01 - 05 - 2026

زلزال مايو: الإمارات تبدأ تنفيذ التمرد على السعودية وروسيا وسط ترحيب أمريكا وإسرائيل

زلزال مايو: الإمارات تبدأ تنفيذ التمرد على السعودية وروسيا وسط ترحيب أمريكا وإسرائيل

بدأت الإمارات اليوم الجمعة أول مايو 2026، تنفيذ قرارها بالانسحاب من منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تقودها السعودية، وتحالف أوبك بلس الذي يضم أعضاء المنظمة الـ 12 بعد خروج الإمارات و11 دولة منتجة من خارج المنظمة، وتقوده روسيا والسعودية.

قرار الانسحاب وفقاً لتصريحات وزير الطاقة الإماراتي، يتماشى مع الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد للدولة، وتزامن مع مغادرة وزير الخارجية الإماراتي مدينة جدة بعد مشاركته في قمة مجلس التعاون الخليجي، لذلك تم توجيه سؤال لوزير الطاقة بشأن استشارة السعودية في ذلك القرار فقال "لم نستشر أي جهة قبل اتخاذ قرار الانسحاب من أوبك وأوبك بلس، وهو قرار وطني سيادي".

وكانت الإمارات قد أعلنت يوم الثلاثاء (28 إبريل 2026) الانسحاب اعتباراً من أول مايو 2026، وهو ما رحب به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقال للصحفيين في البيت الأبيض، "أعتقد أنه قرار رائع، وسيسهم في خفض أسعار الغاز والنفط، ⁠وخفض أسعار جميع المنتجات".

قرار أبو ظبي وصف بالزلزال في أسواق الطاقة العالمية، ويحمل أبعاداً سياسية واقتصادية لأنه ينهي الهيمنة الجماعية للتحالف النفطي الأقوى تاريخياً، ويحرر ثالث أكبر منتج في المنظمة بعد السعودية والعراق من قيود حصص الإنتاج، لقدرتها على ضخ 1.6 مليون برميل يومياً، في حين تحصر المنظمة والتحالف الإنتاج المطروح بالأسواق عند 3.4 مليون برميل يومياً، كما أنها تمتلك خططاً لرفع إنتاجها لـ 5 ملايين برميل يومياً، وهو ما يجعل السعودية وروسيا غير قادرتين على موازنة السوق.. ويتوقع المحللون أن يصل سعر برميل البترول لقرابة 60 دولاراً، مع زيادة المعروض الإماراتي فور عودة الملاحة الطبيعية بالمنطقة.

ويعد انسحاب الإمارات ضربة قاصمة لمنظمة أوبك، وإضعاف النفوذ الخليجي كمجموعة ضغط موحدة داخل المنظمة، ويهدد بتصدع تحالف أوبك بلس، بفتح الباب أمام دول أخرى للمطالبة بحصص أكبر أو الخروج، كما يضعف قدرة التحالف على فرض سعر عادل لبرميل النفط.

** خدمة ترامب

انسحاب الإمارات يخدم أجندة ترامب في خفض أسعار النفط والغاز والبنزين عالمياً، بعد أن أصبحت ثالث أكبر منتج للنفط الخام حرة في زيادة معروضها بعيداً عن قيود الحصص.. ويحقق رغبة واشنطن في كسر هيمنة التكتلات النفطية، التي أتهمها ترامب بسرقة العالم برفع الأسعار عبر تقييد الإنتاج، وهو يرى في الانسحاب ضربة قوية لتماسك المنظمة ويضعف قدرتها على التحكم الجماعي في السوق.. كما يعزز قرار الانسحاب رواية ترامب بأن "أوبك" منظمة مليئة بالمشكلات وأن الدول القوية مثل الإمارات تفضل السير في طريقها الخاص لتحقيق مصالحها الوطنية المتوافقة مع أهداف الاستقرار السعري الأمريكي.. فضلاً عن تخفيف الضغط السياسي العالمي على الإدارة الأمريكية بسبب أسعار النفط نتيجة لحربها ضد إيران والذي أدى لإغلاق مضيق هرمز، وبالتالي يرى ترامب في زيادة الإنتاج الإماراتي المستقل صمام أمان لتهدئة السوق المضطربة، خاصة وأن الإمارات يمكنها ضخ 1.5 مليون برميل يومياً عن طريق خط أنابيب من حقل "حبشان" بأبو ظبي إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان جنوب بحر العرب دون المرور على مضيق هرمز، لنقل النفط إلى أمريكا، وأوروبا، والهند، واليابان.. أمر أخر، أن "أوبك بلس" كان يهدف لمواجهة إنتاج النفط الصخري الأمريكي.

