02 - 05 - 2026

في عصر "ديكتاتورية الثرثرة" | كيف يتواطأ الجهل والسياسة على تغييب التاريخ؟

في عصر

تجاهل التاريخ؛ تاريخ الحضارات والديانات والثقافات والأفكار ـ من حضارات وادي النيل وبلاد الرافدين إلى التجربة الأندلسية، ومن تحولات الإمبراطوريات الكبرى إلى الحروب التي أعادت رسم خرائط العالم مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية ـ كل هذا يُدفع إلى الهامش لصالح قراءة مبتورة للحظة الراهنة، هذا التجاهل في الفضاء الإعلامي السياسي تحديدا في وقتنا الراهن وأحداثه وحروبه المدمرة، أبدا ليس مجرد تجاهل عابر، بل تحول إلى ما يمكن تسميته بـ "الاستئصال السياقي"؛ أي اقتلاع الأحداث من جذورها، والتعامل معها كوقائع معزولة بلا ماضٍ يفسرها ولا سياق يضيء دلالاتها.

لقد دفعت الأحداث الحالية الكثيرون إلى التجاهل العمدي للتاريخ بل إلى السخرية منه والاستهزاء به، ربما لجهلهم أو لأغراض سياسية مدفعوعة الأجر أو بدافع الوطنية الزائفة.. والنتيجة فصل الحاضر عن ماضيه، ليفقد هذا الحاضر قدرته على أن يكون مفهوماً، ويصبح مجرد عبث ومادة للاستهلاك السريع.

هذا الخلل يعود إلى هيمنة نمط تحليلي يختزل الإنسان في فاعل عقلاني، ويختزل الدول في معادلات قوة: اقتصاد، سلاح، تحالفات. في هذا الإطار، تُستبعد عناصر مثل الهوية والثقافة والذاكرة التاريخية لأنها لا تُقاس بسهولة. لكن ما لا يُقاس لا يعني أنه غير موجود؛ بل هو في كثير من الأحيان العامل الحاسم. ولهذا تفشل هذه التحليلات مراراً في تفسير التحولات الكبرى أو توقع حروب والانفجارات الشعبية.

إلى جانب هذا الاختزال، تبرز نزعة ذرائعية تتعامل مع التاريخ بوصفه عبئا. فالتاريخ ليس مجرد سرد، بل سجل للوعود المنقوضة والتجارب الفاشلة. إنه يملك عناد الوثيقة الذي يفضح الروايات الجاهزة، ولذلك لا يُهمَل مصادفة، بل يُقصى عمداً أو يُعاد تشكيله. ويكفي أن تُستدعى أحداث مفصلية مثل اتفاقية سايكس بيكو لا بوصفها لحظة تأسيسية في تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل كإشارة عابرة أو شعار فضفاض يُستحضر عند اللزوم ويُغيب عند الإحراج، لندرك كيف تُدار الذاكرة لا بوصفها وعياً، بل بوصفها أداة. فالاتفاقية هنا لا تُقرأ في سياقها الكامل ـ امتداداً لتوازنات الإمبراطوريات، وانهيار الدولة العثمانية، وبدايات إعادة هندسة المجال العربي بل تُختزل إلى لحظة خيانة مجردة، أو تُفرغ تماماً من مضمونها حين تُناقش خرائط الحاضر.

بهذا الاستخدام الانتقائي، لا يُعاد استدعاء التاريخ، بل يُعاد توظيفه: يُستحضر حين يخدم خطاباً معيناً، ويقصى حين يربك السردية السائدة. وهنا تحديداً تتجلى آلية الاستئصال السياقي في أنقى صورها؛ إذ لا يُمحى الحدث، بل تُمحى علاقاته، وتُفكك جذوره، ويُعاد تقديمه كقطعة منفصلة قابلة لإعادة التركيب وفق الحاجة. هكذا لا يُفهم الواقع، بل يُعاد إنتاجه على هيئة سردية منزوعة الأصل، تبدو مكتملة في ظاهرها، بينما هي في حقيقتها مبتورة من جذورها. إن هيمنة نماذج تحليلية مأجورة على التحليل السياسي تعمد إلى سياقات غربية استعمارية سعت إلى تجاوز صراعات الهوية بعد الحرب العالمية الثانية، تسهم في تشويه التاريخ. هذه النماذج تسعى إلى أن تُطبق الأفكار الاستعمارية حرفياً على مجتمعات لا تزال الهوية فيها قوة فاعلة، لكن النتيجة دائما قراءات مبتورة، لأنها ببساطة لا ترى ما لا تعترف به أدواتها.

