يُظهر التأمل في أدبيات الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع المقارن أن تحليل البؤس الاقتصادي والاجتماعي في الشرق الأوسط لم يعد مجرد تمرين وصفي، بل بات اختبارًا حقيقيًا لمدى صلاحية النماذج النظرية الكبرى في تفسير الواقع المركب؛ إنه مختبر إبستيمولوجي تتكشف فيه حدود المقولات التي صيغت في سياق التحديث الأوروبي حين تُسقط على تشكيلات اجتماعية هجينة، ليست رأسمالية خالصة ولا تقليدية صرفة.
فمنذ القرن التاسع عشر، قدَّم كارل ماركس إطارًا تحليليًا يربط بين أنماط الإنتاج وأشكال التفاوت، معتبرًا أن الاختلالات البنيوية في توزيع الثروة هي المحرك العميق للأزمات الاجتماعية؛ حيث تتحول "الضرورة العمياء" لقوانين التراكم أو قوانين القيمة - التي تفرض نفسها على الفاعلين الاجتماعيين بقوةٍ مستقلة عن إرادتهم - إلى "ضرورة تاريخية" لا تنكشف إلا بفعل جدل القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، بيد أن السؤال الفلسفي الذي يظل مفتوحًا هو: هل تشكل هذه القوانين "قيوداً حديدية" لا فكاك منها، أم أنها مجرد ميول واحتمالات يتوقف تحققها على شروط وسيطة؟
على النقيض من هذا التصور الذي يجعل من الكل الاجتماعي موضوعًا للتحليل، طوَّرت التقاليد الليبرالية، من آدم سميث إلى فريدريش هايك، تصورًا منهجيًا مغايرًا ينطلق من الفردية المنهجية ويرى أن الخلل لا يكمن في السوق ذاته، بل في القيود التي تعيق حريته، وفي غياب المؤسسات الضامنة لحقوق الملكية والتعاقد والمنافسة، فحيث تتآكل هذه "القواعد التأسيسية"، ينقلب النظام من "نظام تبادل" يخلق الثروة عبر المنفعة المتبادلة، إلى "نظام امتياز" يعيد توزيع الثروة وفق منطق القوة السياسية.
وهكذا، فالخلاف بين المدرستين ليس مجرد خلاف في السياسات، بل هو خلاف أنطولوجي حول طبيعة الاجتماع البشري: بين تصور يرى أن البنية هي الحقيقة النهائية، وتصور يرى أن الفاعل الفردي هو الأصل، وأن البنى ليست سوى أنماط ناشئة عن التفاعل، قابلة للتعديل المستمر دون حاجة إلى قطيعة كلية.
غير أن التجربة التاريخية المقارنة - من تحولات شرق آسيا الصناعية إلى أزمات أمريكا اللاتينية، ومن انهيارات الاقتصاد الموجه إلى إخفاقات الخصخصة غير المنضبطة - تكشف أن كِلا النموذجين، حين يُطبَّق في صورته النقية أو الأيديولوجية، يعجز عن تقديم تفسير كافٍ أو حل مستدام؛ وذلك لأن كلا النموذجين، في صفائه الأيديولوجي، يقع في مغالطة "الاختزال المؤسسي الأحادي"، متجاهلًا أن الأسواق والمؤسسات والدول ليست كيانات قائمة بذاتها، بل هي "أبنية اجتماعية" يُعاد إنتاجها يوميًا عبر شبكات من الممارسات والتصورات الذهنية. وقد أظهرت دراسات التنمية الحديثة أن الاقتصادات التي نجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة ومستقرة، كما في كوريا الجنوبية وسنغافورة، لم تعتمد لا على السوق الحر المطلق ولا على التخطيط المركزي الصارم، بل على صيغ هجينة جمعت بين دور الدولة التوجيهي وانفتاح السوق التنافسي.
