04 - 05 - 2026

عيد العمال فى مصر | قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية

عيد العمال فى مصر | قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية

رغم أن العمال المصريين (الطبقة العاملة) لم يكونوا بعيدين عن الحراك العمالى العالمى الذى بدأ فى القرن التاسع عشر للمطالبة بحقوقهم ، والذى نتج عنه اتخاذ الأول من مايو من كل عام كــــ "ذكرى عمالية" تحولت إلى عيد عالمي للعمال، إلا أن الاحتفال بعيد العمال فى مصر لم يدشن رسمياً إلا فى عام 1964م ، وبمقتضى هذه الخطوة المهمة فى تاريخ العمال المصريين أصبح الأول من مايو من كل عام عطلة رسمية ، وأصبح إلقاء رئيس الجمهورية خطاباً سياسياً أمام النقابيين وقيادات العمال بهذه المناسبة تقليداً مستمراً حتى يومنا هذا ؛ فقد ألقى الرئيس "عبد الفتاح السيسى" يوم الخميس الماضى 30/4/2026م بمقر الشركة الوطنية المصرية لصناعات السكك الحديدية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس - شرق بورسعيد خطاب عيد العمال لهذا العام 2026 م، والذى تضمن الكثير من الرسائل الواضحة التى تعكس رؤية الدولة لبناء اقتصاد قوي قائم على الإنتاج والتشغيل والتأهيل ، كما تضمن كذلك الإشادة بدور العمال المحوري في مسيرة التنمية الشاملة .

نعم أقول أن تاريخنا – القديم والحديث – يذخر بتراث كبير يؤكد نضال العمال والطبقة العاملة المصرية ، ولا نبالغ إذا أشرنا إلى أن هناك بعض المؤرخين يُرجع وجود الحركة العمالية المصرية إلى الحضارة المصرية القديمة التى قامت على تقديس العمل وتكريم العمال ، بل أن هؤلاء المؤرخين يقولون بأن المجتمع المصري القديم استحدث نظام العطلة الأسبوعية، وأنه قنن الحقوق العمالية على أساس التضامن الاجتماعي ، وأنه عرف كذلك نظام المدن والتجمعات العمالية (تم اكتشاف ثلاث مدن عمالية تم بناؤها منذ حوالي خمسة آلاف عام).

ومع مرور الوقت، عرفت مصر نظام "طوائف الحرف” وهو نظام يشبه النظم النقابية فى بعض أوجهه ؛ فالطائفة يرأسها "شيخ" يتولى شؤونها وله "نـواب ووكلاء" يعرفون باسم "النقباء". وتدافع الطائفة عن حقوق المنتسبين إليها كما يحدث فى النقابات ، كما أن "الطائفة" تطلق على مجموعة من الناس يعملون فى حرفة واحدة كالنقابة ، وقد ظل هذا النظام حتى 9 يناير1890م ، عندما ألغى بموجب أمر صدر فى ذلك التاريخ بسبب فرض سياسة الحرية الاقتصادية، وتأثر الحرف بسبب الاستيراد الأجنبي من الخارج ، وقد مهد ذلك الإلغاء لظهور نقابات العمال التى تعد وريثاً لنظام طوائف الحرف ؛ فلم يمض وقت طويل حتى تشكلت نقابة عمال السجاير فى مصر عام 1898 م  (وإن كانت نقابة غير رسمية أو غير معترف بها حكومياً ولا تقع تحت مظلة قانون النقابات) .

وفى بدايات القرن العشرين كان العمال المصريون ينظمون فاعليات غير رسمية للمطالبة بحقوقهم وتحسين ظروف العمل، لكن مع مرور الوقت، بدأت تلك الفاعليات الاحتفالية تأخذ طابعًا رسميًا ، وتحديدًا في عام 1924، عندما تم تنظيم أول احتفال رسمي بعيد العمال في مصر تحت رعاية حكومة سعد زغلول باشا ، كما نظم عمال الإسكندرية فى نفس العام احتفالاً كبيراً وساروا في مظاهرة ضخمة حتى وصلت إلى سينما "باريتيه" و ألقيت في ذلك الاحتفال العديد من الخطب .

