خرج علينا إيهود يعاري بمقال عاري حول الانتخابات المحلية الفلسطينية 2026، بوصفها انتصارا باهتا، ومُحاطٌ بإشارات الخطر الأحمر بعناية فائقة، فأجده نموذجاً كلاسيكياً للتحليل الإسرائيلي الذي يحاول تحويل انتصار واضح لفتح والسلطة الفلسطينية إلى "انتصار مشوب بالخدوش"، بهدف تعزيز الرواية الصهيونية القائلة بـ"التدهور البطيء" للسلطة. لكن الحقائق الميدانية والأرقام الرسمية من لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية تفحم هذا التحليل تماماً.
فنجد أن الانتصار الواضح لفتح ليس "شكلياً" بل سياسياً وتنظيمياً، فقد فازت في معظم المدن الكبرى، وهي الخليل رغم التنافس العائلي الشرس بين الجعبري والقواسمة، ونابلس ورام الله وطولكرم وسلفيت والبيرة، وجنين ، حيث حصدت 6 مقاعد من 15 مقعدا متعادلة مع قائمة مستقلة. وشكلت 197 مجلساً بالتزكية عبر توافقات مع فصائل وطنية وعشائر، وهذه ليس "صفقات مشبوهة" كما يصور يعاري، بل قدرة تنظيمية عالية وإدارة ناجحة للتوازنات المحلية في بيئة معقدة.
في دير البلح، الرمز الوحيد في غزة، قائمة "النهضة" المدعومة من فتح حصدت 6 مقاعد من 15 مقعدا، بينما القائمة المحسوبة على حماس "دير البلح توحدنا" أو "السلام والبناء" حصلت على مقعدين فقط، هذا تفوق واضح، رغم أن الانتخابات كانت رمزية و هذا ليس "حفاظاً على الصدارة بصعوبة"، بل فوز واسع أعلنته فتح باستفتاء شعبي على نهجها الوطني و صحيح أن النزوح و الدمار والسجل الانتخابي القديم الذي لا يعكس واقع ما بعد الحرب أثر جزئيا، لكن الربح الأكبر يأتي في الصمود و الإصرار، أما عن تفكيك الخدوش التي يبالغ فيها يعاري، تمثل نسبة المشاركة، 56% في الضفة الغربية، مشابهة تماماً للانتخابات السابقة 2012 و2017 و2022)، و522 ألف ناخب شاركوا. و في دير البلح 23% فقط، وهذا طبيعي تماماً بسبب النزوح الجماعي و الدمار، والسجل المدني القديم الذي لا يعكس الواقع بعد الحرب. يعاري يحول هذا إلى "انعدام ثقة"، بينما هو في الواقع دليل على صمود الشعب الفلسطيني الذي خرج للتصويت رغم كل الظروف القاسية.
ولو نظرنا إلى جنين والتمرد الداخلي، فهناك منافسة محلية قوية، وفتح حصلت على 6 مقاعد متعادلة مع مستقلين، هذا ليس تغلب التنظيم المسلح كما يدعي، بل تعبير طبيعي عن ديناميكية محلية في منطقة شهدت توترات، وأدارت السلطة الأمر بنجاح، ولم يحدث انهيار، بالرغم أن التمرد داخل فتح كان يراهن علي جنين نموذجاً أخطر من حماس، والتيار المستقل يرفض السلطة وحماس معاً. أما في غزة، رمزية دير البلح فصمدت فتح أمام الائتلافات المستقلة.
وأما الخسائر أمام قوائم داخل فتح، هذا أمر إيجابي وليس سلبياً يعكس حيوية داخل الحركة، وتنافساً ديمقراطياً محدوداً، وليس خطراً يهدد أبو مازن من الداخل، و في أي نظام سياسي، المنافسة الداخلية صحية إذا بقيت تحت سقف التنظيم الواحد.