وقد تأكد ذلك من خلال ما صار يُعرف بـ"التكامل المؤسسي": حيث تتعاضد مؤسسات السوق والدولة بدل أن تتناقض، بل إن هذه الصيغ الهجينة تُثبت، كما بيَّنه كارل بولاني، أن السوق لا يمكن أن يعمل كمجال منفصل عن الدولة والمجتمع، فهو بالضرورة مُضمَّن في مؤسسات تنظم عمله وتحمي المجتمع من آثاره، ضمن إطار مؤسسي صارم يحكمه القانون والمساءلة.
وهكذا، يتجاوز الفهم المعاصر للتنمية ثنائية "السوق ضد الدولة" نحو إدراك أن السؤال الحقيقي هو: ما الشروط المؤسسية والمعرفية لحكم تنموي يرتكز على خليط متوازن من التنسيق التنافسي والإداري، في سياق تاريخي محدَّد يعي "الاعتماد على المسار" لتطوره ولا يستطيع القفز عليه؟
وفي هذا السياق، يبدو الشرق الأوسط حالة إشكالية بامتياز؛ إذ لا يعاني فقط من "فشل سوق" أو "فشل دولة"، بل من تداخل معقد بين الاثنين، ليشكلا ما يمكن تسميته "حلقة سببية تراكمية": حيث فشل السوق يضعف قدرة الدولة، مما يعمق فشل الدولة، الذي يعود ليشوه السوق أكثر، فلا يعود بالإمكان عزل "متغير مستقل" و"متغير تابع"، بل يصبح كل عنصر علة ومعلولًا في آنٍ.
وتحت وطأة هذا التداخل، تُقيد الأسواق بشبكات النفوذ، وتُفرغ الدولة من وظيفتها التنموية لصالح إعادة توزيع الريع، فتغدو "دولة مفترسة" تتحول فيها المؤسسات إلى أدوات للاستخراج لا الإنتاج، مما يخلق "توازنًا مؤسسيًا منحرفًا": حالة مستقرة من عدم الكفاءة يعجز الفاعلون عن الخروج منها حتى لو أدركوا تكاليفها. ومن ثم، فإن إعادة إنتاج الانقسام التقليدي بين تفسير ماركسي يختزل الأزمة في منطق التراكم، وتفسير ليبرالي يختزلها في غياب السوق، لا يؤدي إلا إلى ما يشبه "اللاتناسب الإبستيمولوجي" بين نموذجين، يرى كل منهما الواقع بعدسات تشكله مسبقًا. إنهما "نقطتان عمياوان" متقابلتان، تنتجان ما يمكن تسميته مجازًا "ثنائية العمى المتبادل"، حيث تُرى الظاهرة من موقعين متعارضين دون إدراك بنيتها الكلية، لأن البنية الكلية، في حقيقتها، ليست اقتصادية محضة ولا سياسيةمحضة، بل هي نسيج متشابك يذيب الحدود الصلبة بين ما هو "اقتصادي" وما هو "سياسي".
وعليه، فإن الحاجة الملحِّة اليوم ليست إلى ترجيح أحد هذين المنظورين، بل إلى تجاوزهما نحو مقاربة تركيبية يمكن تسميتها "جدلًا تأليفيًا"، لا يكتفي بالتوفيقية التي تجمع عناصر متنافرة دون مبدأ موحد، بل يسعى إلى "حفظهما وتجاوزهما" بمعنى هيجل: نفي محدوديتهما مع الاحتفاظ بلحظتهما الصادقة في كلٍ أكثر اتساعًا. فالمقاربة المطلوبة ليست "حلًا وسطًا"، بل ارتقاء إلى مستوى من التعقيديستوعب التوتر الخلاق بين الدولة والسوق، بين العدالة والحرية، وبين البنية والفعل الإنساني، لا كأضداد متنافية، بل كأقطاب متوترة في "وحدة صراعية" لا تقبل الحل النهائي.
