهائية الصادرة من محاكم الاستئاف ونقض الأحكام التي يشوبها عيب مخالفة القانون.
وقد تحددت الوظيفة القضائية للمحكمة بالغاية من إنشائها، وهي أن تكون حارسة للشرع والنظام تكفل ضمان تطبيقهم، فهي تحاكم الحكم ولا تحاكم القضية، فمن طبيعتها ثبات الواقع فلا تعيد المحكمة سماع الشهود أو فحص الأدلة من جديد إلاّ في قضايا الحدود، بل تلتزم بالوقائع التي أثبتتها محكمة الموضوع.
تُعد المحكمة العليا محكمة قانون لا محكمة موضوع؛ أي أنها لا تعيد النظر في وقائع القضية أو الأدلة، بل تراقب مدى صحة تطبيق المحاكم الأدنى للشريعة الإسلامية والأنظمة، وذلك لتوحيد كلمة القانون ضمانًا لعدم تضارب الأحكام في المسألة القانونية الواحدة وإرساء المباديء القانونية التي تسترشد بها المحاكم الأدني.
المحكمة العليا بوصفها قمة النظام القضائي تبسط رقابتها على الأسباب وتلزم قضاة الموضوع بضرورة تسبيب الاحكام وما يشوب هذه الاحكام من عيوب سواء اسباب ظنية أو افتراضية أو غامضة، ولم يعصم قاضي الموضوع من هذا الالتزام ما يتمتع به من سيادة على الواقع، وأدت هذه الرقابة إلى فتح طريق الطعن بالنقض في الرقابة على الاسباب الواقعية والطعن على الحكم بالقصور في التسبيب.
ومن أجل هذا أناط المنظم بالمحكمة الرقابة على أسباب الأحكام لأن تسبيب الاحكام يضمن تحقيق الرقابة ويحمى المتقاضين مما يؤدى إلى التزام المحاكم بتسبيب أحكامها في كفاية ووضوح. وبذلك يتحقق الارتباط الوثيق بين مصلحة المتقاضين الخاصة والذين لهم الحق في تطبيق النظام من جهة ومن جهة أخرى في معرفة الاسباب التي قام عليها الحكم .
الطعن بالنقض ليس طريقًا من طرق الطعن العادية لأنه لا يطرح النزاع برمته أمام المحكمة ولكن بالنسبة لأوجه وشروط معينة حدّدها النظام ورد النص عليها في المادة (193) من نظام المرافعات الشرعيـة واللائحة التنفيذية لطرق الاعتراض على الأحكام، هذه الخصيصة يبررها أن الطعن بالنقض لا يوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه إلّا في حالات استثنائية وذلك على خلاف طرق الطعن العادية، إذ الاصل في رفعها أنها توقف تنفيذ الحكم .
ولذلك فالطعن بالنقض باعتباره طريق طعن غير عادى لا يجوز اللجوء اليه الا بعد استنفاد طرق الطعن العادية، وكذلك فإنه ليس طريقاً لإصلاح أو سحب الحكم، فهو يتميز عن الاستئناف والذي يعد طريقاً من طرق إصلاح الحكم حيث ينقل النزاع إلى محكمة أعلى طبقًا لقاعدة الأثر الناقل للاستئناف، إذ تتصدى محكمة الاستئناف لنظر القانون من حيث القانون أو الواقع.
والطعن بالنقض ليس سحبًا للحكم والسحب يكون من ذات المحكمة التي أصدرت القرار، أما النقض فهو "إلغاء" من سلطة أعلى لأنـه يطرح أمام محكمة أعلى ولا يعرض على ذات المحكمة التي اصدرت الحكم ولأنه في حال إبطال الحكم فإن الدعوى لا تحال أمام ذات المحكمة التي اصدرت الحكم، ولكن أمام دائرة اخرى من ذات النظام ومن ذات الدرجة التي أصدرت الحكم المطعون فيه للحكم في الموضوع.
ونتيجة لقبول الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا السعودية يتم نقض الحكم وإعادة القضية لمحكمة الموضوع (دائرة مغايرة) لتنظرها من جديد المحكمة التي تُحال إليها الدعوى تكون من نفس درجة ونوع المحكمة التي أصدرت الحكم المنقوض، وفي حالات محددة يجوز لها التصدي بالفصل (إذا كان الموضوع صالحاً للفصل فيه)، قد تفصل المحكمة في القضية بنفسها.
ويكمن الفرق الجوهري بين المحكمة العليا السعودية ومحكمة النقض المصرية في أن المحكمة العليا السعودية تجمع بين اختصاصات الرقابة القضائية (محكمة قانون) والإشراف الفني، بينما يتوزع هذا الدور في مصر بين محكمة النقض (للقضاء العادي) والمحكمة الإدارية العليا (لقضاء مجلس الدولة)، وتنفرد المحكمة الدستورية العليا بالرقابة على الدستورية، خاصة أن القانون المصري يعتمد على الإذدواج القضائي مما يعني وجود أكثر من جهة قضائية عليا حسب النزاع.
--------------------------------------
بقلم: د. محمد جلال عبد الرحمن
* كاتب وباحث. محام بالنقض ومستشار قانوني.






