تعكس بعض التعليقات الواردة على مقالي السابق وعلى الملاحظات الأولية التي أبديتها على حالة الأحزاب السياسية، حالة من اليأس بخصوص إمكانية إصلاح النظام الحزبي أو المجال السياسي العام في مصر. رأى البعض أن تقييم وضع الأحزاب السياسية القائمة في مصر لا يستحق أي نقاش جاد من الأساس، فالمشهد الحزبي يَظَهر "كالمسخ الهزلي الذي لا يستحق الوقت او المجهود الذهني في استشفاف آفاق له"، كما جاء في أحد التعليقات، فهذه الأحزاب "بلا معنى أو مضمون، وما هي إلا صدى صوت للحكومة ولما تريده الدولة"، كما جاء في تعليق موجه، على الأرجح، لحالة الأحزاب التي توصف بأنها أحزاب الموالاة، والتي تتنافس فيما بينها على كسب رضا رئيس الجمهورية والحصول على دعم مؤسسات الدولة، وتتنافس فيما بينها على الفوز بلقب حزب الحكومة، وهو اللقب الذي انتهى، في أبريل 2011، بحل الحزب الوطني الديمقراطي الذي هيمن على الحياة السياسية على مدى عقود، منذ الانتقال إلى نموذج التعددية السياسية المقيدة في السبعينات. وهناك من رأى هذه الأحزاب لم تتكون استنادا إلى أسس موضوعية، وأن "الحياة الحزبية في مصر نشأت محاكاة لإنجلترا وفرنسا". وهناك من شكَّك في وجود حياة سياسية في مصر، أصلاً، ولم ينشغل بمناقشة الملاحظة الواردة في المقال بخصوص هذه الإشكالية، وهو نقاش ضروري لإصلاح البيئة السياسية، سيتم التطرق إليه في مقال لاحق.
هذه التعليقات جميعاً تطرح تساؤلات مشروعة، وتعكس الانطباع العام السائد لدى الجمهور المهموم بالشأن السياسي العام. وتضمنت التعليقات ملاحظات تمس الغالبية الساحقة للأحزاب السياسية المرخصة، وغير المرخصة، وتنشغل بالبحث عن تأثيرها السياسي وحضورها في المجال العام. بعض التعليقات تطرق إلى موضوعات ومشكلات، سيتم تناولها في هذا المقال، المخصص لمناقشة قضية بناء الحزب السياسي، وأخرى ستتناولها مقالات لاحقة.
أشرت في المقال السابق إلى الإشكاليات الثلاث الأساسية التي تعاني منها الأحزاب السياسية المصرية، وهي مشكلة بنائية وأخرى متعلقة بالثقافة السياسية السائدة التي تنفر من التحزب وفكرة الأحزاب السياسية، أو التي ترى أن التجربة الحزبية المصرية مستوردة من أوروبا وتفتقر إلى الأسس الموضوعية لتكوين الأحزاب، وهما مشكلتان تتعلقان بالبيئة التشريعية والاجتماعية التي تعمل الأحزاب في ظلها. ما يعنينا في هذا المقال هو الإشكالية الثالثة الخاصة بأزمة التنظيم وضعف البناء المؤسسي التي تؤثر على فاعلية الأحزاب السياسية، وهي إشكالية باتت مطروحة بقوة في النقاش العام، خصوصاً بعد تخفيف القيود على إنشاء الأحزاب في السنوات الخمس الأخيرة من حكم الرئيس حسني مبارك، وهو ما أدى إلى طفرة كبيرة في عدد الأحزاب، استمرت مع ظهور أحزاب جديدة بعد ثورة يناير 2011. فتخفيف القيود لم يؤد إلى تطور الحياة الحزبية، إلا من حيث القفزة الكبيرة في عدد الأحزاب المرخصة، الذي بلغ 88 حزبًا قبل عام 2011، وارتفع لاحقًا إلى أكثر من 100 حزب، بخلاف العديد من الأحزاب التي لم تحصل بعد على ترخيص، والتي تعمل منذ سنوات كأحزاب تحت التأسيس.