فالبنى، كما علَّمنا بيير بورديو، ليست أقفاصًا حديدية ولا مسارح للفعل الحر، بل هي "بنى مبنينة وبنى بانِية" في آن، تولِّد الممارسات وتتولد منها، مما يعني أن الفعل الإنساني هو "ارتجال منظم" داخل فضاء من الإمكانات القابلة للتوسع، ولذا فالسؤال المركزي لم يعد: أيهما أصح، التفسير الماركسي أم الليبرالي؟ بل أصبح: كيف يمكن بناء نموذج تحليلي وعملي يتجاوز حدودهما معًا؟ إنه سؤال يدعونا إلى "قطيعة إبستيمولوجية"، بالمعنى الذي يقصده جاستون باشلار: الانسلاخ من "العوائق الإبستيمولوجية" التي تجعل وعينا أسير مقولات بالية، والانتقال إلى مستوى إشكالي جديد، حيث لا يُسأل عن "الصحة" في مطلقها، بل عن "الخصوبة الإرشادية" أي قدرة النموذج على فتح آفاق جديدة للفهم وللفعل. وكيف يمكن، استنادًا إلى دروس التجارب المقارنة، تجاوز حالة البؤس البنيوي دون السقوط في أوهام الانفجار الثوري الشامل، القائم على "منطق الكلية" الذي يستحل الحاضر باسم مستقبل طوباوي، كما حذّر ألبير كامو، ولا في اختزال الحل داخل آليات السوق المجردة من سياقها المؤسسي والاجتماعي؟ وهو اختزال يغفل أن السوق نفسه ليس "آلة" طبيعية، بل "مؤسسة مبنية سياسيًا واجتماعيًا"، مما يجعل العودة إلى نقائه المفترض وهمًا لا يقل طوباوية عن وهم نقاء الثورة.
بهذا المعنى، لا يمثل هذا المدخل مجرد تمهيد نظري، بل هو، بالمعنى البراجماتي الذي طوَّره جون ديوي، إعادة صياغة "للموقف الإشكالي": إذ لا يكفي أن نطرح إجابات جديدة عن أسئلة قديمة، بل لا بد من إعادة بناء السؤال ذاته كي يتحول من سؤال "مغلق" يستدعي الاختيار القسري إلى سؤال "مفتوح" يحرر العقل ويُولِّد إمكانيات استكشافية كانت محجوبة.
أولاً: البؤس كبنية مركبة - بين اختلال السوق وتشوه الدولة
تكشف المقاربات المستندة إلى تقاليد كارل ماركس في الاقتصاد السياسي أن البؤس في الشرق الأوسط لا يمكن تفسيره كظاهرة عرضية أو كنتيجة مباشرة لدورات اقتصادية عابرة، بل هو تعبير عن بنية تاريخية متراكمة تتشابك فيها أنماط إنتاج ريعية مع علاقات تبعية للنظام الاقتصادي العالمي، بما يعيد إنتاج التفاوت بصورة دورية ويُضعف القدرة الذاتية للمجتمعات على توليد الثروة المستدامة، فيتحول التفاوت، وفق هذا المنظور، من "نتيجة" عارضة إلى "شرط إعادة إنتاج" للنظام نفسه؛ إنها حلقة من "السببية التراكمية" كما صاغها جونار ميردال، حيث يتغذى الحرمان على نفسه، وحيث يصبح التخلف ذاته "توازنًا منخفض المستوى" يُستعصي على الكسر ما لم تتدخل عوامل خارجية أو صدمات مؤسسية كبرى.
غير أن هذا التفسير، على قوته التحليلية، يظل قاصرًا حين يُختزل في إرجاع الأزمة إلى "منطق الرأسمالية" بوصفه العامل الحاسم الوحيد، متجاهلًا التنوع المؤسسي والتاريخي لتجارب الرأسمالية نفسها؛ ذلك أن "الرأسمالية" ليست جنسًا واحدًا، بل هي، كما بيّنت أدبيات "أصناف الرأسمالية"، تشكيلة من الأنماط المتباينة باختلاف أنماط التنسيق بين الدولة والسوق والمجتمع.
