في الأسبوع الماضي عرضنا أحد أوجه هندسة الدم على الطريقة الصهيونية وهذا الأسبوع نعرض وجها آخر.
في القاموس الأمني الإسرائيلي، لا توجد حرية حقيقية لمن اجتاز بوابات المعتقلات عائداً إلى الحياة.
"السجن كغرفة انتظار ، هندسة الموت للأسرى والمحررين"
هذا البُعد يمثل واحدة من أعقد الزوايا وأكثرها قسوة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
الإستخبارات الإسرائيلية ترى أن الإفراج عن الأسير الفلسطيني سواء بانتهاء محكوميته أو عبر صفقات التبادل، هذا لا يعني إغلاق ملفه، بل هو في كثير من الأحيان مجرد "تأجيل لتاريخ التنفيذ"، وتغيير لمسرح العملية من داخل الجدران إلى خارجها.
الأجهزة التي احترفت هندسة الموت خارج الحدود، طورت على مدار عقود فلسفة موازية يمكن تسميتها بـ "الاغتيال المؤجل" أو "الموت البطيء".
هندسة لا تكتفي باحتجاز الجسد، بل تصر على مطاردته حتى بعد أن يتنفس هواء الحرية، ليتحول العالم كله إلى زنزانة كبرى بلا أسوار.
إن تتبع مسار الاستهداف الإسرائيلي للأسرى والمحررين يكشف عن استراتيجية ذات مسارين ، الأول يُنفذ بدم بارد وبلا ضجيج داخل السجون، والثاني يُنفذ بالرصاص والمسيرات في شوارع العواصم، وكأن قرارات المحاكم العسكرية أو صفقات التبادل ليست سوى استراحات تكتيكية قبل استئناف القتل.
**أولاً: مقصلة السجان .. الاغتيال الأبيض داخل المعتقلات**
قبل أن نتحدث عن الاغتيال الصاخب بالصواريخ والمتفجرات، يجب التوقف أمام "الاغتيال الأبيض"؛ ذلك الذي يُنفذ بأدوات ناعمة لا تترك خلفها شظايا أو أدلة جنائية تقليدية.
تمارس إدارة السجون الإسرائيلية سياسة "الإهمال الطبي المتعمد" كأداة تصفية منهجية ضد قيادات الحركة الأسيرة.
هذه السياسة حصدت أرواح العشرات، ولم تكن حالات استشهاد قادة ومفكرين مثل "ميسرة أبو حمدية" (2013)، و"ناصر أبو حميد" (2022)، و "وليد دقة" (2024)، و"رياض العمور (2026)، وغيرهم الكثير ، لم تكن سوى اغتيالات مع سبق الإصرار.
فقد تُركت أجسادهم تنهشها الأمراض دون تدخل طبي حقيقي، في رسالة ردع قاسية مفادها أن السجن ليس فقط لسلب الحرية، بل لتفكيك البنية البيولوجية للأسير. وفي مسار موازٍ، كان اغتيال "خضر عدنان" (2023) بعد إضراب عن الطعام، بمثابة قرار إعدام صامت اتخذته أعلى المستويات الأمنية لكسر إرادة "الأمعاء الخاوية" التي أحرجت المنظومة الإسرائيلية.
**ثانياً متلازمة "الباب الدوار" الملاحقة داخل الوطن**
حين ينجح الأسير في كسر القيد، سواء عبر انتهاء مدته أو من خلال صفقات تبادل الأسرى (مثل صفقة وفاء الأحرار 2011)، تبدأ المرحلة الثانية من العقيدة الإسرائيلية وهى تحويل الأسير المحرر إلى "هدف مشروع متجول".
الأجهزة الأمنية لا تغفر لمن أجبرها على التنازل في طاولات التفاوض. لذا، تلجأ إسرائيل إلى تتبع المحررين واغتيالهم داخل الأراضي الفلسطينية عبر عملاء تابعين للموساد والشاباك .
**ثالثاً اختراق السيادة .. استهداف المحررين في المنافي**
الرعب الحقيقي في العقيدة الإسرائيلية يتجلى عندما ينتقل الأسير المحرر إلى الساحات الخارجية ليتحول إلى "محور ارتكاز" يربط الداخل بالخارج.
هنا، تسقط كل الاعتبارات الدبلوماسية والحدود السيادية.
في عام 2016، استيقظ العالم على جريمة اغتيال "عمر النايف"، الأسير المحرر الذي تم استهدافه داخل حرم السفارة الفلسطينية في بلغاريا. لم تكن العملية مجرد تصفية جسدية، بل كانت انتهاكاً مركباً لسيادة دولة أوروبية وللحصانة الدبلوماسية، لتأكيد أن ذراع الموساد تستطيع اختراق أقصى درجات الحماية.
وتصل هذه السياسة إلى ذروتها في عمليات الاستهداف الاستراتيجي، كما في لبنان خلال عمليات عديدة على مدار السنوات ودول آخرى، لأنها تدرك خطورة الخروج إلى الفضاء الإقليمي المفتوح.
**وهم الحرية.. والدوامة المستمرة**
إن القراءة الفاحصة لهذا الملف تؤكد أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية لا تعترف بمفهوم "طي الصفحة".
فكل أسير فلسطيني يتم تصنيفه بناءً على وزنه النوعي، وبمجرد خروجه، ينتقل من خانة "المعتقل" إلى خانة "الهدف المؤجل" على لوحات التصويب في مقر الاستخبارات.
تُدار هذه السياسة بعقلية لا تكتفي بفرض الهيمنة، بل تسعى لكيّ الوعي الفلسطيني الممتد، ليجد الأسير المحرر نفسه دائماً بين مطرقة الملاحقة المستمرة ووهم الحرية الزائفة خارج أسوار السجن.
إنها استراتيجية تعكس أزمة كيان يدرك في قرارة نفسه أن السجون لم تفلح يوماً في كسر الإرادات، وأن من تخرجوا من "أكاديميات العتمة" باتوا أشد خطراً عليه في ساحات النور، مما يجعله في حالة استنفار أبدي، يطارد ظلال من ظن يوماً أنه اعتقلهم.
-------------------------------
بقلم: حاتم نظمي