ضجيج بلا طحن
هذا العدد الكبير من الأحزاب ينطوي على مفارقة أساسية، خصوصًا في ضوء تراجع العضوية في هذه الأحزاب، وعزوف الأجيال الشابة عن الانخراط في العمل السياسي والنشاط الحزبي. هذه المشكلة قد لا تكون ملحوظة في أحزاب الموالاة التي تتبع أساليب الحشد والتعبئة ولديها تمويل ضخم وتحظى بدعم أجهزة الدولة، مثل حزب "مستقبل وطن" وحزب "الجبهة الوطنية" وحزب "حماة الوطن"، لكنها ملحوظة بشدة في أحزاب المعارضة، بما في ذلك الأحزاب التي تعمل في حدود "الهامش المتاح"، والتي تفتقر إلى الموارد المالية، وتواجه حصاراً وتضييقاً من مؤسسات الدولة، لأن لديها حضوراً ما مؤثر يستند إلى وجود عدد من الكوادر السياسية والحزبية المتمرسة والقادرة على إنتاج رؤى للإصلاح السياسي، وعلى إنتاج خطاب سياسي ينتقد السياسات الحكومية، وقادرة على بلورة مطالب محددة، لكنها لا تصل إلى حد طرح سياسات بديلة لسياسات الحكومة تستند إلى البيانات والمعلومات وتفتقر إلى آليات التنفيذ. ويرجع ذلك إلى أن هذه الأحزاب لا تعمل على تطوير ذاتها، رغم حضورها، لأسباب تتعلق بمحدودية مواردها المالية والبشرية وتدني قدرتها على حشد الموارد التي تمكنها من التطوير، ولأسباب أخرى تتعلق بضعف بنيتها التنظيـمية وهشاشـتها المؤسسية، أو مرتبطة بغياب الممارسة الديمقراطية داخلها، وتمسكها بآلية لاتخاذ القرارات تحتكرها أقلية من الأعضاء المقربين لرئيس الحزب، للمناصب العليا، الأمر الذي لا يسمح بالتطوير المؤسسي، وحول كثيرًا من الأحزاب إلى أحزاب أشخاص، أو تكوينات أقرب إلى الشركات التي يسعى المسيطرون عليها إلى التربح، حتى من خلال بيع رخص هذه الأحزاب في السوق السياسي، لشخصيات تبحث عن واجهة اجتماعية تحت لافتة سياسية، ومن تحول هذه الأحزاب إلى نوادٍ مغلقة على أعضائها، أو وسيلة للحصول على لقب "رئيس حزب"، دون أن يكون هناك وجود حقيقي لهذا الحزب يتجاوز حدود المقر أو الإدلاء بتصريحات يمكن لأي محلل سياسي أن يدلي بها.
من اللافت للنظر في هذا الصدد، أن معظم الأحزاب التي تبنت أساليب ديمقراطية في إدارة شؤون الحزب تعاني من الانقسام وانسحاب الكوادر السياسية. هذه الانقسامات ناجمة بالأساس عن تعطل الآليات الأخرى للممارسة الديمقراطية، المتمثلة في الرقابة والمساءلة والمحاسبة، وعدم الانخراط في مهمة بناء الحزب، والتي تحتاج إلى كوادر بشرية مؤهلة ويمكن أن تشغل أعضاء الحزب بمهام عملية تشعرهم بجدوى مشاركتهم، وتشمل هذه العملية تطوير الهياكل التنظيمية والمؤسسية التي تمكن الحزب من أداء وظائفه الأساسية، وعلى رأسها بناء الكوادر الإدارية والسياسية المؤهلة والقادرة على إدارة ملفات أو وضع حلول للمشكلات. ومن شأن هذه الأنشطة أن تساعد على وضوح مفهوم الحزب السياسي ودوره لدى الأعضاء ولدى الجمهور العام، والعمل على وضع برامج سياسية للتعامل مع المشكلات التي يواجهها المجتمع، استرشادا بالتوجه الأيديولوجي للحزب ورؤيته. ومن شأن هذه الأنشطة أن تساعد الحزب على تحديد قاعدته الاجتماعية والتواصل معها والتعبير عن مصالحها وتمثيلها والدفاع عنها، الأمر الذي يعكس فهمًا للعمل السياسي، منفصل عن فكرة المصالح الاقتصادية والاجتماعية، أو فكرة السياسة أصلًا، أو منطق الصراع على السلطة السياسية.