في المقابل، تُظهر الأدبيات الليبرالية المعاصرة، المستلهمة من أعمال دوجلاس نورث ودارون عجم أوغلو، أن الإخفاق التنموي يرتبط بدرجة أساسية بطبيعة المؤسسات، لا بمجرد تبني السوق أو رفضه، فالتجارب المقارنة تؤكد أن غياب "المؤسسات الشاملة" التي تضمن المنافسة العادلة، وتحمي حقوق الملكية، وتحد من تغول النخب، يؤدي إلى "رأسمالية المحاسيب"، وهنا يتحول السوق من "منظومة اكتشاف" تختبر الأفكار والكفاءة، بالمعنى الذي يطرحه هايك، إلى "منظومة استخراج" تجني الريع عبر التموضع السياسي لا عبر الإنتاج والابتكار.
في هذا السياق، يتضح أن اقتصادات الشرق الأوسط هي تشكيلات هجينة تتداخل فيها الدولة الريعية مع شبكات المصالح الخاصة، فتُحتكر الموارد العامة، وتُقيد حرية الدخول إلى السوق، وتُعاد صياغة القواعد الاقتصادية بما يخدم تحالفات السلطة والمال، وينشأ ما يشبه "الاستعمار الداخلي" حيث تتصرف النخب إزاء اقتصاد بلدها كما تتصرف القوى الاستعمارية إزاء المستعمرات، فتستخرج الموارد وتهمش السكان من دون أن ينشأ رابط عضوي بين رفاه النخبة ورفاه المجتمع.
تدعم مؤشرات الحوكمة العالمية وتقارير البنك الدولي هذه القراءة، حيث تُظهر أن ضعف سيادة القانون، وارتفاع مستويات الفساد، وتقييد المنافسة، ترتبط جميعها بانخفاض الإنتاجية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب، كما تكشف دراسات التنمية المقارنة أن الاقتصادات التي تعاني من "فخ المؤسسات الاستخراجية" تكون أقل قدرة على تحقيق نمو شامل، حتى وإن امتلكت موارد طبيعية ضخمة.
وعليه، فإن البؤس في المنطقة لا يمكن ردُّه إلى عامل أحادي، بل هو نتاج تشوه بنيوي مزدوج: دولة تحتكر الموارد دون كفاءة أو مساءلة، فتتحول من فاعل تنموي إلى جهاز لإعادة توزيع الريع، وسوق مقيدة تُدار عبر شبكات النفوذ، فتفقد قدرتها على الابتكار وتوليد الفرص، ومجتمع مفكك تضعف فيه آليات التنظيم والضغط، وبهذا المعنى، لا يعود البؤس نتيجة "حضور الرأسمالية" أو "غيابها" في حد ذاته، بل نتيجة فشل الدولة وفشل السوق في آن واحد. إنه "مأزق التزامن" حيث يتطلب إصلاح الدولة أسواقًا فاعلة، ويتطلب إصلاح السوق دولةً قادرة، فيصبح الخروج من الحلقة مرهونًا بالقدرة على تحريك القطبين معًا في حركة مزدوجة متزامنة.
وهكذا، لا يعود السؤال: كيف نختار بين الدولة والسوق؟ بل يصبح: كيف نكسر "حلقة اللافاعلية المؤسسية" حيث تنتج المؤسسات الرديئة نتائج رديئة تعززها بدورها؟ وإن كسر هذه الحلقة يستلزم "نافذة فرصة" تُفتح عادة بعد صدمات، وتتطلب تحالفًا اجتماعيًا واسعًا قادرًا على فرض "عقد اجتماعي جديد"، لا يكتفي بإصلاح جزئي داخل البنية المختلة، بل يجرؤ على إعادة تصميم قواعد اللعبة ذاتها.