حين يُفصل شعب عن ذاكرته، أو يُقنع بأن تاريخه لا وزن له، أو يُقنع بأن تاريخه مجرد أكاذيب وضلالات. هنا يشكل تغييب التاريخ جزءاً من عملية أوسع يمكن وصفها بهندسة الوعي. فمع هذا الشعور، يصبح الشعب أكثر قابلية للانقياد، وأقل ميلاً إلى مساءلة الواقع أو مقاومته.

تحليلات تبدو منطقية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تنهار أمام تعقيد الواقع. كما تتسع الفجوة بين الخطاب النخبوي والجمهور: الأول يتحدث بلغة المصالح، والثاني يتحرك بدوافع الهوية والذاكرة. ومع غياب البعد التاريخي، تضيع أيضاً المسؤولية الأخلاقية، إذ تتساوى الوقائع في ميزان  الواقعية، ويُمحى الفارق بين الفعل وتبعاته. لكن الخطر لا يقف عند حدود التحليل، بل يمتد إلى مشروع أعمق يستهدف إعادة تشكيل الإنسان نفسه. نحن أمام نزعة تسعى إلى سلب الشعوب من تاريخها وتحويلها إلى كيانات كتل استهلاكية ووحدات قابلة للتنميط.

في قلب هذا المشروع تقف فكرة الإنسان العالمي النمطي: إنسان منزوع الجذور، لا تربطه بالأرض ذاكرة تاريخية، ولا تحكم ذائقته تقاليد، ولا تحميه حضارة أو هوية. كلما ضعفت الصلة بالماضي، سهل تشكيل الحاضر وفق قوالب جاهزة. ولتحقيق ذلك، لا يُلغى التاريخ بالكامل، بل يُفرغ من مضمونه. تُختزل الحضارات إلى صور وأزياء، وتُقدَّم الثقافة بوصفها فلكلوراً للعرض، لا إطاراً للفهم أو مصدراً للقيم. هكذا يتحول التراث من قوة حية إلى ديكور، ومن مرجعية إلى مادة استهلاكية.

يتعزز هذا كله في ظل ما يمكن تسميته "ديكتاتورية الثرثرة". حيث لم يعد المجال العام فضاءً للأفكار، بل ساحة للضجيج، تابع مثلا ثرثرات ترامب وجعجعاته التي لا تتوقف ليل نهار، القيمة لم تعد فيما يقول، بل في مدى انتشاره. حتى تحولت السياسة نفسها بسبب استعراضاته البهلوانية إلى عرض ترفيهي، وللأسف تؤخذ سفاهاته وتوضع محل للتحليلات على الشاشات، وهكذا تُفضل الإثارة على الفهم، والشعار على التحليل.

في هذا المناخ، يصبح التاريخ غير مرغوب فيه، لأنه معقد، ويبطئ الإيقاع، ويُفسد بساطته الزائفة. لذلك يُستبدل بسيل من الرسائل السريعة، التي تستهلك الانتباه دون أن تبني وعياً. ومع تكرار هذا النمط، يصل المتلقي إلى حالة من الإرهاق المعرفي، تجعله أقل قدرة على التمييز، وأكثر استعداداً لتلقي أي سردية جاهزة.

لكن لا يمكن إعفاء الجمهور من المسؤولية هنا. فقبول المعرفة السريعة والمبتسرة، والانسياق وراء  التريند، يسهمان في تكريس هذه الحالة. هكذا يتشكل نوع من التواطؤ غير المباشر، حيث يُعاد إنتاج السطحية لأنها مطلوبة وسهلة الاستهلاك. وفي المقابل، يتراجع دور المؤسسات الثقافية التي يفترض أن تحمي الذاكرة وتغذيها، تحت ضغط منطق السوق والعائد السريع. ومع هذا التراجع، يبقى العبء الأكبر على المبادرات الفردية والمثقفين الذين يحاولون، بصمت، إعادة وصل الحاضر بجذوره. وهؤلاء لا يستدعون الماضي بدافع الحنين، بل باعتباره ضرورة. فالتاريخ ليس ترفاً معرفياً، بل شرطا للفهم. ومن دون هذا الشرط، يصبح الحاضر هشاً، قابلاً لإعادة التشكيل في كل لحظة.

يبقى أن نؤكد أنه قد يُحجب التاريخ، وقد يُشوَّه، وقد يُدفع إلى الهامش، لكنه لا يختفي. يظل كامناً، في اللغة والعادات والوجدان، في انتظار لحظة يعود فيها إلى الواجهة، لا بوصفه ماضياً يُستعاد، بل قوة تفسر الحاضر وتمنح المستقبل معنى.
---------------------------------
بقلم: محمد الحمامصي


مقالات اخرى للكاتب

في عصر