وقد دخلت الحركة العمالية المصرية فى المسار العالمى الذى اختار الأول من مايو من كل عام للأحتفال بما تم الحصول عليه من حقوق والمطالبة بما لم يحصلوا عليه (هذا اليوم تحتفل فيه ما يقرب من 107 دول بالعالم بنسبة 67% من سكان العالم ) ، وظلت الحركة النقابية المصرية (غير الرسمية) تحتفل بذلك اليوم وتنظم المسيرات والمؤتمرات طوال الثلاثينات والأربعينات من القرن العشريين رغم الصعوبات التى واجهتها ، إلى أن بدأت الانطلاقة لميلاد التنظيمات النقابية الرسمية بصدور أول قانون يعترف بالنقابات فى مصر فى سبتمبر 1942 وهو القانون رقم 85 لسنة 1942.

ومع ثورة يوليو 1952م أخذت تلك المناسبة شكلاً رسميًا كما تقدم ؛ إذ تغيرت مكانة العمال في المجتمع فى ذلك العهد بشكل كبير، فقد اعتبرهم النظام جزءاً أساسياً من تحالف "العمال والفلاحين"، وتم الاعتراف بحقوقهم رسميًا ، وأصبح الأول من مايو إجازة رسمية للدولة، وبدأت الحكومة تنظم الاحتفالات الكبيرة التى يحضرها "رئيس الجمهورية" شخصياً، ويقوم خلالها بإلقاء خطاب سياسي مهم يُبرز فيه دور العمال في بناء الدولة والاقتصاد الوطني، كما كان يتم تكريم " العمال المثاليين" وتوزيع الجوائز عليهم ، ومن هنا تحول عيد العمال في مصر في الستينيات إلى أداة ومنصة وغاية سياسية وفرصة للدق على أوتار المجتمع المصري الحساسة ؛ إذ خاطب الرئيس "جمال عبد الناصر" العمال  بــــــ " أمل الأمة" و" العمود الفقري لمسيرة الإنتاج" و"القوة الطليعية في قوى الشعب العاملة" ، وتم  خلال تلك الفترة ترسيخ "منحة عيد العمال" .

وفى بداية حكمه سار الرئيس " السادات " على النهج نفسه ، فكان يلتقى بالعمال في عيدهم، ويخاطبهم بــكلمات مثل : "بناة مصر" و"أشرف معركة للبناء"، لكن الأمر اختلف مع سياسة الانفتاح الاقتصادى التى انتهجها ، والتى تبعها ظهور بعض التوترات بسبب تغير سياسات السوق ، وفى تلك المرحلة بدأت بعض التحركات العمالية المستقلة بالظهور، وإن ظل الاحتفال الرسمي قائماً.

وقد شهدت المرحلة اللاحقة على الانفتاح الاقتصادى ، وخاصة فى عهد الرئيس "محمد حسنى مبارك" نوعاً من الروتين في احتفالات عيد العمال، حيث كانت معظم الخطابات رسمية وتقليدية، ومع تزايد الخصخصة وظهور البطالة، زادت الاحتجاجات العمالية، لكن الاحتفال الرسمي ظل قائمًا من خلال الاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

وفى  عهد مبارك – أيضاً - أصبح خطاب عيد العمال يلقى في مراكز المؤتمرات ، بعيداً عن سقف المصنع ، وأصبحت الهتافات بطول عمر الرئيس و"المنحة يا ريس" تصدح تحت قبة القاعة، لا سقف المصنع. ومع بدء تفعيل سياسة الخصخصة أصبح الرئيس يزور بعض المصانع الخاصة، ويلتقي بأصحابها من رجال الأعمال، والعاملين فيها من عمال القطاع الخاص.

