اتسعت دائرة التكهنات في الساعات الأخيرة حول أسباب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء بتعليق عملية "مشروع الحرية" الخاصة بتوجيه السفن عبر مضيق هرمز، إلا أن الإجماع هو اقتراب وجود اتفاق مع إيران، ربما ستظهر مؤشراته قريباً.
الرئيس الأمريكي، قال عبر منصة "تروث سوشيال" أن التعليق هو مؤقت، ولكنه جاء مع تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي مع ممثلي إيران، ولكنه حاول استخدام لغة الضغوط وربما لأسباب تتعلق بصورته العامة، حيث قال "سيظل الإبقاء في الوقت ذاته على الحصار المفروض على إيران".
التطورات سريعة جداً خصوصاً أن كل هذا يأتي في أعقاب اعلان ترامب مساء الأحد عن عملية عسكرية، دخلت حيز التنفيذ في اليوم التالي "الاثنين"، تبادلت القوات العسكرية الأمريكية والإيرانية إطلاق النار والاتهامات، وطالت بعض دول الخليج، وسرعان ما توقفت، لتاتي بعدها تصريحات ترامب الأحدث.
وفي تحليل مهم قال "ستيفن كولينسون" المحلل السياسي في شبكة (سي إن إن): إن قرار ترامب بتعليق "مشروع الحرية" من شأنه أن يعزز التفاؤل بأن المساعي الدبلوماسية، التي تقودها باكستان لإنهاء الصراع، لا تزال حية وقائمة.
ويرى ستيفن أن العديد ينظرون لما قاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمثابة إشارة إلى أن كلا الطرفين (الأمريكي والإيراني ) لا يرغبان في استئناف القتال الشامل، بعدما اتضح أن عمليات تبادل إطلاق النار بين القوات الأمريكية والإيرانية في المضيق مطلع الاسبوع لم تؤدي إلى إشعال فتيل الحرب مجدداً.
وبالتوازي مع هذا كله، مازالت إسرائيل تتمنى أن تشتعل حرب أخرى بين أمريكا وإيران، لتجد مبررا لضرب إيران، تحت غطاء أمريكي، خصوصاً أنه ليس باستطاعتها محاربة طهران وحدها، ومن الملاحظ أن مسؤولي الكيان المحتل، يستخدمون لغة الحرب، في كل تصريحاتهم عن مجريات التفاوض بين واشنطن وطهران، والتي ليست إسرائيل طرفاً في هذا الحوار، برغبة جماعية من كل الوسطاء.
وكان ترامب قد كتب عبر منصته "تروث سوشيال": "بناءً على طلب باكستان ودول أخرى، ونظراً للنجاح العسكري الهائل الذي حققناه خلال الحملة ضد إيران، وإضافة إلى حقيقة أنه قد تم إحراز تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي مع ممثلي إيران، فقد اتفقنا بشكل متبادل على أنه - وفي حين سيظل الحصار سارياً وبكامل قوته وفعاليته - سيتم تعليق مشروع الحرية لفترة وجيزة، وذلك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان إتمام الاتفاق وتوقيعه أم لا".
ولا يمكن الفصل بين ما أعلنه ترامب، وما قاله وزير الخارجية ماركو روبيو للصحفيين – وفقا لتحليل "ستيفن كولينسون" – "إن الحملة العسكرية الكبرى في فبراير الماضي، تحت اسم "عملية الغضب الملحمي"، قد انتهت، وهو ما زاد بدوره من الآمال في حدوث تهدئة للأوضاع، وتركز الولايات المتحدة حالياً على العملية الجديدة الخاصة بتوجيه السفن عبر المضيق.
ومن المهم الأخذ بعين الاعتبار ما قاله وزير الدفاع الأمريكي (بيت هيجسيث) في إحاطة إعلامية" "إن مشروع الحرية ذو طابع دفاعي، ومحدد النطاق، ومؤقت المدة؛ وله مهمة واحدة فقط، هي حماية حركة الملاحة التجارية.
الأمر المهم الآخر أن تصريحات ترامب تترافق مع اعتزام ترامب التوجه إلى الصين الأسبوع المقبل، في رحلة هي الأكثر أهمية وتأثيراً حتى الآن خلال ولايته الثانية، خصوصاً أن الصين هي حليف قوى ورئيس لإيران، وفي ذات الوقت فإن الاقتصاد الصيني هو من بين الاقتصاديات الأكثر عرضة للضرر بسبب تباطؤ تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وبالقدر الذي تتعرض له دول عديدة في العالم وفي المنطقة من أضرار بسبب توقف حركة التجارة عبر المضيق.
وهناك من يرى أن القادة الإيرانيون المتشددين هم من يمسكون بزمام الأمور في طهران، خصوصاً أن إيران لم توافق حتى اللحظة على إنهاء برنامجها النووي، بالتوازي مع غلق مضيق هرمز، وهو ما يراه محللون أن الاقتصاد العالمي أضحي الرهينة بين أطراف الصراع.
وهناك ربط أخر بين هذا التطورات المتلاحقة، وبين الضغوط في الداخل الأمريكي على إدارة ترامب، بعد ما كشفته تحقيقات استقصائية صحفية، خصوصاً تلك التي قامت بها "سي إن إن" والتي كشفت المستور عن خسائر وأضرار جسيمة وغير مسبوقة لحقت بالقواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، نتيجة الضربات الصاروخية وطائرات الدرون الإيرانية خلال حرب الـ40 يوما.
ونالت تلك الحرب من 16 قاعدة وموقعاً أمريكياً في 7 دول واصيبت بأضرار، ربما أخرجت بعضها من الخدمة، وتصل تكاليف إصلاحها إلى بين 40 إلى 50 مليار دولار، أي ضعف تقديرات البنتاجون التي قدرتها بنحو 25 مليار، وهو من سيدفع الفاتورة؟ وهذا موضوع سيحتاج لمقال أخر.
ويصبح السؤال المطروح ويحتاج إلى إجابة، وهو "من هو صاحب اليد الطولي في هذه الأزمة والصراع الذي خرج من دائرة الإقليمية، إلى الدائرة العالمية الأوسع، فهل إيران صاحبة الموقع، أم أمريكا التي تبحث عن موقع لها في هذا البقعة من العالم؟... ربما لن تأتي الإجابة سريعا، ولكن حتما ستتكشف مع الوقت، وربما أيضاً هناك ما يبحث عنه كل طرف للخروج من الأزمة، دون أن تتعرّق الوجوه.
--------------------------------------
بقلم: محمود الحضري






