01 - 05 - 2026

الشمس – انشطار – القطار

الشمس – انشطار – القطار

(1) - الشمس

يستيقظ الوجه الجميل الهادئ الساكن والشمس لم تبعث بعد، مازالت غشاوة الفجر تحيط المكان، تغلفه، يتكاثف خيط ماء على زجاج النافذة، تلملم الروب حول جسدها الربيعي، تفتح النافذة بحذر، فيصافح النسيم البارد الخد الدافئ، تُحكم الروب حول جسدها المتفتح في عناقيده، تحاول النظر بعيدًا، فيمنعها الضباب أن ترى أبعد من كوبري طلخا.

حركة السيارات ضعيفة، أنوار صفراء على البعد، ترى أي حكاية، بل حكايات تحملها هذه العربة؟ ويا ترى فيم يفكر ركابها؟.

رسمت على النافذة الزجاج، رجلاً وامرأةً، هلالاً وصليباً، ورداً وشوكاً، بحراً وجسراً،.. وقطار، قطارُ لا تعرف من أين يأتي، لكنه يدهس الرجل والمرأة، الهلال والصليب، ويطحن الورد والشوك، غصة في  الحلق لا تدرى مصدرها، تتمتم "متى تأتى الشمس ؟؟ ..!!". 

صوت الماء القادم عبر شرايين الزمن ليستقر في جوف كنكة القهوة، تقليب البن، ملعقة السكر المعتادة، سكون فنجان القهوة في يسراها بينما تتكئ بيمناها على أفريز الشباك، ترشف منه رشفات منتظمة، تنتظر قدوم الشمس، تَبَدُدَ الغيم.

"جيهان ... جيهان" الصوت الحنون الذى صار له عشرين عاماً يهمس باسمها، يناديها، هي صورة منها لكن العمر ضعفين، تُحكم الأم إغلاق زجاج النافذة مُتسائلة، "كيف نمت بهذا الشكل طوال الليل؟ ، هيا فالساعة تخطت التاسعة...!!!".

تتثاءب في خمول لذيذ، تتساءل في  كسل ... " هل جاءت الشمس يا أمي؟ ..." تبتسم المرأة .. تحثها على النهوض ونفض الكسل، تنظر بعينيها العسليتين نحو النافذة/الزجاج فإذا الشمس قد بخرت كل الأحلام المرسومة، وخلفت وراءها غصة.

(2) انشطار

كان الوقت مساءً .. والعمر كئيباً .. ولمبة الجاز تضئ غرفة المعيشة .... كنا جلوسًا، أنا وأمى وجدتي وابن أختى الصغير ... الوجوه نصف مضاءة ولزجة بفعل الرطوبة.. يسكن في جوفها عتمة أبدية.

ضاع العمر يا جدتي .. أكل الزمان علينا وشرب .. ضاع كل شئ .. الأمنيات .. أحلام الصبا .. بسمة العمر .. الشوق إلى الأحباب .. ضاع كل شيء .. وضاعت .. ضاعت جيهان ... ضاعت يا جدتي .. ضاعت! .. أين؟.. لاأدري؟ علَّها الآن هناك.؟ حيث الزوج والفراش الدافئ والطفل الرضيع والإضاءة الباهرة.

أحلى ما في العمر ضاع!! .. مضى .. يهدر الزمن القديم ساحقا خلاياي.. راغماً عيني على البكاء.. أراوغ كي لا أبوح بالسر...!!.

"تزوج حمدان ابن عمك..." قالت جدتي، كأنما تدوس عمدًا على جُرح لا يبرأ.. ".. اعلمي يا جدتي .. لأنه حمدان فقد تزوج .. أما أنا .. فلا أستطيع ... لأني لا أعرف كيف أبدأ من جديد .. لا أستطيع النسيان".