مفهوم الحزب السياسي ووظيفته
يُلاحظ أن النقاش حول مشكلات الأحزاب السياسية، ينطلق عادة من افتراض وضوح ما المقصود بالحزب السياسي لدى الجمهور العام، وهو افتراض لم يختبر للتحقق من صحته. هناك مؤشرات كثيرة تدل على عدم وضوح ما الذي تعنيه الأحزاب السياسية ولا أدوارها. في مقدمة هذه المؤشرات عزوف الناس عن الانخراط في الأحزاب السياسية، الذي يعبر عن عدم ثقتهم فيما يمكن أن تحدثه هذه الأحزاب من تأثير في الواقع أو ما التغيير الذي يمكن أن تحدثه مشاركتهم في الأحزاب. ولا يقتصر فقدان الثقة في الأحزاب السياسية على الجمهور العام وإنما يمتد إلى النخبة المتعلمة والمثقفين، ويصل الأمر أحيانًا إلى حد يدفع البعض إلى استنتاج أن الأحزاب السياسية لم تعد هي الإطار الأنسب للعمل السياسي وقيادة التغيير الاجتماعي والثقافي في المجتمع، مما يدفع إلى افتراض أن الغموض في تعريف الحزب السياسي يمتد أيضًا إلى أعضاء تلك الأحزاب المناط بهم نشر الوعي الحزبي في المجتمع. في تقديري، أن أحد المشكلات الأساسية التي تعوق إصلاح الأحزاب السياسية هي عدم إدراك المنخرطين في العمل الحزبي لهذه المشكلة أو إنكارهم لوجودها إذا تم التنبيه إليها، أو التنصل من مسؤولياتهم بإلقاء اللوم على أجهزة الأمن وما تفرضه من قيود على العمل السياسي وحصار للأحزاب، وقد يلقي البعض باللوم على الجمهور الذي يشغله الجري وراء "لقمة العيش" عن الانخراط في العمل السياسي. مثل هذه الردود تشير إلى مشكلة أعمق وتثير شكوكًا بأن مفهوم السياسة نفسه ووظيفتها مشوش لدى هؤلاء.
في نظر فلاديمير لينين، زعيم الثورة الروسية في عام 1917، فإن السياسة "تعبير مكثف عن الاقتصاد"، مما يعني، وفقًا للنظرية الماركسية التي تعطي الأولوية لتأثير العامل الاقتصادي، أن القرارات السياسية والقوانين وصراعات السلطة، هي في جوهرها انعكاس للمصالح الاقتصادية الأساسية وقوى الإنتاج. فالسياسة، وفق هذا المنظور، تخدم الطبقة المهيمنة اقتصادياً وتكرس سيطرتها على مقاليد السلطة وشؤون الحكم. ورغم إقرار النظرية الماركسية - اللينينية بالعلاقة الجدلية بين الاقتصاد والسياسة، وأن السياسة تؤثر على الاقتصاد من خلال القرارات والتشريعات، إلا أن هذا الإقرار لا يكفي لفهم الدور الذي تلعبه الدولة ومؤسساتها، وأن الاقتصاد في كثير من الحالات قد يخضع للألويات السياسية. ثمة معنى آخر لهذه العبارة، إذا ما نظرنا إلى الاقتصاد بوصفه علم إدارة الندرة، لانشغاله بكيفية تحقيق التوازن بين الموارد المحدودة والاحتياجات المتزايدة. في هذا السياق تصبح السياسة هي الميدان الأساسي للصراع أو التنافس على كيفية تخصيص الموارد بما يلبي الاحتياجات وفق أولويات محددة. وتختلف الإجابة على السؤال الخاص بكيفية تحديد الأولويات في مجتمع ما، في لحظة محددة، باختلاف النظام السياسي.