أما بعد ثورة 25 يناير2011م ، وموجتها الثانية فى 30 يونية 2013م ، فقد اكتسبت الاحتفالات بعيد العمال طابعاً جديداً؛ إذ بدأت تظهر أصوات عمالية مستقلة، ونُظمت احتفالات بديلة بعيداً عن الفعاليات الحكومية الرسمية، مطالبة بحقوق أوسع مثل إنشاء نقابات مستقلة وتحسين ظروف العمل، لكن الدولة عادت فى السنوات الأخيرة لتؤكد على أهمية عيد العمال من خلال احتفالات رسمية كبيرة يحضرها رئيس الجمهورية، ويتم خلالها تكريم العمال والتأكيد على دورهم في التنمية ومشروعات الدولة الكبرى.

من هنا نجد أن هذه المناسبة (أول مايو) قد مرت بتحولات كبيرة، عكست في كل مرحلة منها ملامح العلاقة بين الدولة والطبقة العاملة، وكانت مرآة للتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ؛ فمن مرحلة رفع الشعارات العمالية، إلى مرحلة التأكيد على دور العمال في بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تبرز فيها الدولة أهمية العمال في دعم مشروعات التنمية القومية الكبرى.

وإذا ما اتجهنا إلى مستقبل الاحتفالات بعيد العمال فى مصرنا الحبيبة ، نجد أنه سيصبح فرصة لقراءة التحولات الهادئة التي طرأت على سوق العمل خلال السنوات الأخيرة، فمع توسع استخدام التكنولوجيا الرقمية، تغيرت طبيعة الوظائف، وتبدلت المهارات المطلوبة، وظهرت أنماط عمل جديدة لم تكن مطروحة من قبل، وبينما تراجعت بعض الأدوار التقليدية، برزت مجالات أخرى قائمة على المعرفة والابتكار، كما نجد أيضاً  أن هذا الأمر يفرض إعادة النظر في مفهوم العمل ذاته، وحدود العلاقة بين العامل وسوق التوظيف في سياق اقتصادي يتغير بشكل مستمر؛ ذلك أن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد رصد تغيرا جوهريا في توجهات القوى العاملة ، تمثلت فى انخفاض نسبة الباحثين عن وظائف إدارية تقليدية بنحو 12%، مقابل زيادة بنسبة 45% في الإقبال على البرامج التقنية.

كما أكدت بيانات وزارة الاتصالات نجاح خطة "بناء الإنسان المصري رقميا" في مضاعفة عدد المتدربين من 125 ألفا في 2022 إلى 250 ألف متدرب سنويا في 2026، ولم يكن التحول في عقلية العامل المصري وليد الصدفة، بل كان نتيجة تغيير جذري في فلسفة التعليم العالي؛ حيث شهدت الفترة من 2019 إلى 2026 التوسع في إنشاء الجامعات التكنولوجية التي قدمت نمطا تعليميا يجمع بين 20% نظري و80% تدريب عملي بالتعاون مع الشركاء الصناعيين، مما ساهم في تغيير النظرة المجتمعية للتعليم الفني.

والخلاصة أن علينا جميعاً فى ظل هذه الذكرى أن نرسل تحية إجلال وتقدير لكل يد تبني ولا تهدم ، تحية إجلال وتعظيم للعامل المصرى مؤكدين أن هذا العامل ليس ترساً في ماكينة، بل هو روح الماكينة نفسها ، تحية إجلال وتعظيم إلى فلسفة ذلك العامل وهى فلسفة "اللقمة الحلال" ، تحية إجلال وتقدير لهذا العامل المحافظ على سعادة المجتمع المصرى وتطوره من 7000 سنة ، تحية إجلال وتقدير لهذا العامل بانى الأهرامات بيديه ، تحية إجلال وتقدير لهذا العامل حافر قناة السويس بدمه ، ولا يفوتنا فى النهاية أن نقول "كل سنة وكل عامل مصري ، وكل ست مصرية بتشتغل وتشقى ، وكل شاب مصري بيجري على أكل عيشه" بخير.
-------------------------------------
بقلم: د. مصطفى يونس أحمد


مقالات اخرى للكاتب

عيد العمال فى مصر | قراءة تاريخية ورؤية مستقبلية