ثانيًا: أزمة المعنى والشرعية - حين يتحول الاقتصاد إلى سؤال وجودي
لا يُختزل البؤس في الشرق الأوسط في مؤشرات الدخل أو معدلات البطالة، بل يتجاوزها إلى مستوى أعمق يمس بنية المعنى ذاتها التي يعيش في إطارها الفرد، حيث تتآكل الروابط التي تمنح الحياة الاجتماعية اتساقها وغايتها، وهذا ما عبَّر عنه علم الاجتماعالكلاسيكي بمفهوم الأنومي (Anomie)، أي حالة اللامعيارية التي تنشأ عندما تفقد القواعد الاجتماعية قدرتها على توجيه السلوك وضبط التطلعات، فيتحول المجتمع، بتعبير بورديو، من "فضاء منظم بالآمال المعقولة" إلى "فضاء منظم باليأس المحتم"، حيث يتسع البُون بين الآمال الذاتية والفرص الموضوعية إلى درجة الانهيار، فينشأ "الاغتراب المزدوج": عن الواقع الذي يُعاش، وعن المستقبل الذي لم يعد قابلاً للتخيل.
ففي كثير من مجتمعات الشرق الأوسط، يجد الفرد نفسه عالقاً داخل مفارقة قاسية: تعليم يتوسع كمياً دونأن يرتبط بسوق عمل فعلي، وعمل متاح لكنه هشّ لا يضمن استقراراً أو كرامة، ودولة حاضرة في الخطاب وغائبة في الفعل، تعجز عن توفير أفق مستقبلي يمكن التعويل عليه، فتغدو الدولة، في خبرة المواطن اليومية، "كيانًا طيفيًا": حاضرة في الأغاني والشعارات والملصقات، غائبة في المستشفى والمدرسة والمحكمة، قوية في العقاب، وضعيفة في التمكين، وهذا الانشطار بين "دولة الخطاب" و"دولة الواقع" يُنتج اغترابًا وجوديًا لا يقل عمقًا عن الاغتراب الاقتصادي.
وهنا يتقاطع، بصورة لافتة، ماركس الذي كشف اغتراب الإنسان عن عمله، مع دوركايم الذي ربط التفكك بغياب المعايير، ومع فيبر الذي شخص أزمة الشرعية حين تفشل الدولة في التحول إلى كيان عقلاني-قانوني، غير أن هذا التشخيص الفيبري يحتاج إلى استكمال بما كشفت عنه فلسفة الاعتراف المعاصرة، خاصة لدى أكسل هونيث: فالشرعية لا تنهار فقط حين تغيب العقلانية القانونية، بل حين تُسلب من المواطن "خبرة الاعتراف المتبادل" في أبعادها الثلاثة: الحب والرعاية، والحقوق المتساوية، والتقدير الاجتماعي للجدارة، فحين يُحرَم الفرد من هذه الأبعاد مجتمعة، لا يشعر فقط بالظلم، بل يشعر بالاحتقار، وهو شعور أشد حفزًا للغضب من الحرمان المادي وحده.
غير أن التجارب المقارنة الحديثة تشير إلى بُعد إضافي لم يكن حاضراً بالقدر الكافي في التحليل الكلاسيكي: غياب الحريات الفردية والمؤسسات الضامنة لها لا يقل تأثيراً عن الفقر المادي، بل يسهم في إعادة إنتاجه، وهو ما تبلوره نظرية "العجز المتعلَّم": حين يتكرر الحرمان وتُغلق قنوات التغيير، لا يتحول الأفراد إلى ثوار بالضرورة، بل قد يتحولون إلى "متعلمي عجز"، ينسحبون من الفعل الجمعي عن اقتناع بأن لا شيء يمكن فعله، وهذا "العجز المتجذر" ليس سكونًا محايدًا، بل هو "ممارسة سلبية" تعيد إنتاج النظام بتثبيط أي محاولة لتغييره.