ففي النظم الديمقراطية، تتم هذه العملية من خلال الحكومة التي تحصل على أغلبية أصوات الناخبين من خلال انتخابات عامة شفافة تُجرى بشكل دوري، وتصبح البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة بمثابة بيان لرؤية هذا الحزب أو ذاك للقضايا الأولى لأن تخصص لها الموارد. في الوضع الانتخابي الأمثل، يفوز الحزب، أو المرشح، الذي يطرح برنامجًا سياسيًا يتجاوب مع ترتيب الأولويات الذي تعتقد غالبية الناخبين أنه يستجيب لتوقعاتهم. أما في نظم التخطيط المركزي، تتولى الحكومة هذه المهمة، بالنيابة عن الناخبين، ويكون الحزب الواحد قناة التواصل الأساسية مع المواطنين وأخذ توقعاتهم في الحسبان عبر آليات يطبقها الحزب. في النظم الاستبدادية، تحتكر السلطة الحاكمة تحديد الأولويات، دون التشاور مع الجمهور في معظم الحالات. وبينما تغيب وظيفة الحزب السياسي في النظامين الأخيرين، تتعاظم في النظم الديمقراطية. ففي هذه النظم، تكون المهمة الأساسية للحزب السياسي هي التنافس على السلطة، وهي المهمة التي تنتظم من خلالها الوظائف الأخرى للحزب، والمتمثلة في تجميع المصالح، وبلورتها والتعبير عنها وتمثيلها. وتؤثر أيديولوجية الحزب ورؤيته الاستراتيجية وانحيازه الطبقي على صياغة برنامجه الانتخابي وعلى مواقفه. ويسعى الحزب السياسي إلى التأثير في الجمهور من خلال أجهزته الدعائية وقدراته التواصلية، بما يضمن له التأييد المستمر من قبل قطاعات أوسع من جمهور الناخبين، والحفاظ في الوقت نفسه على التواصل مع القواعد الانتخابية والاجتماعية المؤيدة له.
وفي ظل واقع معقد ومتغير، باتت البيانات والمعلومات تلعب دورًا مؤثرًا وحاسمًا في حركته، يصبح النشاط الحزبي عملا يوميا ويتطلب تطوير هياكل مؤسسية للاضطلاع بإنجاز مهام مستمرة إلى جانب الاستعداد للانتخابات، سواء كان الحزب يمارس السلطة أو شريك فيها أو كان في المعارضة. ويدفع التغير الاجتماعي والثقافي وما يطرحه من تحديات مستمرة على المجتمع والأفراد، الأحزاب السياسية إلى التكيف وتعديل مواقفها وتصوراتها الأيديولوجية استناداً إلى المعلومات والبيانات، للحفاظ على السلطة أو اكتسابها. من الملاحظ أنه في المجتمعات الديمقراطية المنفتحة، تتراجع الخلافات الأيديولوجية العميقة فيما بين الأحزاب، ومن ثم باتت برامجها السياسية والاقتصادية متقاربة إلى حد كبير، لاسيما في القضايا الأساسية، وتتراجع الأحزاب التي تعاني من الجمود العقائدي والتكلس لصالح أحزاب مرنة ومنفتحة على المجتمع وتسمح بقدر من تعددية الأجنحة والمواقف داخلها. وأضاف هذا التطور مهمة جديدة للأحزاب تتعلق بتطوير آليات لإدارة الحوار والاختلافات داخلها، وتوظيف تعدد الرؤى بما يمكنها من تحقيق الهدف النهائي المتمثل في كسب ثقة الناخبين والوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها. ومن ثم، فإن النظم الديمقراطية والمناخ الليبرالي يساعدان على تطوير الأحزاب وزيادة فاعليتها، بما يعزز الديمقراطية ويجعل النظام السياسي ككل قادر على مواجهة التحديات والتعامل مع الأزمات، ويقلل من احتمالات استغلال هذه الأزمات، للانقلاب على الديمقراطية واحتكار السلطة.