أما استبعاد حماس، لأنها قاطعت الانتخابات رسمياً بسبب شروط المرسوم الرئاسي، ولم تقدم قوائم. وهكذا محاولة يعاري تصوير ذلك كتدخل أمني قسري يخفي الحقيقة، و حماس اختارت المقاطعة، والشعب في دير البلح رفض قوائمها المحسوبة عليها بأغلبية واضحة.
والحقيقة التي يتجاهلها يعاري عمداً من منظور إسرائيلي يريد رؤية تآكل بطيء للسلطة ليبرر الاستمرار في الاحتلال والاستيطان. لكنه يتجاهل: - إجراء الانتخابات في ظل حرب إبادية على غزة، وتضييق مالي إسرائيلي، واحتجاز أموال المقاصة، ومع ذلك نجحت السلطة في تنظيم عملية انتخابية نزيهة نسبياً، إن إجراء الانتخابات في دير البلح لأول مرة منذ 2007 هو صفعة وطنية لمخططات فصل غزة عن الضفة، وتأكيد على وحدة المسار السياسي الفلسطيني.
- إن ظهور تيارات مستقلة يعكس نضجاً سياسياً، وليس بالضرورة "سخطاً مزدوجاً" يفتح الباب لحماس. والشارع الفلسطيني يرفض الفساد والعجز، لكنه أيضاً يرفض مغامرات 7 أكتوبر التي يراها البعض دمرت غزة.
ومازلنا في انتظار نوفمبر 2026 فهو ليس اختباراً أصعب بل فرصة، فالرئيس أبو مازن أعلن انتخابات المجلس الوطني في 1 نوفمبر 2026، في خطوة متقدمة نحو تجديد الشرعية الوطنية. و لكن لابد أن تنتبه السلطة إلي إصلاحات داخلية حقيقية في فتح مثل تجديد الكوادر وصياغة استراتيجية واضحة لإعادة الإعمار ومواجهة الاستيطان وتعزيز الوحدة الوطنية دون تنازلات مبدئية. لكن الانتخابات المحلية أثبتت أن فتح لا تزال الأقوى تنظيمياً، والشعب الفلسطيني لا يزال يثق في المسار المؤسساتي رغم كل الصعاب.
إذن ما وصفه بـ"إشارات تحذير" هو في الواقع دليل على مرونة السلطة الفلسطينية وقدرتها على الصمود والتنظيم في أصعب الظروف. والانتصار لم يكن بالقوة الأمنية فحسب، بل بفضل وعي الشعب الفلسطيني الذي اختار الديمقراطية والاستقرار المؤسساتي على الفوضى، لكن في نفس الوقت يدس الكاتب السم في العسل ليطعن في تعافي فتح الكامل، فسلطة قوية قد تتحول إلى شريك سلام حقيقي، وهذا خطر استراتيجي علي اسرائيل، لذلك يشددون الخصومات المالية بنسبة 20% إضافية لإجبار الاعتماد على إسرائيل؛ وتعزيز السيطرة الأمنية في المخيمات عبر عمليات مشتركة مع أجهزة السلطة المحدودة؛ وبتوسيع الاستيطان الاستراتيجي في C لقطع خطوط التمويل الإخوانية؛ ودعم التيارات المستقلة المعادية لكل من فتح عبر قنوات غير رسمية، والهدف سلطة تتدحرج نحو الفوضى المنضبطة، تحافظ على الهدوء قصير الأمد وتمنع أي إحياء إخواني طويل الأمد، و نعم فازت فتح بانتصار ليس مشروطا بالاستبعاد والصفقات، لكن رغبه ملموسه في استعادة زمام القضية.
أما إسرائيل، بدلاً من التربص بالتطور البطيء، عليها أن تواجه حقيقة أن الشعب الفلسطيني مصمم على بناء مؤسساته رغم الاحتلال، و المقال الإسرائيلي يحاول تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لتبرير استمرار السياسات القمعية، أما الانتخابات المحلية 2026 ليست نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة من التمسك بالحقوق الوطنية عبر الصناديق والصمود معاً.
-----------------------------
بقلم: جورجيت شرقاوي