وهنا تكمن المفارقة: الوعي بالعجز ليس نقيضًا للوعي الثوري فحسب، بل هو "أيديولوجيا سالبة" بالمعنى الذي صاغه بول ريكور؛ اعتراف ببشاعة الواقع وقبول به باعتباره "الممكن الوحيد"، فيتحول الواقع إلى قدر، واليأس إلى "عقلنة للخضوع"، وبهذا المعنى، لا يعود البؤس مجرد خلل في توزيع الثروة، بل يصبح أزمة مركبة في المعنى والشرعية معاً، حيث يفقد الفرد ثقته في العمل كمسار للترقي، وفي الدولة كضامن للعدالة، وفي المجتمع كحاضنة للتضامن.
وهكذا، فإن أي مشروع للخروج من البؤس لا يمكن أن يكون اقتصاديًا محضًا، بل يجب أن يكون "مشروعًا لاستعادة المعنى": أن يعيد للعمل كرامته، وللدولة مشروعيتها، وللمجتمع تضامنه، وللفرد قدرته على أن يكون "ذاتًا فاعلة" لا "موضوعًا سلبيًا" في تاريخه. إنها مسألة إنسانية قبل أن تكون تقنية، وجودية قبل أن تكون إجرائية، لأن المطلوب ليس مجرد "إصلاح" بل "إعادة بناء للعالم المعيش" كما صاغه يورغن هابرماس.
ثالثًا: لماذا تعثرت اللحظة الثورية؟ بين وهم الحتمية وخوف الفوضى
تكشف التجربة التاريخية المقارنة، سواء في الشرق الأوسط منذ انتفاضات العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، أو في تحولات أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، أن توافر شروط الأزمة البنيوية لا يقود بالضرورة إلى تحول جذري ناجح. فذلك أن التاريخ، كما يقول راينهارد كوزليك، ليس مسارًا خطيًا تحكمه قوانين ضرورة، بل هو حقل متوتر من "الآفاق المتصارعة للتوقع" و"الفضاءات المتراكمة للتجربة"، فالثورة لا تنفجر "حين تنضج الشروط الموضوعية" من فقر وبطالة وظلم فحسب، بل حين يتقاطع أفق الوعي الجماعي لمستقبل أفضل ممكن مع لحظة انهيار مفاجئ للردع المتسلط، وهو تقاطع نادر لا تنتجه البنى وحدها.
وهذه المفارقة تضعف التصور الحتمي الذي ارتبط ببعض القراءات الماركسية، ففي الواقع تميل الأزمات، حين لا تُقابل ببنى تنظيمية قادرة، إلى إنتاج ما سميناه "المفارقة الثورية": ذات الشروط التي تجعل النظام القديم قابلًا للانهيار هي ذاتها الشروط التي تجعل بناء نظام جديد شديد الصعوبة، فالثورة تفتح التاريخ لكنها لا تضمن أين تكون وجهته.
وفي حين يفسر التحليل الماركسي هذا التعثر بضعف الوعي الطبقي، ويعزوه المنظور المحافظ إلى المخاطر الملازمة لأي تغيير جذري، فإن القراءة الأكثر تركيبًا تشير إلى وجود فجوة حاسمة بين طاقة السخط وقدرة البناء، فالغضب، مهما بلغ من الشدة، يظل قوة سلبية ما لم يُترجم إلى مشروع سياسي مؤسسي واضح، وهذا ما تفسره جزئيًا نظرية الفعل الجمعي كما طوَّرها منصور أولسون: "طاقة السخط" سهلة التعبئة، أما "قدرة البناء" فتتطلب تنظيمًا مستدامًا و"حوافز انتقائية" وإطارًا مؤسسيًا لإدارة الصراع الداخلي، فالسخط يجمع الحشود في الميادين، لكن البناء لا يتم في الميادين، بل في المؤسسات التي غالبًا ما تكون أول ضحايا الانفجار.