هناك إشكالية فيما يخص تعريف الحزب السياسي ودوره في مصر. فوفق القانون رقم 40 لسنة 1977 الخاص بنظام الأحزاب السياسية، حتى بعد تعديله بموجب القانون رقم 12 لسنة 2011، الصادر في 28 مارس 2011، بمرسوم من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، فإن تعريف الحزب السياسي يفتقر إلى عناصر أساسية في النظم الديمقراطية، إذ لم يرد في نص المادتين الثانية والثالثة من القانون أي ذكر للغرض الرئيسي للحزب، وهو التنافس على السلطة بالوسائل السلمية عبر الانتخابات، ولم تحدد المادة الثانية من القانون شكل مشاركة الأحزاب في مسؤوليات الحكم، رغم النص على ذلك، في تعريفها للحزب السياسي " كل جماعة منظمة مشتركة وتعمل بالوسائل السياسية الديمقراطية لتحقيق برامج محددة تتعلق بالشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة وذلك عن طريق المشاركة في مسؤوليات الحكم". ولم يتضمن نص المادة الثالثة من القانون لأي من الأمرين، وإن ورد في نص المادة أن الأحزاب السياسية تعمل "باعتبارها تنظيمات وطنية وشعبية وديمقراطية على تجميع المواطنين وتمثيلهم سياسيا". وهو نص يتيح للأحزاب السياسية أن تطور نفسها إذا امتلكت الإرادة لذلك. وفي التجربة الحزبية الراهنة هناك عدد قليل من الأحزاب يضطلع بمهمة تكوين الكادر الحزب بكفاءة وينخرط في النقاش العام حول القضايا المطروحة سواء في السياسة الداخلية أو في السياسة الخارجية.
الانتخابات العامة وتشظي البيئة الحزبية
في الممارسة السياسية يجري التمييز، عادة، بين ما يطلق عليه السياسة العليا، التي تتصل بقضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية والسياسات العامة في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد، وبين السياسات المحلية التي تتعلق بالخدمات العامة على مستوى المحليات، وهذا الجانب معطل، منذ حل المجالس الشعبية المنتخبة في أعقاب ثورة عام 2011، وتعثر تمرير التشريع الخاص بالإدارة المحلية، الذي يشمل أيضًا الانتخابات المحلية. ولهذه القضايا جانب تشريعي وآخر تنفيذي، ويرتبط الجانبان بالوظيفة الرقابية المفترضة للأحزاب السياسية. في النظم غير الديمقراطية، هناك ميل لدى السلطة لاحتكار الملفات السيادية التي تخص سياسة الدفاع والأمن القومي والشؤون الخارجية، ولا تسمح السلطة عادة بوجود خلافات أو نقاشات عامة حول توجهاتها في هذه الملفات، وتعمل فقط على توجيه الأحزاب لحشد التأييد لمواقفها دون أي اهتمام ببناء التوافق العام على أي من هذه الملفات من خلال حوار يشمل جميع القوى السياسية، وخصوصًا القوى التي تتبنى مواقف مختلفة في قضايا السياسة الخارجية والأمن. حتى عندما تقرر السلطة فتح النقاش العام حول بعض القضايا والتشريعات الحساسة التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، مثل قانون الإجراءات الجنائية وقانون إيجارات الشقق السكنية والمحال التجارية، وقانون الأحوال الشخصية، فإن الأحزاب تشارك ضمن منظمات المجتمع المدني ولا يؤخذ برأيها في هذه التشريعات. حتى في تجربة الحوار الوطني، لم تستجب الحكومة لرؤية أحزاب المعارضة الرئيسية فيما يمس الانتخابات التشريعية أو في أي من الملفات التي طرحت للنقاش، وتحولت الجلسات إلى ما يشبه المنتدى العام، الذي يقول فيه كل طرفه رأيه وتصوراته دون أن يسفر هذا النقاش عن وضع خطط عملية قابلة للتنفيذ من أجل وضع حلول للأزمات التي تواجهها مصر وفي مقدمتها أزمة الديون والضغوط الناجمة عن التحولات التي تشهدها المنطقة على خلفية حرب غزة والحرب في السودان وملف المياه وتداعياتها على السياسة الداخلية.
