الشرق الأوسط، الذي طالما كان مسرحا خصبا للتوترات الإقليمية والدولية، يعيش اليوم مرحلة تحولية مختلفة تماما عن الماضي.
فالأحداث المتسارعة التي تشهدها المنطقة لا تعكس مجرد تصعيد عابر أو مواجهات محدودة، بل تشير إلى تحولات أعمق وأكثر جذرية في بنية الصراع نفسه، حيث تتغير قواعد اللعبة الجيوسياسية وتتشكل توازنات جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ لسنوات قادمة.
لم تعد الحروب تُخاض كما اعتادت عليه المنطقة في العقود السابقة، حيث تتواجه الجيوش النظامية في معارك ميدانية واضحة المعالم ذات أهداف عسكرية حاسمة؛ بل دخل الشرق الأوسط عصر الحروب غير التقليدية، أو ما يُعرف بـ”حروب الظلال”، التي تُدار في الخفاء أو عبر وسطاء محليين، وتستخدم فيها الضربات المحدودة والدقيقة – سواء جوية أو صاروخية أو سيبرانية – لإرسال رسائل سياسية واضحة أكثر مما تهدف إلى تحقيق انتصار عسكري شامل أو احتلال أراض.
في هذا السياق، أصبحت الصراعات أكثر تعقيدا وتداخلا من حروب الوكالة التي تعتمد على ميليشيات وجماعات مسلحة مدعومة من قوى خارجية، إلى الهجمات على البنى التحتية الحيوية مثل منشآت الطاقة ومسارات الملاحة البحرية، مرورا بالحروب الهجينة التي تجمع بين العناصر العسكرية والاقتصادية والإعلامية.
يمكن وصف النفوذ الإيراني والأمريكي في المنطقة بأنه تدافع جيوسياسي محتدم، وصراع إرادات استراتيجي مستمر يمزج بين المواجهات المباشرة وحروب الوكالة، في سباق لفرض الهيمنة وصياغة مستقبل المنطقة بما يخدم مصالح القوتين، وهو ما يجعل دول المنطقة الساحة الرئيسية لتبعات هذا الصراع وانعكاساته على الاستقرار.
منذ عقود اتخذ الوجود الأمريكى فى منطقة الشرق الأوسط أوجه متعددة، يتناوب على المكتب البيضاوى رؤساء مختلفون فى قناعاتهم وانتمائهم الحزبى، ويظل الشرق الأوسط ساحة ثابتة لمغامراتهم أو طموحاتهم، ونموذجا لعدم وجود استراتيجية أمريكية ثابتة أو منطق فى التعامل مع دول المنطقة، لكن الثابت طوال هذا الوقت كان الدعم الأمريكى غير المشروط للكيان الصهيونى!
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية لعبت الولايات المتحدة الأمريكية دورا مركزيا في تشكيل سياسات الشرق الأوسط عبر أدوات عسكرية، ودبلوماسية، واقتصادية، وإعلامية.
كان الهدف المعلن غالبا هو حماية المصالح الأمريكية، دعم حلفاء، ومحاولة استقرار إقليمي يعزز الوصول إلى النفط والسلامة الإسرائيلية، مع التركيز على وزن المصالح الأمريكية على حساب الاستقرار الإقليمي والحقّ في تقرير المصير لشعوب المنطقة.
حالات وتدخّلات سياسية رئيسية تُحاجج بأنها أسهمت في تصاعد التوتر وعدم الاستقرار، هذه التحولات جعلت المنطقة أكثر هشاشة، حيث يصعب التنبؤ بنتائج المواجهات، وتزداد صعوبة الفصل بين الجبهات الميدانية والأبعاد الاستراتيجية الكبرى.
لجأت واشنطن إلي استخدام القوة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، غزوات، ضربات جوية، وجود عسكري طويل الأمد، وعمليات دعم طرف محلّي في صراعات محلية.
عمدت إلي فرض العقوبات الاقتصادية والضغوط الاقتصادية، عبر عقوبات وتقييد التجارة والاستثمار، وتبعاتها على معيشة المدنيين واستقرار دول المنطقة.
