لم يعد خافيًا على أحد أن سياسات الحذف والمنع التي تنتهجها بعض المؤسسات الإعلامية الحكومية أصبحت عبئًا ثقيلًا على المشهد الإعلامي، بدلًا من أن تكون وسيلة لضبطه أو الارتقاء به. فبدلًا من مواجهة القضايا بشفافية وطرحها للنقاش العام، يجري في كثير من الأحيان اللجوء إلى إخفائها أو اجتزاء أجزاء منها، وكأن الجمهور لم يعد قادرًا على التمييز أو الوصول إلى الحقيقة عبر مصادر متعددة.
هذه المقاربة لم تعد صالحة في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، حيث أصبحت محاولات الحجب أشبه بمحاولة حجب الشمس بغربال. بل إن هذه السياسات تأتي بنتائج عكسية، إذ تفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات، وتُفقد المؤسسات الرسمية مصداقيتها تدريجيًا أمام الرأي العام. فالجمهور حين يشعر بأن هناك ما يُخفى عنه، يبحث بطبيعته عن بدائل، وغالبًا ما يجدها في مصادر غير موثوقة.
الإعلام، في جوهره، ليس أداة للتوجيه الأحادي أو التعبئة، بل مساحة للنقاش وتبادل الرؤى. وعندما تتحول المنصات الإعلامية إلى أبواق تنقل رواية واحدة دون غيرها، فإنها تفقد دورها الحقيقي كجسر بين الدولة والمجتمع. الأسوأ من ذلك أن غياب التعددية في الطرح يخلق فجوة بين ما يُقال رسميًا وما يعيشه الناس فعليًا، وهو ما يعمق أزمة الثقة.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في هذه السياسات، ليس فقط من باب تحسين الصورة، بل من أجل بناء إعلام قوي قادر على المنافسة والتأثير. الإعلام الذي يخشى طرح الأسئلة الصعبة، أو يتجنب القضايا الجدلية، هو إعلام محكوم عليه بالتراجع، مهما امتلك من أدوات أو إمكانيات.
ورغم هذا المشهد المرتبك، يبقى الأمل قائمًا في إحداث تحول حقيقي. فالتفاؤل لا يزال معقودًا على دور وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، في إعادة ضبط البوصلة الإعلامية، والابتعاد عن نهج التعبئة والتوجيه، لصالح نهج يقوم على الحوار والانفتاح. المطلوب ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل تغيير في الفلسفة التي تحكم العمل الإعلامي.
إن فتح المجال أمام الآراء المختلفة، وقبول النقد، لا يُضعف الدولة كما يعتقد البعض، بل يعزز من قدرتها على التماسك والتطور. فالمجتمعات التي تسمح بتعدد الأصوات، هي الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأنها تعتمد على وعي جماعي لا على صوت واحد.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة لإطلاق منصة رسمية تابعة لوزارة الدولة للإعلام، تكون بمثابة مساحة تفاعلية لمعالجة القضايا الإعلامية المختلف عليها. منصة تتيح النقاش، وتعرض وجهات النظر المتباينة، وتضع الجمهور في قلب الحدث بدلًا من إقصائه. مثل هذه الخطوة يمكن أن تمثل بداية حقيقية للحد من سياسات الحذف والمنع، واستبدالها بسياسات أكثر نضجًا وواقعية.
في النهاية، لا يمكن بناء إعلام قوي على أساس الإخفاء، ولا يمكن كسب ثقة الجمهور عبر التعتيم. الطريق الوحيد هو الشفافية، والحوار، والاعتراف بأن الاختلاف ليس خطرًا، بل ضرورة.
----------------------------------------
بقلم: إبراهيم خالد






