ضمن خطة تشمل زيادات تتراوح بين 9% و15% على بعض الباقات، مع تثبيت أسعار خدمات أخرى مثل دقائق الصوت وكروت الشحن والمحافظ الإلكترونية، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات موافقته على "تحريك" أسعار بعض خدمات الاتصالات.. الخبر في ظاهره تقني، وفي باطنه اقتصادي، لكن هل يكون في جوهره لُغويًّا؟!
المصطلح المستخدم ليس "زيادة"، بل "تحريك".. كلمة تبدو خفيفة، مهذبة، وكأن الأسعار لم ترتفع بقدر ما قررت أن تغيّر مكانها قليلًا..
هذه ليست المرة الأولى التي نقرأ فيها هذا التعبير، فعند مراجعة القرارات الأخيرة المتعلقة بأسعار المحروقات، نجد اللغة نفسها حاضرة، ففي مارس الماضي رفعت الحكومة أسعار البنزين والسولار بنسب ملحوظة، وصلت في بعض المنتجات إلى نحو 30%، في ظل ضغوط عالمية وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، وهو ما انعكس بدوره على تكلفة الاستيراد والإنتاج. .لكن رغم هذا، ظل التعبير الأقرب للاستخدام في البيانات الرسمية هو "تحريك أسعار الوقود".
المفارقة تظهر بوضوح حين ننتقل إلى الجانب الآخر من المعادلة.. فلدى الحديث عن الأجور، تختفي كلمة "تحريك" تمامًا، لتحل محلها كلمة أكثر مباشرة ألا وهي: "رفع".
رفع الحد الأدنى للأجور من 7000 إلى 8000 جنيه.. هذه الحالة لا تستدعي تجميلًا لغويًا، ولا محاولة لتلطيف العبارة بل تفخيم وتباه وتفنُّن في إتباعها بجمل من "عيّنة" أكبر زيادة في تاريخ رفع الأجور، الزيادة ستكون مرضية- بضم الميم وتسكين الراء لا بفتحهما- الزيادة ستتجاوز معدلات التضخم، إلى آخره من العبارات الرنانة التي تشي بتفضّل حكومي على المواطن..
إذًا، نجد أن أسعار الخدمات تتحرك.. فيما الأجور تُرفع، مع أن في الحالتين النتيجة واحدة، أعباء إضافية على الأسر.. الحكومة تعامل لفظة "تحريك" في ما تفرضه على المواطن كأنها كائن لطيف يحتاج إلى معاملة ناعمة، بينما الأجور كلمة تتحمل الصراحة الكاملة والمكاشفة البينة، كونها تضيف للموازنة تكلفة أعلى..
وبعيدًا عن اللغة، الواقع أكثر وضوحًا من أي مصطلح، فكل "تحريك" في أسعار الخدمات الأساسية- من الوقود إلى الاتصالات- يُترجم في النهاية إلى زيادة مباشرة في تكلفة المعيشة.. وكلنا يعي أن هذه الزيادات لا تتوقف عند حدودها، وإنما تمتد كسلسلة مترابطة - تحريك الوقود مثلًا يرفع تكلفة النقل والتشغيل، ما يدفع قطاعات أخرى، الاتصالات مثالًا، إلى طلب زيادات مماثلة لتعويض التكاليف. .والنتيجة المعروفة سلفًا أن أي تحريك في بند، تقابله رُفوع في بنود أخرى، حتى دون إعلان رسمي.
بقي سؤال مهم، إجابته لا تحتاج إلى إحصاءات معقدة، هل يكفي الحد الأدنى للأجور(8 آلاف جنيه)، على اعتبار ما سيكون، لتغطية احتياجات أسرة مكونة من أربعة أفراد، من إيجار، وفواتير، وطعام، وتعليم، ومواصلات (...)؟
الأعباء تتزايد كل يوم، ملفات أخرى تظهر، كما بدا في شكاوى بعض مستخدمي عدادات الكهرباء الكودية من تطبيق شرائح مرتفعة أو احتساب الاستهلاك على فئات أعلى، بدعوى الوضع القانوني للعقار، وأنه ما من زيادات جديدة وإنما تطبيق لتعريفة رسمية..
وعود إلى بدء، مخطئ مَن يظن أن هذا المقال يتناول دور اللغة كمجرد وسيلة للتعبير، أو أداة لإدارة الانطباع، وأن مصطلحات على شاكلة "تحريك أسعار الخدمات" و"رفع الحد الأدنى للأجور" من باب التبسيط وربما التخفيف، وأحيانًا للتباهي، قد يكون كل ذلك مطلوبًا في مواضع بلاغية ونصوص أدبية، لا في بيانات رسمية..
وفي النهاية، قد تختلف المصطلحات وتتنوع الصياغات، لكن الأثر واحد لا يتغير..
فقائمة المصروفات تتسع يومًا بعد يوم، بينما الدخل - حتى بعد "رفعه"- يظل محدودًا أمام موجات "التحريك" المتتالية.. وهنا لا تكمن المشكلة في اللغة وحدها، بل في القرارات عينها، التي- بغض النظر عن مبرراتها- تنتهي إلى عبء إضافي على المواطن..
اللغة قد تُخفف وقع الخبر، لكنها لا تُغيّر من أثره، ولا تمنع انعكاسه المباشر على تفاصيل الحياة اليومية.. وبين "تحريك" هنا و"رفع" هناك، يبقى المواطن هو الثابت الوحيد، الذي يتحمّل النتيجة.
-----------------------------
بقلم: عزت سلامة العاصي






