05 - 05 - 2026

عقيدة «دونرو» وإعادة هندسة النظام البحري العالمي

عقيدة «دونرو» وإعادة هندسة النظام البحري العالمي

لم يعد بالإمكان فهم التحركات الأمريكية في الممرات البحرية العالمية بوصفها استجابات تكتيكية منفصلة، بل باتت تعكس ملامح عقيدة استراتيجية ناشئة، باتت تعرف بـ "عقيدة دونرو"، تسعى إلى إعادة هندسة تدفقات التجارة العالمية ومراكز السيطرة الجيو-اقتصادية، في مواجهة مباشرة مع الصعود الصيني.

وقد تمثل أحدث تجليات هذه العقيدة الأزمة المتصاعدة أخيرا حول قناة بنما، حيث دعمت الولايات المتحدة، إلى جانب عدد من دول أمريكا اللاتينية، موقف بنما في مواجهة ما وصفته بمحاولات صينية «لتسييس التجارة البحرية».

غير أن هذا التطور لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التصعيد، شمل إقصاء شركة صينية من إدارة موانئ استراتيجية على طرفي القناة، بعد حكم قضائي ألغى امتيازًا يعود إلى عام 1997، وسط ضغوط أمريكية متزايدة للحد من النفوذ الصيني في هذا الممر الحيوي.

تكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة إذا ما وُضعت في سياق الأهمية الاستراتيجية لقناة بنما، التي تمر عبرها نحو 5% من التجارة البحرية العالمية، فضلًا عن كونها شريانًا حيويًا لنحو 40% من حركة الحاويات الأمريكية.  

وبذلك، فإن السيطرة على بنيتها التحتية اللوجستية لم تعد مسألة تجارية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الأمن القومي والهيمنة الاقتصادية، لكن التحول الأعمق لا يتجلى في بنما وحدها، بل في الربط المتزايد بين الممرات البحرية الحيوية. فبالتوازي مع التصعيد في أمريكا اللاتينية، يشهد مضيق هرمز - الذي يمر عبره نحو 25% من تجارة النفط العالمية و20% من الغاز الطبيعي المسال - واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه المعاصر.

فمنذ اندلاع الحرب ضد إيران في فبراير 2026، شهد المضيق شبه إغلاق كامل، مع انخفاض حركة الناقلات بنسبة وصلت إلى 70% ثم إلى مستويات قريبة من الصفر، وارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 126 دولارًا للبرميل في ذروة الأزمة.

كما أدى الحصار المتبادل بين إيران والولايات المتحدة إلى شلل شبه كامل في تدفقات الطاقة، ما تسبب في اضطرابات واسعة في أسواق الأسمدة والمعادن، وارتفاع أسعار اليوريا بنحو 50% خلال أسابيع قليلة.

هذا التوازي بين «هرمز» و«بنما» ليس عرَضيًا، بل يكشف عن محاولة أمريكية لإعادة رسم خريطة الاختناقات البحرية (Chokepoints)، بحيث يتم تقليص اعتماد الأسواق العالمية—وخاصة الآسيوية—على ممرات غرب آسيا، مقابل تعزيز دور الممرات الواقعة ضمن النفوذ الأمريكي.

في هذا السياق، تبدو أمريكا اللاتينية بمثابة «العمق الاستراتيجي الجديد» لهذه العقيدة. فالدول المنخرطة في البيان الداعم لبنما ليست اختيارًا عشوائيًا، بل تمثل عقدًا حيوية في سلاسل الإمداد العالمية تضمنت غويانا كمنتج صاعد للنفط، وترينيداد وتوباغو كمركز للبتروكيماويات، وكوستاريكا كمنصة لوجستية متقدمة، وباراغواي كحليف سياسي في مواجهة الصين، في حين مثلت بوليفيا الحلقة الأكثر دلالة، إذ تمتلك أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم، وهو معدن حاسم في اقتصاد الطاقة النظيفة. غير أن تعقيدات الاستخراج والنقل، إلى جانب اعتمادها على موانئ تشيلي، تجعلها بحاجة ماسة إلى بنية لوجستية مستقرة، وهو ما يفسر انخراطها في الترتيبات الأمريكية الجديدة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد التاريخي لهذا التحول، فمنذ إعلان عقيدة كارتر عام 1980، اعتبرت الولايات المتحدة أن أمن منطقة الخليج العربي مصلحة حيوية تستدعي التدخل المباشر. غير أن ما نشهده اليوم هو تراجع ضمني عن هذا الالتزام، يقابله انتقال مركز الثقل الاستراتيجي نحو نصف الكرة الغربي.

كما ينسجم هذا التحول مع معطيات القوة الصينية، حيث تشير تقديرات إلى أن بكين تمتلك أو تدير أو تؤثر في عشرات الموانئ حول العالم، بما في ذلك شبكة متنامية في أمريكا اللاتينية. وفي هذا الإطار، يصبح الصراع على الموانئ والبنية التحتية اللوجستية امتدادًا مباشرًا لمبادرة «الحزام والطريق»، التي تسعى الصين من خلالها إلى إعادة تشكيل طرق التجارة العالمية.

غير أن ما يميز المرحلة الحالية هو انتقال الصراع من مستوى «النفوذ الاقتصادي» إلى مستوى «إدارة الاختناقات البحرية». فبينما تسعى الصين إلى توسيع حضورها في الموانئ، تعمل الولايات المتحدة على التحكم في تدفقات التجارة نفسها، سواء عبر الحصار أو إعادة توجيه المسارات، أو إعادة توزيع مراكز العبور. ومن هنا، يمكن قراءة ما بات يعرف بـ «عقيدة دونرو» باعتبارها محاولة لإعادة بناء النظام البحري العالمي على أسس جديدة، حيث لم تعد حرية الملاحة مبدأً مجردًا، بل أصبحت أداة قابلة لإعادة التفسير والتوظيف وفقًا لموازين القوة.

على المدى القصير، يؤدي هذا التحول إلى حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار، تتجلى في تعطّل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف التأمين البحري، وتزايد المخاطر الجيوسياسية. أما على المدى الطويل، فقد يفضي إلى نظام عالمي متعدد الممرات، تتقاسم فيه القوى الكبرى السيطرة على عقد التجارة بدلًا من إدارتها بشكل مشترك.

وفي هذا السياق، لم تعد الولايات المتحدة «حارسًا للنظام البحري»، بل أصبحت طرفًا يعيد صياغته. كما لم تعد الصين مجرد منافس اقتصادي، بل تحولت إلى قوة بحرية تسعى لكسر احتكار الغرب لمسارات التجارة. إننا، ببساطة، أمام لحظة إعادة تأسيس للنظام البحري العالمي، حيث تُعاد كتابة قواعد القوة، ليس في البحار فحسب، بل في بنية الاقتصاد الدولي ذاته.
-----------------------------------
بقلم: د. طه علي أحمد


مقالات اخرى للكاتب

عقيدة «دونرو» وإعادة هندسة النظام البحري العالمي