وهذا ما توضحه تجارب متعددة، حيث تحولت لحظات ثورية واعدة إلى فراغ سياسي سرعان ما ملأته قوى استبدادية أو حالات من التفكك. فينشأ ما وصفه ألبرت هيرشمان بـ"ديناميكية الإحباط": حيث تؤدي التوقعات المرتفعة إلى صدام مع صلابة البنى، فلا تعود إلى نقطة الصفر، بل تتحول إلى إحباط أشد، ويتأرجح المجتمع بين "الخروج" الفردي إلى اللامبالاة أو الهجرة، و"الاحتجاج" المتقطع، و"الولاء" المُرّ لنظام يبغضه لكنه يراه الأقل سوءًا.
في هذا السياق، يكتسب نقد هايك لفكرة "التخطيط الشامل" أهمية تحليلية، إذ يحذر من وهم إعادة تصميم المجتمع دفعة واحدة، غير أن استدعاء هذا النقد لا ينبغي أن يُفهم دعوة للإيمان المطلق بالسوق، بل كتنبيه إلى ضرورة التمييز بين التغيير الجذري غير المحسوب والإصلاح المؤسسي التراكمي. وهو تمييز يتماهى مع "نظرية التوازن المتقطع": حيث تستقر المؤسسات لفترات طويلة، ثم تنفتح "لحظات تأسيسية" وجيزة يكون فيها هامش الفعل البشري أوسع. غير أن استثمار هذه اللحظات يتطلبجهوزية فكرية وتنظيمية سابقة، فلا تُبنى البدائل في أثناء العاصفة، بل تُختبر فيها.
خلاصة الجزء الأول: نحو تجاوز ثنائية العمى المتبادل
يصل بنا هذا التشريح النقدي إلى نتيجة حاسمة: إن البؤس الاقتصادي والاجتماعي في الشرق الأوسط ليس مجرد معطى كمي، بل هو بنية تاريخية مركبة تتداخل فيها عوامل إنتاج الريع وتشوه السوق وأزمة الدولة وتفكك المعنى وانسداد الأفق الثوري. وفوق ذلك، فإن النماذج النظرية الكبرى التي صيغت لقراءة هذه الظاهرة - سواء الماركسية أو الليبرالية - تُسهم، حين تُطبَّق كأطر أحادية مغلقة، في حجب فهمها بدل إنارته، وتكرس ما دعوناه "ثنائية العمى المتبادل".
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يكون بانتصار أيديولوجي بسيط، بل يستوجب أولاً قطيعة إبستيمولوجية مع الأدوات الذهنية التي تنتج الأزمة بالطريقة نفسها التي تنتج بها تفسيرها، فالسؤال لم يعد: أيهما أصح، السوق أم الدولة؟ بل: كيف نعيد تصميم العلاقة بينهما في سياق تاريخي معين، وعلى أرضية لا تلغي الخلاف الجوهري بين النماذج بل تستثمره في إنتاج "خيال مؤسسي" قادر على تصور بدائل غير مختزلة.
وهكذا، فإن التشخيص الذي قدَّمناه لا ينتهي عند حد النقد، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام سؤال البناء، غير أن البناء، كما أثبتنا، ليس مجرد إرادة سياسية أو وصفة تقنية، بل هو أفق تركيبي يقتضي صبرًا مؤسسيًا، وجرأة على التجريب، وإعادة تعريف لمعاني الرفاه والسلام والحرية والعدالة في سياق الشرق الأوسط، وهو ما سيحاول الجزء الثاني من هذا المقال أن يخطو نحوه، دون أن يزعم امتلاك اليقين.
--------------------------------
بقلم: أحمد حمدي درويش