لذلك يرى المراقبون في خروج الإمارات إضعاف للمنظمة والتحالف، بزيادة المعروض العالمي، مما يخفض الأسعار ويقلل التضخم في أمريكا، وهو ما يحبه ترامب، الذي أشار ـ أمام الصحفيين بالبيت الأبيض ـ إلى دعم مالي محتمل للإمارات عبر تبادل العملات بين البنوك المركزية في حال تفاقمت أزمات المنطقة، مما يعزز التحالف الثنائي بعيداً عن المظلة الجماعية لأوبك، وهو ما يمنح أمريكا نفوذاً أكبر في تشكيل ديناميكيات الطاقة العالمية، وفقاً لرغبة ترامب.

** الخروج من العباءة العربية

قرار الإمارات رسالة بأنها بدأت تنتهج سياسة القرار السيادي المستقل، وأنها لن تلتزم بتحالف اقتصادي يحد من مواردها، في حين لم يوفر لها التحالف السياسي والأمني الحماية وقت الحرب، واحتجاجاً على ما وصفته بضعف الموقف السياسي والعسكري التي يوفرها العمل الجماعي سواء على المستوى العربي أو الخليجي تجاه الهجمات الإيرانية على أراضيها ومضيق هرمز.

وتحفظت الإمارات على بيان القمة الخليجية بجدة والذي عقد يوم الثلاثاء (28 إبريل 2026) الذي شدد على ضرورة إيجاد حلول دبلوماسية لإنهاء النزاعات في المنطقة وتعزيز الأمن والاستقرار طويل الأمد، وركز على أهمية التكامل العسكري، وتسريع إنجاز مشروع نظام الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية، وأكد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على ضرورة إيجاد حل دبلوماسي للأزمة الإيرانية، وهو ما ترفضه الإمارات التي تدفع باتجاه ضرورة شل القدرات العسكرية للنظام الإيراني لضمان عدم تكرار التهديد، وتتوافق مع الرؤية الأمريكية ـ الإسرائيلية والتي تهدف لتحييد التهديد الإيراني، وليس احتواءه.

وتختلف الإمارات مع شقيقاتها في الخليج ومصر، فهي ترفض وقف إطلاق النار مع إيران، وترفض المبررات الإيرانية للتصعيد، ولا ترى في الدبلوماسية وحدها حلاً كافياً، وتتبنى سياسة هجومية تتعارض مع الموقف السعوي والقطري الذي يتبنى التهدئة وتفضيل الضغط الدبلوماسي لإنهاء الصراع، فيما ترفض سلطنة عمان فكرة تجريد إيران من قدراتها العسكرية، وتتمسك بضرورة الحوار والتفاهم كسبيل وحيد للاستقرار.. كما تعرب الإمارات عن استيائها من الموقف المصري الذي اعتمد "الدبلوماسية الهادئة" والوساطة بدلاً من الانخراط في تحالف عسكري أو سياسي ضاغط ضد إيران، وتتبنى رؤية الاحتواء التي تدعمها باكستان والسعودية وتركيا.

وكانت تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية كشفت عن ممارسة إسرائيل والإمارات ضغوطاً على ترامب لمواصلة الحرب ضد إيران، كما تشدد على ضرورة أن يتضمن أي اتفاق الحد من قدرات إيران الباليستية وبرنامجها النووي، وليس وقف القتال فقط، وأن فتح مضيق هرمز يكون غير مشروط، وأيضاً علاقتها بمحور المقاومة، التي تصفها إسرائيل والإمارات بالجماعات الإرهابية والأذرع الإيرانية بالمنطقة.