إن استمرار الوضع الراهن وحالة الأحزاب السياسية التي تعاني من الفراغ السياسي والتنظيمي، وتزايد الضغوط التي يتعرض لها المواطنون في إدارة شؤونهم اليومية، بسبب التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات، واستمرار عزوف الأحزاب السياسية، خصوصًا أحزاب المعارضة، عن الانخراط في نقاشات جادة من أجل تطوير بدائل عملية للسياسات الراهنة، يحرم المجتمع من مجهود منظم يحتاجه بشدة من أجل التعامل مع التطورات والتغيرات المفاجئة الناجمة عن تعاظم العوامل المزعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي نتيجة تحولات في البيئة الدولية والإقليمية تفرض ضغوطا على الأحزاب السياسية كي تعدل من أساليب عملها، والتكيف مع الأساليب السياسية المستجدة بفعل التطورات التكنولوجية مع استعداد المجتمعات للدخول في مراحل جديدة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وقد يكون حراك "الجيل زد" مؤشرًا على الاتجاهات الجديدة في الممارسة السياسية، يمكن للأحزاب السياسية التعامل بكفاءة أكبر معها إذا بادرت للتعامل مع الإشكالية الأساسية التي تعاني منها البيئة الحزبية والتي تتمثل في حالة التشظي القائمة نتيجة لهذا العدد الكبير من الأحزاب المرخصة وغير المرخصة والتي تفتقر إلى الفاعلية والتأثير.
صحيح أن النظام الانتخابي الحالي، الذي يجمع بين نظام القائمة المطلقة والنظام الفردي، والخريطة الغربية للدوائر الانتخابية، تزيد عزلة الأحزاب عن قواعدها الاجتماعية والانتخابية، يرسخ هذا التشظي، الذي قد يتعمق أكثر إذا أقر قانون الإدارة المحلية وفق المسودات المتداولة التي يجري عليها نقاش عام. إن هذا النظام الانتخابي إلى جانب قانون الأحزاب السياسية المشار إليه يفرغ الأحزاب من مضمونها ويمنعها من الاضطلاع بأدوارها الأساسية في المجتمع، ولا يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تملأ الفراغ السياسي، وإن كانت تلعب دورا في وضع تصورات لإعادة المجال العام السياسي. هنا، أيضا يمكن للأحزاب السياسية، أن تأخذ زمام المبادرة، وأن تعمل على دمج هذا العدد الكبير من الأحزاب ضمن ثلاثة أو أربعة أحزاب فقط تتمحور تعبر عن التيارات الأربعة الرئيسية في السياسة المصرية، على نحو يساعد على بلورة القضايا وتركيز النقاش العام والحوار من أجل وضع تصورات لسياسات بديلة يتم التفاوض بخصوصها مع الدولة ومؤسساتها، والضغط لإصلاح هذا الوضع كي لا نُفاجأ بحالة من الفراغ السياسي التي تقود حتما إلى الفوضى.
صحيح أن الدولة تتحمل المسؤولية الأكبر عن هذا الوضع بسبب إصرارها على احتكار السلطة والقرارات في كل شأن من شؤون الدولة والحكم، وعلى مصادرة التنوع والتنافس السياسي من خلال ممارسات تخنق المجال العام وتفرض حصارا على الأحزاب السياسية التي تتبني رؤى مختلفة لرؤيتها، لكن هناك مسؤولية كبيرة تقع أيضاً على الأحزاب السياسية التي تتقاعس عن القيام بوظيفتها وعن استغلال أي حيز متاح لكي تصبح جزءًا من الحل بدلًا من أن تكون جزءًا من المشكلة. هذا لن يحدث إلا من خلال اعتراف هذه الأحزاب بالمشكلة والتخلي عن نهج "ليس في الإمكان أبدع مما كان"، وإدراك قادتها والقائمين على شؤونها أننا لسنا بخير كما يظن البعض.
----------------------------------
بقلم: أشرف راضي