متخذا من ألمى القديم جرحا لا ينفد دمه وتتجدد آهاته .. طامتي الكبرى أنى أحببت .. تخيلت .. تمنيت .. عشت الأمنيات .. رأيتها تمشى على قدمين .... وعندما اصطدمت بالحائط .. سقطت مني .. ضاعت في الظلام إلى حيث لا رجعة ... سرقها  اللصوص من قلبي ومن عيني.

كسيخ محمى .. يعبر جسدي .. يخترقني صوت الجدة .. فيردني إلى الحقيقة .. وإلى أن "حمدان ابن عمى قد خطب ".

(3) القطار

أحمل جسدى المكدود ورأسى المدور والحلم المترب المعنكب المغلف بأمنيات الوظيفة المحترمة.. وبريق تصريحات رجالات الشاشات وعناوين الصحف ... أحمل كل هذا في ذلك الرأس الخرب العطن الرائحة ...

أحكم الكوفية حول رقبتى.. أفرك يدى .... على رصيف المقهى.. كنت أجلس معه ... مازال الرجل يحس أن به فحولة ... نظراته تأكل سيقان النساء وتخترق الأردية.... "يا أبى أرجوك كن معى ..." يأتينى من بعيد .. من سفره الطويل ... على رأسه غبار السفر ... وفي يده تذكرة القطار.

يسترجع الرجل الذكريات.. يجتر الماضى ... مثل جواد فتى أصيل أُعدم بعد الميلاد بقليل... لم يثبت وجوده الفعلى .... ولم يمنح وسام الاستحقاق ... يخرج صوته مدشنا مزكوما برائحة الماضى البعيد ... "يا ولدى .. تزوجت أمك ولم تعش معى سوى سنوات معدودات ... جئت أنت وأخوتك .. ورحلت هى .. رحلت وتركتنى بلا أنيس ..".

يهدر القطار .. تتلاحق أمام عينى الشبابيك .. الأيدى الملوحة .. كلمات آخر اللحظات ... المنديل الطائر في الهواء ... الدمعة اللامعة في  عينى الأهل ... وذراعى المعلق في  الهواء ...

يطلب أبى كوب الشاى والنرجيلة .. يسحب نفساً عميقا .. يزفر معه آلامه ... أرقبه في  هدوءه .. وعيناه المغروزتان في  الساق المشتهاة والنهد المشتهى ... منذ أيام البربر حتى عصر القيصر ... يستملح أبى طعم الشاى .. "الله ..." يقولها راجعا بجزعه للخلف ..

وحيدا .. يهدر في  سمعى صوت القطار .. والأصوات المصاحبة له .. أتذكر أبى ... آه يا أبى .. تركتنى ولم أكن أعلم أن تذكرة القطار قابلة للتجديد ... وأن غبار السفر من الممكن أن يوضع غيره في  محطة قادمة .. حتى تذكرة القطار .. لم يعد من السهل على شرائها ... يأتى الصوت مدشناً بعبق الماضى .. برائحة السفر .." كم كانت بسيطة وخيرة نفوسكم ... كم كان حبكم ومحبتكم .. كم كان ... وكم كان ..".

ها أنذا يا والدى ... ها أنذا يا أبتى .. بعد مشوار طويل في قاعات الدراسة وعناد المذاكرة ومراوغة المعنى .. أجلس مكانك على المقهى .. نفس الركن المنزوى ... نفس الكرسى .. لكنك جلست وأنت على المعاش .. أما أنا فقد جلست قبل أن أبدأ مشوار العمل.

أبى ... لماذا لم تأخذنى معك ؟ .. لم تركتنى ..؟ كان يجب أن تأخذنى معك .. لا .. بل كان يجب أن آت أنا معك .. فالمسافرون عبر السكك الحديدية .. وتذاكر القطار .. لا يأخذون أحداً معهم .. لا يأخذون شيئاً وهم راحلون ... فقط يحملون حقائبهم في  هدوء .. ويبتسمون في  هدوء .. ثم .. ثم يتلاشون....
-------------------------------------------
بقلم: د.م. محمد مصطفي الخياط

مقالات اخرى للكاتب

الشمس – انشطار – القطار