07 - 05 - 2026

انطلاقا من "صبرا وشاتيلا" ورؤى إدوارد سعيد | "كتابة المذبحة" كما عكستها نصوص لكُتَّاب من أمريكا وفرنسا ومصر ولبنان

انطلاقا من

يقدم هذا الكتاب دراسة مقارنة لتناول مجزرة صبرا وشاتيلا في نصوص لستة كُتاب من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا ولبنان ومصر، فيشكل نقطة يلتقي فيها الأدب بالتاريخ، في سياق محاولة الإجابة على سؤال: كيف نحكي عن المذبحة، على رغم استحالة تمثيلها؟ 

يقوم متن كتاب "كتابة المذبحة: أشكال تناول صبرا وشاتيلا"، للباحثة المصرية سميَّة ممدوح الشامي، على أطروحة ماجستير باللغة الإنجليزية، أشرفت عليها الروائية والناقدة الأكاديمية الراحلة رضوى عاشور، وشاركت في مناقشتها قبل شهرين من رحيلها في 30 نوفمبر 2014. والكتاب الذي ترجمته إلى العربية نسمة محمد دياب وياسمين أسامة الشيمي، لحساب المركز القومي للترجمة (2025)، يقدم في جزأين؛ "سيمفونية متناغمة"، تعد بمنزلة "بديل للاستشراق"، على حد تعبير إداورد سعيد. 

يستكشف الكتاب أعمال شاعر فرنسي هو جان جينيه، وصحافي أميركي، هو روبرت فيسك، وباحث أميركي هو نعوم تشومسكي، وثلاثة روائيين عرب، هم بهاء طاهر ورضوى عاشور وإلياس خوري، اتصلت في سياقات متباينة بمجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبت بين 16 و18 سبتمبر / أيلول 1982، عقب اغتيال القيادي الماروني بشير الجميل. قبل انتهاء العام نفسه كتب جان جينيه مقالاً تحت عنوان "أربع ساعات في شاتيلا"، وكتب روبرت فيسك مقالاً عنوانه "الإرهابيون"، جرى تضمينه لاحقاً في كتابه "رثاء الأمة، لبنان في الحرب" (2001)، وكتب نعوم تشومسكي تحت عنوان "فصل من التاريخ الفلسطيني" في كتابه "الثالوث الخطر والمصير المحتوم" (1983). وحضر الحدث نفسه في روايات "الحب في المنفى" لبهاء طاهر (1995)، و"باب الشمس" لإلياس خوري (1998)، و"الطنطورية" لرضوى عاشور (2010).

مشاهد من المذبحة

في مقالته، دمج جان جينيه مشاهد من المذبحة، مع مشاهد من الحياة الفلسطينية في الأردن، وكلها مبنية على تجربته المباشرة. فجاءت مشاهد الوحشية المروعة موصوفة بلغة حالمة تستجلب مشاعر الألفة والبراءة والحب، بدلاً من الإحساس بالذعر والنفور، بحسب دراسة سمية ممدوح الشامي. وعلى عكس جينيه، استخدم فيسك؛ "لغة تصدم حواس السمع والبصروالشم والتذوق لهوْل ما وقع من فظائع في غضون الحدث"، إذ انصب تركيزه على تقديم تجربته المباشرة في المخيمات واستكشاف قضية المسؤولية.

 في عام 1983 نشر نعوم تشومسكي كتابه "الثالوث الحطر والمصير المحتوم: الولايات المتحدة، إسرائيل والفلسطينيون"، بهدف دراسة السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وتأثيرها على الفلسطينيين والعرب الآخرين. في الفصل السادس من الكتاب، تحت قسم بعنوان "فصل من التاريخ الفلسطيني"، يتناول تشومسكي مذبحة صبرا وشاتيلا. وقد بنيَّ هذا القسم على أسلوب المقابلة، إذ يعمد الكاتب إلى المقابلة بين روايات الصحافة الدولية والروايات الإسرائيلية، كما يقارن مذبحة صبرا وشاتيلا مع مذبحة كيشينيف (أعمال الشغب المعادية لليهود في مدينة كيشينيف عاصمة مقاطعة بيسارابيا، التابعة للإمبراطورية الروسية عام 1903). أما تشومسكي، فزاوَجَ، بحسب الدراسة نفسها، بين الذاتية والموضوعية، "شأنه شأن جينيه وفيسك". يسبق "فصل من التاريخ الفلسطيني" أقسام تضع المذبحة في سياقها، تليها أقسام تُعنى بدراسة المسؤولية عن المذبحة. 