كما كشفت التقارير، فضلاً عن مصادر عربية لـ "المشهد" أن الإمارات مارست ضغوطاً سياسية على باكستان لإضعاف موقفها كوسيط، بدفعها لتبني مواقف حازمة لإفشال المفاوضات، وهو ما رفضته إسلام آباد، فاعتبرتها أبو ظبي منحازة لإيران، فطالبتها باسترداد وديعة بقيمة ملياري دولار كانت وضعتها في البنك المركزي الباكستاني لدعم احتياطها، فتدخلت السعودية معلنة عن حزمة دعم لباكستان قدرها 3 مليارات دولار، دفعت منها ملياري دولار ( 15 إبريل 2026) والباقي في وقت لاحق، لضمان استمرار باكستان في دورها كوسيط يحظى بثقة واشنطن وطهران، مع الحفاظ على التنسيق مع مصر وتركيا.

وكان موقع أكسيوس الأمريكي، كشف يوم الأحد (26 إبريل 2026) عن مسؤولين إسرائيليين وآخر أمريكي، أن إسرائيل أرسلت القبة الحديدية وصواريخ اعتراضية والعشرات من الجنود للإمارات في بداية الحرب على إيران، وأوضح المسؤولون أن هذه المرة الأولى التي يتم فيها نشر القبة الحديدية في دولة أخرى، وأكد مسؤول إسرائيلي أن المنظومة اعترضت عشرات الصواريخ الإيرانية.

ووفقاً لأكسيوس، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين وإماراتيين أن تنسيقا وثيقا تحقق بين البلدين في المجالات العسكرية والأمنية والاستخباراتية خلال فترة الحرب، فيما أكد مسؤول إماراتي آخر ـ وصفه أكسيوس بالبارز ـ أنهم لن ينسوا الدعم الذي قدمته لهم إسرائيل، بينما أفاد أحد المسؤولين السابقين في مجلس الأمن الوطني الإماراتي طارق العتيبة، أن إسرائيل وحلفاء آخرين قدموا دعما حقيقيا لبلاده أثناء الحرب.

ومن هنا لم يعد التحالف الإماراتي ـ الصهيوني مجرد تطبيع واتفاقية إبراهيمية، بل أصبح شراكة أمنية وتكنولوجية واستخباراتية عميقة، وربما تعتقد أبو ظبي أن تحالفها مع الصهيونية العالمية يجعلها الوكيل الإقليمي لذلك التيار بالمنطقة، في وقت تتجه فيه دول الخليج خاصة السعودية وقطر للتهدئة مع وجود بوادر تقارب خليجي ـ إيراني برعاية روسيا والصين.

ولا يفوتنا أن قرار الانسحاب من "أوبك" و"أوبك بلس" الذي وصفته الإمارات بأنه قرار سيادي وطني، ولن تبلغ به السعودية يأتي ضمن التنافس المتصاعد بين أبو ظبي والرياض على جذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، حيث تضغط السعودية عبر اشتراطات لنقل المقرات إلى الرياض، بينما تدافع الإمارات عن مكانتها كمركز مالي ولوجستي تاريخي في المنطقة. كما يوجد توتر سياسي بين البلدين بسبب اليمن حيث دعمت الإمارات قوى انفصالية في الجنوب، بينما تركز السعودية للحفاظ على حدود الدولة والتحالفات السياسية التقليدية، وهو ما دفعها لشن ضربات جوية استهدفت سفنا إماراتية محملة بالأسلحة في ميناء عدن، ومهاجمة معسكرات تابعة للإمارات. وأيضاً الموقف المتباين فيما يخص السودان والصومال، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع والانفصاليين "بصومالي لاند" مما يزعزع أمن البحر الأحمر، الذي لا تطل عليه الإمارات، وهو جزء من أمن السعودية ومصر.