دعمت صراعات إقليمية وتوازنات القوة في المنطقة من خلال تمويل أو تزويد أسلحة لجهات متنازعة، وتوجيه سياسات الحلفاء للدفع باتجاه مصالح محددة.
دفعت سياسات الطاقة والاقتصاد إلي التحكم في سوق النفط وأسعار الطاقة، وتوجيهات في شأن موارد الطاقة والموارد الذهنية الاقتصادية للدول المعنية.
ساهمت تلك التدخلات في تعميق الانقسامات الطائفية خاصة بعد غزو العراق في عام 2003، مع صعود الجماعات المتطرفة، كالقاعدة وداعش نتيجة جزئية لفراغ السلطة، أدي ذلك إلي ملايين القتلى والنازحين عبر العقود!
فالهيمنة الأمريكية فى المنطقة ولدت صراعات وعدم استقرار لا ينتهى لمعظم شعوبها، ودعم الاستبداد على حساب الديمقراطية، واللجوء المتكرر إلى الوسائل العسكرية، والدفاع عن الإفلات من العقاب على حساب القانون والمؤسسات الدولية.
وعلي الجانب الآخر التدخلات الإيرانية وكيف ساهمت في تمزيق دول المنطقة، طهران بنت شبكة ميليشيات للدفاع عن مصالحها وتصدير نفوذها الثوري الشيعي:
في لبنان حزب الله وهو أقوي الأذرع الإيرانية في الخارج أصبح دولة داخل الدولة، شارك في حروب مع إسرائيل، وساهم في تمزيق النسيج اللبناني.
وفي سوريا دعم نظام الأسد بالقوات والميليشيات، مما أطال أمد الحرب الأهلية، وتسببت في أكثر من نصف مليون قتيل، وملايين النازحين.
وفي العراق: دعم الحشد الشعبي وميليشيات شيعية، مما عزز الانقسام الطائفي بين أطياف الشعب المختلفة بعد عام 2003.
وفي اليمن دعمت الحوثيين بالأسلحة والتدريب، مما حوّل النزاع المحلي إلى حرب إقليمية مع دول الخليج، وهجمات على الملاحة في البحر الأحمر.
طهران ترى ذلك دفاعا أماميا ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن النتيجة كانت حروبا بالوكالة أضعفت دول المنطقة، غذّت الطائفية، وأدت إلى دمار اقتصادي وبشري هائل.
و مع تصاعد مثل هذه الديناميكيات – خاصة في ظل الضربات المباشرة المحدودة والردود المتتالية – يبدو أن الشرق الأوسط لم يعد يشهد صراعات تقليدية فحسب، بل أصبح ساحة لإعادة هندسة النظام الإقليمي برمته، حيث تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع طموحات اللاعبين المحليين، وتتحول “حروب الظلال” إلى أداة رئيسية لإدارة التوتر دون الوقوع في حرب شاملة مكلفة.
هذا الواقع الجديد يفرض على الجميع إعادة التفكير في استراتيجيات الردع والحلول السياسية، قبل أن تؤدي التصعيدات المتتالية إلى نتائج غير محسوبة على استقرار المنطقة والعالم أجمع.
وضع الشرق الأوسط الحالي يعكس مناخا متقاطعا بين لا حرب ولا سلام، حيث تتصارع مصالح الولايات المتحدة وإيران على النفوذ في منطقة تتميّز بالتوتر وعدم الاستقرار. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الحرب كخيار محتمل يمسُّ أراضي دول أخرى، في حين تبقى جهود التنمية والشراكة الاقتصادية عالقة بين أمل وتراجع، فكلما حاولت دول المنطقة الدفع نحو مشاريع التنمية والشراكة الاقتصادية، تعود الديناميات الإقليمية إلى دائرة الصراع والصراع على النفوذ، لتعيد المشهد إلى حالة الحرب الخفيّة أو المحتملة، وتثقل كاهل الأمن والاستقرار والموارد الاقتصادية.
---------------------------------
بقلم: د. أحمد حساني
* باحث في الشؤون الإقليمية والدولية