في 1995 نشر بهاء طاهر روايته "الحب في المنفى"، وفيها يلقي الضوء على مذبحة صبرا وشاتيلا – التي تشكل الزمن الحاضر في الرواية – وذلك في سياق استكشافه لموضوع الآخر، إلى جانب عدد من المذابح الأخرى. وتحقق ذلك بشكل رئيس من خلال استخدام التقنيات الحديثة، لعل أبرزها إدماج أجناس أدبية أخرى ضمن بنية الرواية، كما لاحظت الشامي. وبالمثل، سلَّط إلياس خوري الضوء على المذبحة في "باب الشمس" (1998)، فتناولها باسترجاع الأحداث، كما سردها ضمن السياق الأوسع لأحداث عام 1948. 

من فلسطين إلى لبنان

وفي عام 2010، نشرت رضوى عاشور رواية "الطنطورية" التي خصصت فيها عدداً من الفصول للمذبحة وسياقها. تتميز هذه الفصول باستخدام تقنيات سردية مختلفة، وتأتي في صميم رحلة تستكشف التاريخ الفلسطيني منذ الأربعينيات وحتى تحرير جنوب لبنان (2000) وتحاول تقديم لمحة عن الثقافة الشعبية الفلسطينية. تتوازى هذه الرحلة مع مسار حياة امرأة من قرية الطنطورة، بحيث تحافظ على الرحلتين المتشابكتين في روايتها في صورة شهادة مكتوبة، نزولاً عند رغبة ابنها الباحث الأكاديمي. 

وبهدف التحليل، تستدعي الدراسة مفهومي "التمثيل"، و"دور المثقف"، كما رآهما إدوارد سعيد. يرى سعيد أن "التمثيل"، هو فعل تنظيمي يشكل الواقع بدلاً من الاكتفاء بنسخه أو محاكاته، وتستند الشامي هنا على ما سبق أن أوضحته الباحثة دعاء إمبابي من أن سعيد يؤكد في كتابه "بدايات" (1976)، أن العلاقة بين النص والواقع يشكلها "العنف"؛ بمعنى أن النصوص لا تكتفي بمحاكاة الواقع، بل هي تخلقه وتعيد تشكيله. ومن هذا المنطلق، تغدو "الكتابة"، مع "التمثيل"، وسيلتين للفعل والتأثير. علاوة على ذلك يرى سعيد أن فهم عملية "التمثيل"، يقتضي دراسة السياق الذي أنتجت فيه هذه العملية. وهذا يعني – تقول الشامي - أننا بحاجة إلى معرفة الغرض من هذا التمثيل، والقراء المستهدفين، والجهة التي تنتجه. بالإضافة إلى ذلك، لا ينبغي التغاضي عن الوسيط الذي قدم هذا "التمثيل". ومن هنا تركز دراسة الشامي على العوامل المؤثرة على "التمثيل"، وتستكشف كيف يتجلى في الأعمال التي تمت مناقشتها. إضافة إلى ذلك يعارض سعيد الرأي القائل بأن المثقف بطبيعته يعيش بمنأى عن الانخراط في مجتمعه، ويرى أن الأدوار التي يضطلع بها المثقف، تندرج ضمن فئتين؛ أولاً بوصفه شخصاً يتصدى للفكر الجمعي المؤسسي، فهو أو هي بمنزلة "دخيل" و"هاو"، من شأنه أن يزعزع الوضع الراهن، حيث يجرؤ على تحدي المسلمات والبدهيات الثقافية والسياسية التي تحول دون رؤيتنا لواقع الآخرين. ثانياً؛ المثقف بوصفه شخصاً يستعيد السردية المفقودة: وفقاً لسعيد، "الحقائق لا تتحدث عن نفسها، ولكنها تتطلب سرداً مقبولاً على المستوى الاجتماعي لاستيعابها والحفاظ عليها وتعميمها"، وهنا "يأتي الدور الرئيس الذي يؤديه المثقف حيث يملك موهبة تمكنه من تمثيل الآراء ووجهات النظر للعامة".

بدائل الاستشراق

مقدمة الدراسة، تستهلها الباحثة بمقولة إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق": "لعل المهمة الأكثر أهمية على الإطلاق هي إجراء دراسات في البدائل المعاصرة للاستشراق". وفي هذه المقدمة تؤكد الشامي، انطلاقها في هذه الدراسة من إيمانها بأهمية الاحتفاء بالكتابات التي تطرح تمثيلاً منصفاً عن "الآخر"، بعد معاناة طويلة من جراء أعمال "استشراقية"؛ أكاديمية وغير أكاديمية، كشفت العديد من "التمثيلات المضللة". الجزء الأول من الدراسة عنوانه "كُتِبَ من المنفى"، وتضمَّن في ثناياه العناوين التالية: "دور المثقف، السياقات الثقافية والسياسية، مساءلة المسلَّمات الفكرية، المثقفون والسرديات، وسرد القصة". وجاء عنوان الجزء الثاني على شكل سؤال: "أيَحِق للتابع أن يتكلم؟"، وتضمَّن "مساءلة المسلَّمات الموروثة، فلسطين بأصوات عربية، وتحليل بنية السرد". وجاء في الخلاصة التي تضمنتها "الخاتمة"، أن دراسة أشكال تناول الكتَّاب الستة لمذبحة صبرا وشاتيلا، تكشف اتساع أفق التعبير في تناول حدث واحد، "إذ يتباين هذا التناول تبعاً لاختلاف زمن الكتابة وقالبها، وطبيعة الجمهور المتلقي، وخلفية المؤلفين، وموقع المذبحة من النسيج العام للنص" ص 117. ومن هنا لاحظت الشامي أن مسألة تحميل إسرائيل مسؤولية المذبحة "تعد أمراً محسوماً" في السردية العربية، "نظراً لوعي القارئ العربي بتاريخ القضية الفلسطينية وانحيازه الفطري للشعب الفلسطيني، ومن ثم الانتصار لسرديته". لكن في الروايتين، العربية والغربية، بحسب النصوص التي تناولتها دراسة الشامي، تحوَّلت صبرا وشاتيلا، إلى رمز زماني ومكاني لتاريخ طويل من المذابح والاضطهاد الذي تعرَّض له الشعب الفلسطيني. غير أن الأعمال الغربية تضيف بعداً مختلفاً لهذا التوازي، إذ لا تقتصر المقارنات على الداخل الفلسطيني، بل تمتد لتقارن بين ما جرى في صبرا وشاتيلا والمذابح التي ارتكبت بجق اليهود في أوروبا. وفي النهاية، تثبت الشامي استعصاء تلك المذبحة على "التمثيل"، "إذ تتهاوى المخيلة أمام فداحتها، ولا تترك لمن يرغب في تصوير أحداثها سبيلاً سوى اللجوء إلى أسلوب أقرب إلى كتابة المذكرات، بالتركيز على التفاصيل التاريخية، أو استدعاء ما سرده شهود العيان. ورأت الشامي أن الكتاب الذين درست نصوصهم المتعلقة بهذا الحدث، كانوا يدركون هذه الحقيقة، فكل من جان جينيه وروبرت فيسك ورضوى عاشور، يشيرون صراحة إلى صعوبة تمثيل المذبحة، بينما يجعل إلياس خوري من استحالة تمثيلها محوراً رئيساً في سرديته، لكن يبقى أن النصوص الستة "تناغمت كلها في حضرة المذبحة، كما الأوتار المختلفة في معزوفة جزينة واحدة" ص 120.
-------------------------------
علي عطا
من المشهد الأسبوعية